لم يجد المسلمون الإيغور الذين هربوا من الاضطهاد في الصين الأمان الذي أملوا فيه في العالم الإسلامي وهم الآن يعيشون في خوف من يد حكومة بكين التي استطاعت أن تطالهم حتى في أماكن بعيدة مثل القاهرة.

محمد، وهو طالب علوم إسلامية يبلغ من العمر 22 عام، كان في العاصمة المصرية في يوليو من العام الماضي عندما بدأت حملة أمنية مستهدفة مجتمع الإيغور.

قرر محمد، وهو إسم مستعار لحمايته، البقاء في منزله بينما تعرض أصدقاؤه الذين حاولوا الهرب للقبض في الشوارع المحيطة به. آخرون أوقفتهم السلطات الأمنية في المطار أثناء محاولتهم مغادرة البلد.

تم القبض على المئات في الحملة الأمنية. بينما أُفرِج عن الجزء الأكبر منهم فيما بعد إلا أن، بحسب منظمة العفو الدولية، 22 طالب تم ترحيلهم للصين، وهي نتيجة كارثية نظراً لأن الإيغور الذين سافروا لبلاد إسلامية كثيراً ما يواجهون تهم بالإرهاب وأحكام سجن طويلة عند عودتهم.

بعد حملة الاستهداف الأمني، ترك معظم الإيغور في مصر البلد وذهبوا لتركيا، أما من بقوا، فأصبحت حياتهم صعبة.

يقول محمد لآسيا تايمز: “لقد اعتدنا التجمع في المناسبات والأعياد، ولكن الإيغور في مصر يعيشون الآن في خوف. هم الآن يخفضون رؤوسهم ويحاولون الحياة بعيداً عن الأنظار.”

قبضة بكين

هاجر الإيغور من إقليم زيجيانج الشرقي على موجات بداية من 1949 عندما وقع الإقليم المستقل ذي الغالبية المسلمة تحت سيطرة حكومة جمهورية الصين الشعبية. استقر غالبية مئات الآلاف الذين غادروا في بلاد إسلامية في وسط آسيا والعالم العربي نظراً للتقارب الثقافي والسهولة العملية والاقتصادية.

زاد معدل الهجرة في السنوات الأخيرة مع تزايد اضطهاد المجموعة العرقية من حكومة الصين، التي اتهمتها بتبني أفكار انفصالية والقيام بأعمال إرهابية. ولكن حتى مع التنكيل العالمي بسياسات الصين بعد خروج تقارير عن احتجاز أعداد كبيرة من الإيغور في “معسكرات إعادة تعليم”، ما زال الخطر على الإيغور في البلاد الإسلامية في ازدياد.

أصبحت الصين حليف مرغوب فيه للبلاد المسلمة وسمحت لها قبضتها التي تزداد تأثيراً واتساعاً كقوة اقتصادية صاعدة أن تطلب ترحيل مواطنيها كما تتوقع صمت حلفائها عن قضية الإيغور.

بدأت بلاد وسط آسيا الإسلامية وهي الأكثر عرضة للضغط الاقتصادي من الصين في ترحيل مئات الإيغور منذ سنوات، بحسب الناشط الإيغوري المقيم في أستراليا آليب أركن. في السنوات الأخيرة، بدأت بلدان عربية مثل مصر والسعودية في اتباع نفس النهج.

في يونيو 2017، وقعت مصر اتفاقية تعاون أمني مع حكومة الصين، وبعد شهر واحد، أطلقت السلطات الأمنية المصرية الحملة التي استهدفت الإيغور والتي شهدها محمد، وطافت قوات الشرطة الأحياء التي يتجمع بها الإيغور وقبضت عليهم بالمئات.

روابط تتفكك

يقول عمر كَنَت، وهو مدير “مشروع حقوق الإنسان للإيغور” وهي منظمة مقرها واشنطن، أن الضغط الأمني من الصين قد تشعب بشكل كسر الترابط السابق بين مجتمعات الإيغور المغتربة.

يقول كَنَت، الذي يعمل على تجميع شهادات من الإيغور حول العالم، أن حكومة الصين تجبر الإيغور بالخارج على التجسس على بعضهم، ما يخلق جو من الخوف وانعدام الثقة يجعل الإيغور حذرين من الحديث حتى مع جيرانهم ولو على بعد محيطات من الصين.

يقول عثمان، الذي يستخدم إسم مستعار لحمايته، والذي يقوم بالدراسات العليا في العلوم الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة، أن مجتمع الإيغور في مصر الذي كان متقارب انهار بعد الحملة الأمنية في 2017 وأصبح كل شخص يعيش في عزلة.

يقول: ” الكل خائف الآن إذا تجمعو أن تأتي الشرطة، لن تجدي الآن حتى 3 من الإيغور معاً في نفس المكان.”

A man prepares food at a Uighur restaurant in Cairo. The community no longer socializes in public, for fear of a new crackdown. Photo: Mostafa Darwish
يقوم رجل بتحضير الطعام في مطعم للإيغور في القاهرة. لا يقوم مجتمع الإيغور بنشاطات اجتماعية في العلن الآن خوفاً من الاستهداف الأمني. صورة: مصطفى درويش

يعطي عثمان دروس لغة عربية وقرآن لمجتمع الإيغور بالقاهرة ولكن عدد طلبته تقلص من ثمانية لإثنين، بعد رحيل البعض عن مصر وانعزال الآخرين.

كانت الحملة الأمنية صادمة لمجتمع الإيغور، يحكي عثمان، الذي كان يثق في الحكومة المصرية لدرجة أنه لم يعير إهتمام للتحذيرات التي تم تداولها من إيغور في ب عن حملة أمنية وشيكة قبل عمليات القبض بشهور.

الخوف على الأهل

لجأت حكومة الصين للقبض على أهالي الإيغور في الخارج وتعذيبهم في بعض الأحيان للضغط على المغتربين للعودة للصين، بحسب منظمات حقوقية.

تقول منظمة العفو الدولية أن السلطات الصينية قبضت على عدد من أهالي الطلبة المتواجدين بالقاهرة في 2017 لإجبار الطلبة على العودة ، ثم قبضت على الطلبة وعذبتهم فور عودتهم. كما نجحت حكومة الصين في قطع العلاقات بشكل شبه كامل بين الإيغور في الداخل ومن هم خارج البلاد. ازداد اضطهاد الإيغور في الداخل والخارج في أغسطس 2016 عندما تم تعيين عضو الحزب الشيوعي المخضرم شين كوانجو مسئولاً عن إقليم زيجيانج.

بداية من 2017، ظهر بشكل واضح أن أي تواصل مع أصدقائهم أو أفراد أسرتهم من أبناء الإقليم بالخارج سيعرض الإيغور بزيجيانج للحبس. يلجأ الإيغور بالخارج الآن لسؤال زائري الإقليم من الأجانب جلب أخبار عن أسرهم ويتابعون الصفحة الرئيسية على تطبيق المحادثة الأشهر في الصين WeChat بحثاً عن أي معلومات عن أسرهم، كما يحكي أركن. لا يملك أركن أي معلومات عن زوجته المحتجزة  في معسكر بالإقليم منذ 2017. وقد قامت أسرته، مثل الكثير غيرهم، بمسحه من كل وسائل التواصل منذ عام لحماية أنفسهم.

تركيا تتجه من الدعم للمحايدة

تركيا، والتي كانت في وقت سابق داعم قوي للإيغور ذوي الأصل التركي، تلتزم الآن الصمت بينما يستعر اضطهاد وتجاوزات الحكومة الصينية للجماعة. يقول الإيغور في تركيا أنهم ما زالوا في أمان من الاستهداف الأمني، إلا أنهم لم يعودوا قادرين على ممارسة نشاطهم السياسي مثل الماضي.

A demonstrator wearing a mask painted with the colors of the flag of East Turkestan and a hand bearing the colors of the Chinese flag attends a protest to denounce China's treatment of ethnic Uighur Muslims. Photo: AFP/Ozan Kose
متظاهر في تركيا ضد تعامل الصين مع الإيغور المسلمين. تقلصت مساحات التظاهر للإيغور في تركيا.
صورة: AFP/Ozan Kose

يقول عبدولي أيوب، ناشط إيغوري مقيم بتركيا، أن مجتمع الإيغور الكبير في تركيا كان قادر في الماضي على القيام بمظاهرات وفعاليات منددة بتجاوزات حكومة الصين في الميادين العامة، أما الآن فلا يسمح لهم بهذه النشاطات سوى في مواقع معزولة.

 

 

يقول مايكل كاستر، وهو مدافع حقوقي يعمل على آسيا ومؤلف كتاب عن الإختفاء القسري في الصين، أن تقوية الصين لعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع تركيا في السنين الماضية لم يكن محض الصدفة.

” أدركت الصين أن لتركيا تاريخ في دعم الإيغور وأرادت أن تعطل  ذلك،” يقول كاستر، ويضيف: “صحيح أن تركيا لا تقبض على الإيغور وترحلهم، إلا أن هذا سقف توقعات شديد الإنخفاض.”

كان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو قد وعد الحكومة الصينية خلال زيارة لبكين في أغسطس 2017 أن تقوم تركيا بالحد من الأنشطة المعارضة للصين على أرضها بالإضافة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف التقارير الإعلامية المهاجمة للصين.

حياة معلقة

يقول أيوب أن بالإضافة للتضييق السياسي، توقفت سفارة الصين في أنقرة عن تجديد جوازات السفر للإيغور في السنتين الماضيتين وهو ما ترك حياة الإيغور هناك معلقة.

كان لإيغور حاورتهم آسيا تايمز في 4 بلدان مختلفة نفس الشكوى، حيث امتنعت سفاراتهم عن تجديد جوازات السفر أو إصدار أي أوراق رسمية لهم، مثل وثائق الزواج وشهادات الميلاد.

عندما ذهب أيوب لتجديد جواز سفره في السفارة في 2016، أخبره الموظفون بضرورة عودته لبلده الأصلي في الإقليم من أجل إتمام ذلك، وهذا غير مطروح بالنسبة لأيوب الذي اعتقل في 2013 لتأسيسه مدارس لتعليم لغة الإيغور للأطفال في الإقليم. قضى أيوب، وهو أستاذ لغويات جامعي، 15 شهر محتجزاً ثم هرب لتركيا. مثل العديد من الإيغور المغتربين، يعيش أيوب في قلق دائم على مصير عائلته في القطاع. إخوة أيوب الثلاثة محتجزون منذ 2017 وهو لا يملك أي وسيلة لمعرفة أخبارهم.

يقول عمر كَنَت أن التعنت الحكومي في إصدار الأوراق مؤخراً كان له أثر مدمر على حياة الإيغور الذين وثق شهاداتهم مؤخراً، حيث أصبحوا غير قادرين على وضع أبنائهم غير المسجلين بالمدارس أو الحصول على وثائق ضرورية أخرى.

أيوب، الذي جاء لتركيا كأستاذ زائر بعدة جامعات سابقاً، يعتمد الآن على بعض الأعمال الحرة مع عدم قدرته على الحصول على عمل دائم بدون جواز سفر صالح.

http://www.atimes.com/article/muslim-countries-prove-dangerous-for-uighur-exiles/