لم يخطط الصحفي السعودي جمال خاشقجي لأن يشار إليه ب”الكاتب المعارض”. لقد كان كاتب يريد مساحة ليعبر عن نفسه بحرية وكان لديه الكثير ليقوله من منفاه الاختياري بحكم قربه السابق للنظام بالرياض.

اختفى الصحفي ذو ال59 عام يوم الثلاثاء الأسبوع الماضي في اسطنبول بعد دخوله القنصلية السعودية. سرّّبت السلطات التركية تقييمها أن خاشقجي قُتل داخل المبنى، بينما أنكرت الحكومة السعودية أي دخل لها باختفاء الصحفي وأصرت أنه خرج من القنصلية. ما زالت التحقيقات التركية مستمرة.

يقول النشطاء السعوديون أن اختفاء الصحفي يتواكب مع حملة القمع التي يشنها ولي العهد. إلا أن خاشقجي قد يكون الهدف الأكثر أهمية وخطورة.

صحفي مخضرم

ولد خاشقجي في المدينة بالسعودية، التي تحتضن أحد أكثر المعالم الإسلامية تقديساً. مثل الكثير من السعوديين الذين تلقوا تعليمهم العالي بالخارج، اختار جمال الولايات المتحدة، وحصل على شهادته من جامعة إنديانا عام 1983.

انغمس خاشقجي بعد ذلك في عالم الصحافة، وغطَّى الغزو السوفييتي لأفغانستان ومقاومة المجاهدين. حاور خاشقجي ابن بلده أسامة بن لادن عدة مرات، متتبعاً مساره من أفغانستان للسودان. تم تعيين خاشقجي رئيساً لتحرير جريدة الوطن السعودية في 2003 إلا أنه أقيل من منصبه بعد شهرين فقط بسبب نشره مواضيع ناقدة لمؤسسة الحكم السعودي، بحسب تقرير لبي بي سي.

قال خاشوقجي في مقابلة مع مجلة دير شبيجل (Der Spiegel) الألمانية في 2011، في أيام الربيع العربي الأولى، أنه كان يتفق لفترة طويلة مع بن لادن في رأيه أن “هناك فقط طريقين لتحرير العالم العربي من أنظمته الفاسدة: التسرب داخل النظام السياسي عبر مؤسساته، أو التخلص العنيف من دوائر الحكم الفاسدة.”

وقال للمجلة في هذا الوقت: “لم تكن الديمقراطية اختيار متاح في هذا الوقت”. إلا أن أفكار الصحفي تغيرت، ونمَّت التحركات الشعبية من البحرين إلى سوريا إيمانه بالديمقراطية.

” حكم الفرد الواحد المطلق، هو بالفعل مطلق،” صرح خاشقجي للمجلة الألمانية، “الديمقراطية هي الحل الوحيد.” علَّقت كاتبة المقال بأن “مثل هذا الكلام قد يعرض آخرين في السعودية للاستجواب والحبس.”

كان وضع خاشقجي مختلف بصفته مقرب من القصر ومستشار سابق للحاكم الملكي.

أعطى خاشقجي هذا الحديث من برج المملكة، الذي كان يعمل به مع الملياردير السعودي المتفرد الوليد بن طلال على إطلاق قناة فضائية عربية تتبع النموذج الجريء لقناة الجزيرة. صمدت القناة الجديدة يوم واحد قبل الأمر بوقف بثها.

 

‘ ما الذي أصبحنا عليه؟’

كان صعود محمد بن سلمان وتهميش الحرس القديم بداية تقليص مساحة الخطاب السياسي في السعودية. عقد ولي العهد الجديد، الذي تم تفضيله على من يسبقه في ترتيب الحكم بالعائلة الملكية في يونيو 2017، العزم على تثبيت سطوته على الحكم. في الشهور التالية، قام بن سلمان بالقبض على رجال الدين أولاً، ثم الأمراء ورواد الأعمال، من ضمنهم الوليد، مستنزفاً منهم مواردهم ومظهراً نيته للحكم الأوحد.

لم تفلت الناشطات النسويات من حملة القمع، وألقي بعدد من رائدات الحركة النسوية في السجن بعد شهر من رفع منع النساء من القيادة. قرأ خاشقجي المشهد وترك المملكة للمنفى الإرادي في الولايات المتحدة.

منذ عام، بدأ خاشقجي كتابة عامود منتظم بصحيفة الواشنطن بوست، وهي المنصة التي سمحت له بالاستمرار في التعبير عن آرائه الناقدة لسياسات ولي العهد، من الحرب في اليمن لاختطاف رئيس الوزراء اللبناني وقمع الناشطات النسويات. ذهب خاشقجي حتى اتهام محمد بن سلمان بالترويج لتاريخ معدَّل لماضي المملكة. كان خاشقجي يدرك ما تحتويه كتاباته من خطورة.

في مقابلة مع البي بي سي قبل اختفائه بأيام، قال خاشقجي أنه كان يعيش بين واشنطن وتركيا، حيث تتواجد خطيبته التركية-العمانية. عند سؤاله ما إذا كان حاول العودة للمملكة السعودية، صارح محاوره بأنه لا يعتقد أنه سيعود لبلاده في المستقبل القريب.

صرح خاشقجي في آخر ظهور إعلامي له: ” سمعت عن القبض على صديق لم يقترف أي ذنب ليستحق ذلك. جعلني هذا أشعر أني لا يجب أن أذهب. هذا الصديق الذي قبض عليه لم يكن يتحدث حتى. ربما تحدث بشكل ناقد في حفل عشاء. هذا ما أصبحنا عليه في السعودية، نحن غير معتادون على ذلك.”

http://www.atimes.com/article/who-is-jamal-khashoggi/