بعد حرب دامت أكثر من سبع سنوات، اضطرت العديد من العائلات السورية في محافظة إدلب، إلى تزويج بناتهن القاصرات من مقاتلين أجانب – بعضهم آسيويين – وذلك رغبة منهم في تحصيل المال من هيئة تحرير الشام والسكن في منازل مدنيين كانت الهيئة صادرتها. وكان لهذه الظاهرة التي انتشرت في الآونة الأخيرة نتائج كارثية على العديد من العائلات، فبعد وفاة الأب الأجنبي أو فراره خارج البلاد، يصبح الطفل بلا نسب، وخاصةً أنّ الأم لا تعلم الاسم الحقيقي لزوجها المتوفى، فحتى في عقود الزواج يستخدم أولئك المقاتلون الأجانب أسماءً وهمية، بحسب العديد من الشهادات التي حصلت عليها أسيا تايمز.

مها اليوسف فتاة سورية في العشرين من عمرها، تنحدر من ريف إدلب وهي زوجة أحد المهاجرين الذين وصلوا إلى المحافظة عام 2014، تزوجت مها من “أبو مجاهد”، والذي كان يعيش في قرية الجانودية بريف إدلب الغربي، وكانت تبلغ من العمر آنذاك ستة عشرة عاماً. روت قائلة:
” لم أكن أعرف زوجي من قبل أو رأيته وما أذكره فقط أنني تزوجت بسبب ضغوط عائلية، فوالدتي متوفية منذ عام 2000 ووالدي قتل خلال القصف الذي تعرضت له قرية الجانودية في عام 2013. بعدها أجبرني أخي على الزواج من أبو مجاهد الذي ينحدر من أصول أوزبكية، فقبلت الزواج به وأصبحنا تحت سقف منزل واحد في شهر أيلول من عام 2014.”اجتذب النزاع السوري منذ بدايته العديد من المقاتلين الأجانب، الراغبين في الإنضمام إلى بعض الجماعات المتطرفة التي نشأت هناك، وبعضهم انضم إلى تنظيم ” جبهة النصرة” فيما التحق البعض الآخر بتنظيم لدولة الإسلامية “داعش.”بحسب تقرير مركز “مجموعة صوفان” الاستشاري للشؤون الأمنية الذي صدر في تشرين ثاني/ أكتوبر 2017، فإنّ عددهم أكثر من 40 ألف أجنبيّ من 110 دولة موزعين بين سوريا والعراق.

زوج غائب

كان أبو مجاهد يأتي الى المنزل 10 أيام خلال الشهر، وفي بعض الأحيان كان يغيب لمدة أطول، بحسب اليوسف، كما أنه كان لا يتقن اللغة العربية باستثناء بضع كلمات، إلا أنّ مها كانت سعيدة معه نوعاً ما لأنه كان يعاملها بطريقة جيدة وكان دائما ما يوفر لها ما تحتاجه مستلزمات للمنزل أو غير ذلك. أبو مجاهد، هكذا تعرفه، ولم تعرف عنه سوا أنه من أوزبكستان كما أنها لا تعلم عن عائلته شيئاً، لكنها عاشت معه لمدة عامين ورزقت منه بطفل في منتصف عام 2015، وأسموه مجاهد، وفي عام 2016، جاءها خبر مقتل زوجها إثر معارك دارت بين فصائل المعارضة المسّلحة والقوات النظامية في جبال التركمان بريف اللاذقية، وهنا بدأت قصة عذاب أم مجاهد، التي ترويها قائلة:

“نزحت من قريتي بعد وفاة زوجي واشتداد المعارك ما بين قوات النظام والمعارضة، وتوجهت إلى المخيمات الموجودة في ريف إدلب الشمالي، لكنّ خوفي يكبر كل يوم، وخاصة أنّ مجاهد لا يخرج من الخيمة لأنّ شكله مختلف عن باقي الأطفال فهو يشبه الآسيويين. أكبر مشكلة تواجهني في الوقت الراهن هي أنّ المجتمع السوري أصبح يرفض عائلات المقاتلين الأجانب، كما أنّ الكثير من أهالي المخيم يتهمون زوجي بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، لذا فإنّ طفلي منبوذ وليس لدية أصدقاء، أما أنا فليس لديّ دفتر عائلة أو عقد زواج، وطفلي الآن بعمر الثلاث سنوات ولا يملك أي إثبات شخصي، لذا أشعر بالخوف الشديد من المستقبل، أعتقد أنه سيكون قاسِياً علينا”

تعيش أم مجاهد على المعونات التي يتم تقديمها الى المخيم من قبل بعض المنظمات الإنسانية، وحتى هذه اللحظة لم تتمكن من الحصول على ورقة تثبت زواجها، الذي لم يكن مثبت في المحكمة المدنية وكان عبارة فقط عن عقد قران عند شيخ من البلدة. تخبرنا:

“أعاني من حالة صعبة جداً، وخصوصاً أنني فقدت غالبية أفراد عائلتي في قصف طال قريتي عام 2017 ومنهم أخي وزوجته وأطفاله الاثنين، وكل ما أتمناه هو الحصول على أوراق ثبوتية لطفلي لكي يستطيع ارتياد مقاعد الدراسة كغيره من الأطفال، أو يكون مسجلاً في القيود المدنية، وبصراحة لا أعلم ما سيكون مصيري، فأنا أحاول البحث عن عمل أو أي شي أستطيع من خلاله تأمين حياة جيدة لي ولطفلي، كما أنّ ابني ما زال صغيراً ولا أستطيع تركه لوحده في أي مكان، وقد مضى على وجودي في هذا المخيم قرابة العام والنصف. هذا حالي كحال العديد من النساء اللواتي فقدن أزواجهنّ ولم يبق لهنّ معيل .”

زواج غير موثق ونسب مجهول

تنوعت الأسباب التي دفعت العديد من الفتيات السوريات للزواج من مقاتلين أجانب، فبعضهن أجبرن على الزواج من قبل عائلاتهنّ، فيما انجذبت بعضهن الآخر لهذا الزواج بسبب انبهارهن بشجاعة وبطولة المقاتلين. على خلفية انتشار هذه الظاهرة في عموم محافظة إدلب مؤخراً، انطلقت حملة شعبية بعنوان “من زوجك؟” وهي تهدف إلى إثناء النساء السوريات عن الزواج من المقاتلين الأجانب ومحاولة تثقيف العامة من خلال اللافتات والجرافيتي في الشوارع، إضافة لتوضيح التحديات التي ستواجه هذه السيدات وأطفالهن.

سناء امرأة سورية تبلغ من العمر 24 عاماً، وقد تزوجت منذ قرابة 6 سنوات من أبو يوسف المهاجر، مقاتل مع هيئة تحرير الشام، وينحدر من أوزباكستان، وحينها اضطرت سناء للزواج من أجنبي بسبب سوء أحوال عائلتها المادية، دون أن يكون في حسبانها أنها قد ترزق بطفلين مجهولي النسب، حيث تخبرنا:

“تزوجت من أبو يوسف عندما كنت في الثامنة عشر من عمري، في البداية لم أرغب بالزواج ولكن وبعد فترة قصيرة أحببت زوجي كثيراً، فالرجال الآسيويون يحترمون المرأة ويعاملونها بطريقة جيدة جداً، أفضل من أي شاب سوري عرفته. كان يتكلم اللغة العربية بطلاقة، وكنت سعيدة جداً مع أبو يوسف، ومن شدة حبي له تمنيت لو أنني ولدت في أوزباكستان وليس في سوريا.”
منذ قرابة العام، لا تعلم سناء شيئاً عن زوجها الذي انقطعت أخباره عقب توجهه إلى أحد المعارك مع القوات النظامية في ريف اللاذقية، وهي لا تعرف إن كان على قيد الحياة أم لا، وهو ما دفعها للانتقال لاحقاً من منزل زوجها في ريف إدلب والتوجه للعيش مع أهلها في إدلب المدينة منذ قرابة الستة أشهر، حيث تحدثت قائلة:

“لا أعلم عن زوجي شيئاً سوى أنه أخبرني أنّه ينحدر من عائلة غنية نوعاً ما في أوزباكستان، وكان يقول لي دائماً بأنه مشتاق  لعائلته وأننا سننتقل يوما ما للعيش سوياً في أوزباكستان عندما تهدأ الأوضاع قليلاً. عقب اختفاء أبو يوسف وجدت نفسي مع طفلين بلا نسب، الأكبر عمره 4 سنوات والفتاة عمرها عامين،  وأعيش الآن مع والدتي وأختي الصغرى التي تبلغ من العمر13 عاماً، كما أنّ والدي كان قد قتل في انفجار سيارة مفخخة منذ قرابة أربع شهور في شارع الثلاثين بمدينة إدلب، وهو ما اضطرني للعمل في إحدى ورش الخياطة من أجل تأمين قوتي وقوت عائلتي التي ليس لها معيل.”
أصبحت سناء المعيل الوحيد لأسرتها، وما زاد مأساتها أنها لا تملك أي أوراق ثبوتية لأطفالها سوى ورقة من المشفى تثبت بأنهم أطفالها، ولكن يغيب عنها اسم الوالد. تضيف سناء:
“أشعر بحزن كبير على اختفاء زوجي، فالأطفال بحاجة إلى والدهم، ووضعنا المادي سيء جداً. أنا أعمل مقابل 10 آلاف ليرة سورية في الأسبوع، وهذا المبلغ لا تستطيع العيش منه بسبب ارتفاع الأسعار بشكل كبير في المدينة، كما أنني لا أملك أي ورقة تثبت زواجي، باستثناء ورقة “عقد قراني” من قبل أحد المشايخ، وقد ضاعت هذه الورقة خلال فترات تنقلنا من مكان إلى آخر بسبب عمل زوجي كمقاتل.”

كارثة إجتماعية

وتواجه السيدات اللاتي يتزوجن من المقاتلين أعباءً عديدة، فالمرأة السورية لا يمكنها أن تنقل جنسيتها إلى أطفالها وزوجها الأجنبي، حيث أنّ الجنسية السورية تنقل إلى الأبناء من خلال الأب فقط، فلو وُلد الطفل لأم سورية وأب أجنبي فإنه لا يحصل على حقوق ومميزات المواطن السوري، وهناك جهود ومحاولات لتغيير هذا القانون لكن الوضع ما زال على هو عليه، وفي هذا الخصوص تحدّث  محمد، الذي طلب استخدام إسمه الأول فقط لحمايته، وهو أحد المحامين من سكان مدينة إدلب قائلاً:

“يوجد العديد من حالات  الزواج غير الموثقة في المحاكم المدنية، والذي يعتبر زواجاً غير قانوني لأنه لم يتم توثيق اسم الزوج او الاعتماد على بطاقة تعريفية له، ونحن اليوم أمام كارثة إنسانية، بسبب عدم معرفة اسم الوالد  الحقيقي أو جنسيته أو أوراقه الرسمية، لقد حاولنا بقدر المستطاع عبر ندوات تعريفية خاصة أو عبر تواصلنا مع بعض المحاكم الشرعية التنويه لخطورة هذا الموضوع، لكن دون فائدة تذكر، بسبب عدم تجاوب الآخرين معنا. المشكلة في المستقبل القريب أننا لا نستطيع استخراج وثائق رسمية لأبناء المقاتلين الأجانب، ما ينذر بأنهم سيواجهون حياة صعبة جداً “

وتابع محمد بأنّ هنالك أسباب عدّة كانت تدفع بعض العائلات لتزويج بناتهن القاصرات من مقاتلين أجانب، ومنها المال ومنها الطمع بالمنصب العسكري، كما أشار إلى أنه وثقّ قرابة 200 حالة طلاق في إدلب المدينة وريف ادلب الغربي بسبب انتشار هذا النوع من الزواج، موضحاً بأنه على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية العمل على إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، ونوه:
“تسكن العديد من عائلات المقاتلين الأجانب في منازل يتم السيطرة عليها من قبل الفصائل العسكرية وتكون تحت تصرّفهم في محافظة إدلب، مع العلم بأنّ هذه المنازل تعود لمدنيين كانوا قد نزحوا إما إلى مناطق أخرى في سوريا أو إلى الخارج.”

ومن جهة أخرى، قال أحمد وهوا أحد الناشطين الإعلاميين في مدينة إدلب الذي لم يرد ذكر إسمه بالكامل حفاظاً على سلامته، بأنّهم أطلقوا حملات توعية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام منذ قرابة العام ونصف، بسبب انتشار ظاهرة الزواج من مقاتلين أجانب، حيث يُكتب عقد الزواج بأسماء مستعارة من قبيل “أبو فلان الليبي” أو “المصري” وهكذا دون أن يتم إبرام عقد الزواج بموجب وثيقة رسمية يحملها الزوج. المفترض في الزواج من أجانب هو أن يتم العقد بتوثيق هوية الزوج سواء كان آسيويا أو أوربياً أو غير ذلك، أو بالاستناد إلى رقم جواز سفره والجهة التي أصدرته.
وأكد أحمد على ضرورة استمرار الحملات للحد من الانتشار المرعب لهذه الظاهرة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وخصوصاً في محافظة إدلب، مشيراً إلى أنّ هنالك ما لا يقل عن 50 ألف طفل مجهول النسب في عموم هذه المناطق، بمعنى أنّ والدته قد تكون معلومة ولكن الأب هو المجهول، وهذا الطفل يسمى في القانون “مجهول النسب”، واصفاً ما سبق قائلاً:   “نحن أمام كارثة اجتماعية بكل معنى الكلمة.”

ودعا أحمد إلى ضرورة أن يكون هناك قانون في المراحل القادمة لتسجيل هؤلاء الأطفال كما يسجل اللقطاء سابقاً، لإحاتطهم بالرعاية القانونية، لأن وضعهم القانوني المبهم سيحرمهم من حق التعليم ومن الجنسية.