عندما دخل آرا جولير العناية المركزة منذ أربع سنوات، انتشرت بسرعة أخبار بموت المصور العالمي. بعدها بوقت قصير، نشر آرا جولير صورة على انستجرام من سريره بالمستشفى تظهره وهو يرفع إصبعه الأوسط رداً على الإشاعات.

كان رجلاً ليس لديه صبر على الهراء وعكست ممارسته الفوتوغرافية إيمانه بقول الحقيقة بأكثر الطرق مباشرةً. ولكن، بعدما أنهى حياته الفشل الكلوي ليل الأربعاء، خلَّف جولير إرثا ًفوتوغرافياً واسعاً يتضمن أكثر من 800 ألف نيجاتيف لصور أبعد ما تكون عن المباشرة ومليئة بالتعقيدات التي ستشغل دارسي أعماله لعقود قادمة.

السيرة العملية لجولير وحياته الشخصية الذين كانا محل الكثير من الجدال كانا بلا شك خارقين للعادة. كان السبب وراء شهرته ليس عمله الذي لاقى اهتمام كبير فقط ولكن أيضاً وضعه كشخصية إعلامية غير غربية، متفردة – ولكن ليس بالمعنى الغرائبي- ذات تواجد عالمي.

ولد جولير عام 1928 لأبوين أرمنيين في إسطنبول، وتعرف على المجتمع الفني في المدينة في سن مبكر. درس جولير المسرح أثناء دراسته في مدرسة جينترونوجان الأرمينية، وأصبح المسرح شغف صاحبه طوال حياته وكان له تأثير مباشر على عمله الفوتوغرافي. بعد فترة عمل قصيرة في استوديوهات الأفلام بإسطنبول، انتقل جولير للصحافة وعمل بوظيفة في جريدة ييني إسطنبول في 1950 قادته فيما بعد للكاميرا.

مسلح بموهبة فطرية في التقاط التفاصيل الدرامية واستحضار الشعور العام، تدرج جولير بعد وقت قصير ليدير قسم التصوير في المجلة المصورة المشهورة حياة، ويتعامل مع كل المطبوعات الصحفية الكبيرة في تركيا. في سن ال30، أصبح المصور الشاب يتلقى التكليفات من المطبوعات العالمية المرموقة مثل تايم لايف وباريس ماتش وسترن وصحيفة صانداي تايمز البريطانية.

لفت عمله نظر هنري كارتييه-بريسون، الذي دعى جولير لينضم لوكالة ماجنوم في 1961- وهي لحظة فاصلة ضمنت صعوده السريع للشهرة العالمية.

حلم ضبابي

كانت ستينات القرن الماضي مرحلة مليئة بالفرص لمصور طموح من «الشرق». كانت تركيا تبرز كمكان مفضل للمسافرين الأوروبيين والأمريكيين وكان جولير في المكان المناسب لتصوير كل شخصية مشهورة تطأ قدماها البوسفور. سافر جولير كثيراً وقام بقصص مصورة خاصة عن وينستن تشيرشل وغاندي وبرتراند راسل، وماريا كالاس وبابلو بيكاسو وسلفادور دالي وشخصيات محورية أخرى في السياسة والفن العالميين.

على مر السنوات توسعت مجموعة جولير من صور المشاهير حتى أصبحت تنافس عمل قطب الصورة الأرميني الآخر: يوسف كرش، الذي يتضارب أسلوبه المصقل الأقرب للنحت مع أسلوب جولير العفوي.

ولكن ما رفع إسم جولير كأيقونة لفن التصوير في القرن العشرين، هو مجموعته المستفيضة والشخصية عن التحول السريع في البيئة العمرانية في تركيا و المجتمعات التي تعيش في أقاليم تركيا المعزولة.

تبدو صوره الضبابية المفعمة بالشعر لشوارع وموانئ تركيا القديمة وضواحيها المتهتكة وسكانها المفعمين بالنشاط مثل الحلم الضبابي بألوان الأبيض والأسود.

هذه السرديات البصرية، التي بدأت في الوقت الذي دخلت فيه تركيا مرحلة غير مسبوقة من التصنع في بداية الخمسينات، مصبوغة بحنين من يدرك إختفائه المحتم.

تحول جولير بشكل واعي-مثل المصور الفرنسي يوجين آتجيت من قبله-إلى مؤرخ للواقع الذي كان يتراجع بشكل لا رجعة فيه إلى الماضي، تاركاً أثر لن يعيش سوى كبصمة على صور ضبابية يظهر فيها تناقض الألوان بقوة.

الحنين الرقيق الذي يتسرب عبر هذه المجموعة هو وحش معقد. عبر جولير في عدة مقابلات عن إحساسه بالفقد تجاه اسطنبول القديمة بشعبها الثري متعدد الثقافات، ومعمارها ومناظرها التي تحمل طبقات من التاريخ، قائلة أن صوره هي «تاريخ مرئي» لما كان.

هذا الجانب الفلسفي هو أحد أهم أسباب اعتبار أعمال جولير أيقونية، وهي مكانة ساهم في تثبيتها المعارض والألبومات والبطاقات البريدية والمقالات المادحة من أمثال الكاتب الحاصل على جائزة نوبل أورهان باموق.

Turkish photographer Ara Guler's coffin is carried in the Uc Horon Armenian church during his funeral at Galatasareay square on Istiklal avenue in Istanbul on October 20, 2018. - Turkish photographer Ara Guler, famed for iconic images of Istanbul which captured almost three quarters of a century of the city's history, has died aged 90 on October 17, 21018. (Photo by OZAN KOSE / AFP)
حمل جثمان آرا جولير في كنيسة يوروروتيون الأرمينية في إسطنبول 20 أكتوبر \ تشرين الأول 2018.

إسطنبول الضائعة

يرى أكاديميون دارسون لفن التصوير، مثل إيبك توريللي، أن أعمال جويلر مسؤولة عن خلق الذاكرة التاريخية بقدر ما هي مسؤولة عن تسجيل مرور الوقت. بالفعل، النغمة الرثائية لألبومات جيولر مثل ألبوم «الرسمة المصورة لإسطنبول الضائعة» تقدم لنا رؤية للماضي كنقيض مثالي ومفلتر لفوضى حاضرنا.

ليس لهذا التمجيد بالطبع أساس في الحقائق التاريخية ولكنه يأتي من تروما عميقة، وقد تكون غير معترف بها، و التي أصبحت جزء من الهوية التركية-الأرمنية بعد الإبادة الجماعية في 1915.

جيولر الذي لا يخفي فخره بإنتمائه التركي، كان دائماً متحفظ بشأن إرثه الأرمني. كثيراً ما عرف جولير نفسه ك«إسطنبولي»-إبن مدينة عظيمة بدلاً من أمة. ولكن التعمق في أعماله الأقل شهرة يكشف عن ثابت: الهاجس الخفي بتأريخ كل ما بقى من الأثر الأرمني في تركيا.

تحت عناوين عامة مثل «إسطنبول الضائعة» أو «آثار الأناضول» تختبيء مجموعات ضخمة من الصور التي تظهر بقايا المجتمعات الأرمنية في عصر الدولة العثمانية وإبداعاتهم الهندسية المتناثرة في أنحاء شرق الأناضول. تجسد هذه الصور التي أخذت بين الخمسينات والثمانينات من القرن الماضي خسارة وغياب، تمزق داخلي مؤلم شكل وجهة نظر جولير المتألمة هي أيضاً عن وطنه والعالم.

قرب نهاية حياة المصور، أصبحت هذه المشاعر المكتومة أكثر وضوحاً. عندما زار أرمينيا في 2013 بمناسبة عرضه في المعرض الوطني الأرمني، تبرع جيولر بأكثر من 130 صورة للمتحف، ويقال أنه كان يفكر في نقل أرشيفه بالكامل ليريفان بشرط أن توضع في متحف مخصص لأعماله.

في النهاية، استحوذت على الأرشيف إحدى أكبر الشركات التركية، دوجوس جروب، الداعمة للحكومة، والتي افتتحت متحف جيولر قبل وفاة المصور بشهور. سوف يكون المتحف بلا شك، مثل آرا كافيه، أحد المزارات الرئيسية في تركيا وتخليد لرجل استطاع اجتياز حواجز سياسية وثقافية  لخلق إحدى التأريخات المصورة الأكثر إثارة للعواطف في القرن العشرين.

هذا التفاني في تجسيد الوقت والمكان قد يبدو اليوم بريء بشكل ساحر وموضوعي، ولكن هذا التفاني هو بالتحديد السبب الذي يتطلب إعادة مراجعة والاستمرار في الإهتمام بأعمال جولير اليوم. تركيزه المطلق على المعيّة والإبداع ومتعة الحياة الصافية يلقي الضوء على القيم المشتركة بين المجتمعات وهي صفات تواجه خطر الإنقراض في عالم يباعد بيننا وبين عملنا ومكاننا وبعضنا البعض.

الغوص في مساحة التعاطف التي خلقتها نظرة جيولر للإنسانية هو بمثابة اكتشاف للمشترك الذي يغلب الصراعات باستخدام التصوير كجسر قوي تجاه التسامح والفهم. وهو إنجاز مستحق لفنان عظيم- وهو اللقب الذي رفضه جيولر طوال حياته.

 

فيجين جالستيان حاصل على درجة الدكتوراه وهو المنظم الرئيسي لمؤسسة لوساداران للتصوير الأرمني بيريفان

ترجمة هبة عفيفي

http://www.atimes.com/article/witness-to-a-century-ara-guler-departs-istanbul-at-90/