سلطان سعود القاسمي، عملاق تويتر، داعم الفن المعاصر والمضيف المحبوب، يبدأ فصلاً جديداً بعد عقدين في الإمارات.

بشخصية متوهجة، عُرف سلطان بتعليقاته السياسية والاجتماعية الجريئة مع اندلاع الثورات العربية في 2011، قبل أن يأخذ استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي العام الماضي. كان لأزمة الخليج صداها في الإمارات و أصبح من الضروري التدقيق بشدة في التصريحات العلنية بعد صدور قوانين الجريمة الالكترونية الجديدة.

” الأجواء متوترة في الخليج لدرجة  أني أشعر أني لوكتبت مقال أنادي فيه بتقنين الدعارة وحقوق المثليين والإلحاد والماريوانا والزواج المدني والقمار وحرية الصحافة والإفراج عن المعتقلين السياسيين والديمقراطية الدستورية وإلغاء حكم الإعدام، لن يهتز لأحد رمش،” كان هذا ما كتب سلطان على صفحته على الفيسبوك في يونيو 2017 قبل أيام من دخول كل حساباته على وسائل التواصل الإجتماعي في حالة جمود.

استغل القاسمي تحرر وقته وعقله من استنزاف وسائل التواصل الاجتماعي وحول تركيزه لإيجاد منزل دائم لمجموعته من الأعمال الفنية وتشكيل السردية العامة عن الفن العربي المعاصر والتخطيط للخطوة القادمة في حياته.

خلال هذه السنة الزاخمة بالتطور، تعرفت على القاسمي.

بالرغم من خفوت حضوره على الإنترنت، إلا أن “المجلس” الشهير، أو الصالون الثقافي، الذي كان يستضيفه ظل ملتقى للإبداع، لتشهد فيلته على مرور الآلاف عبر حدائقها وغرفها الزاخرة بالأعمال الفنية وموائد سفرتها.

الدعوة لمجلس القاسمي هي بمثابة بطاقة مرور لبيئة إبداعية، مكان تُخلق فيه الصِلات وتنمو، حيث يتقابل مؤدو الألعاب البهلوانية مع المهندسين، حيث يأكل أبناء قطاع البنوك مع اليساريين على مائدة واحدة. هو بمثابة مكة لكل من يكونوا لوحة دبي كما يراها القاسمي.

بالنسبة للضيوف الذين شاركوا في مجلسه في العقدين الأخيرين، يترك رحيل القاسمي فراغ كان فيما قبل يملؤه مركز حيوي صغير.

من مومباي لدبي

ولد القاسمي في 1 يناير 1978 في ولاية الشارقة المجاورة لدبي، يتذكر أن في هذا الوقت “لم يكن هناك ما يسمى بالزحام المروري” في الإمارات، التي تحولت الآن لمفترق عالمي.

انفتح أول منفذ على العالم لسلطان في مطلع التسعينات عندما جاء أقاربه الكويتيون، فارين من غزو قوات صدام، ليقيموا مع عائلته. يقول سلطان وهو جالس في مكتبه بالشارقة الذي تتخلله نسمة هواء في أحد الأمسيات في يوليو: “قبل هذا الوقت لم أكن أعرف معنى أن يكون الشخص لاجيء.”

على يمينه صورة لوالده المتوفي وهو يتحدث على تليفون أرضي لونه رملي، شبيه بالتليفون الكائن على مكتب القاسمي.

The first Emirati cooperative was founded by a group of women including Sultan Sooud Al Qassemi's mother
صورة أثرية لأول تعاونية إماراتية

يحكي القاسمي أن والدته كانت من ضمن 10 سيدات أسسن أول تعاونية في الإمارات عام 1977. يقول وهو يشير لصورة أبيض وأسود على تليفونه: “أردت صورة وأخيراً وجدت واحدة.”

يظهر على المكتب الإعتناء ولكن ليس التجديد، فهو مظهر من ماضي الإمارات غير البعيد الذي يعتز به القاسمي بشدة. المحيط الذي ينتمي لعصر سابق يصطدم بشكل معبر مع قطع الفن المعاصر التي طعمه بها القاسمي.

تقبع خلفه لوحة ضخمة بنية تميل إلى الحمار لمقاتلين آليين، مثل الموجودين بسلسلة أفلام حرب المجرات يتسكعون في أنحاء مدينة مدمرة، ويستندوا على سيارة مهملة مزودة بمحرك قوي على الطراز الأمريكي.

Sultan Sooud Al Qassemi at his former office in Sharjah, UAE in July 2018. Photo: Alison Tahmizian Meuse
القاسمي في مكتبه بالشارقة، يوليو ٢٠١٨

أمامه أصيص صبار – هدية تلقاها من مربيته في الطفولة قبل أن يترك البلد.

تمتليء خزانته بألبومات صور قديمة. يظهر القاسمي في إحداها مبتسماً أمام بوابة مومباي في رحلة العمل الأولى له إلى الهند.

Sultan Sooud Al Qassemi displays the list of rules at Barjeel Holdings, what he says likely shielded the stock brokerage from the 2008 global financial crisis.
يعرض القاسمي قواعد شركة برجيل القابضة

شركة برجيل القابضة، كما يشرح القاسمي، كانت أول شركة وساطة مالية تبيع أسهم أجنبية في الإمارات وقد جذبت واحتفظت بقاعدة عملاء شبه هندية بالكامل. يقول القاسمي: “لدينا 400 ألف عميل، كلمهم هنود باستثناء بعض العشرات.”

لائحة القواعد المعلقة على الحائط – منها “لا محافظ وقائية،” “لا صناديق هيكلية،” تليها “لا حد زمني للصناديق،” هي التي حصنت الشركة من الأزمة الإقتصادية العالمية.

كانت برجيل هي مصدر الثروة التي سمحت للقاسمي أن يصبح مقتني أعمال فنية جاد: في 2010، أطلق القاسمي مؤسسة برجيل الفنية، وانطلق في مهمة البحث عن أكثر الأعمال الفنية المعاصرة والحديثة تأثيراً للفنانين العرب، سواء كانت في منزل مقتني أعمال فنية في هونج كونج أو في منصات بيع مغمورة على الانترنت في أمريكا.

في باريس الصحوة

أول مرة يشعر القاسمي بتواصل التراث العربي لم تكن في الخليج، وإنما كطالب في باريس. نمَّي القاسمي تقديراً للغة والثقافة العربية من خلال أمسيات قضاها مع شريك غرفته الإماراتي في باريس، يستمعون لأم كلثوم، يقرؤن الأدب العربي و يزورون معهد العالم العربي.

Al Qassemi (right) during his Paris student years
القاسمي (يمين) في سنوات دراسته في باريس

في مقال بعنوان “13 درجة شرقاً” يتذكر القاسمي عندما سحب طبق قمر صناعي عبر شوارع العاصمة الفرنسية لمحاولة التقاط القنوات العربية عن طريق توجيه الطبق، كما نصحه البائع، على 13 درجة.

كانت صحوة لم تنطفيء، وكلف القاسمي نفسه منذ ذلك الوقت أن يشارك مع قرنائه في الوطن العربي – والعالم أجمع – التاريخ الحديث للمنطقة.

في عصر أحد أيام يوليو، قاد القاسمي الطريق عبر درج يطوف عبره الهواء من مكتبه للشارع. يحسب القاسمي على أصابع اليد الواحدة المرات التي استقل فيها المصعد. رحلة قصيرة بالسيارة تقود لمتحف الشارقة للفنون المنزل الجديد لمجموعة برجيل. هناك سيتم عرض أكثر من 100 لوحة وتمثال لمدة خمسة سنوات. يتمنى القاسمي أن يتم تمديد المدة، وهو ما يشير لأن المعلق الجريء – وهي صفة نادرة في الخليج المهووس بصورته – قد لا يعود للحياة في الإمارات في وقت قريب.

في جناج برجيل، يلتقط القاسمي خريطة للعالم توضح رحلة قطع المجموعة، من معارض في أمريكا الشمالية وأوروبا وشرقاً من كوريا واليابان. حملت برجيل رسالتها إلى طهران في 2016، في أول معرض للفن العربي الحديث في إيران – المنافس والشريك التجاري المهم للإمارات.

يقول القاسمي أن أغلب رواد المعرض من الإيرانيين فوجئوا بإنتاج العالم العربي لهذا الكم من الفن المعاصر.

بمعايير عالم الفن، ما حققته برجيل في السنوات العشر الأخيرة مذهل.

كريم سلطان، مدير وأحد القائمين على برجيل، يقول أن الطبيعي هو أن يتم عرض مجموعة مرة كل عام أو عامين، إلا أن برجيل قامت بعدة معارض وإعارات في كل سنة من عمرها.

معرض الشارقة يعتبر بمثابة العودة إلى محل البداية.

عرض التاريخ

ليس هدف برجيل هو وضع الفن العربي على الخريطة فقط. ولكنها تسعى لتكوين سردية الفن العربي للقرن العشرين قبل أن تفرض المؤسسات الغربية سرديتها على المنطقة.

يقول سلطان، مدير برجيل: “نحن في لحظة شديدة الخطورة. هناك أشياء تكتب ومعارض يتم التخطيط لها ودورات تعليمية يتم تطويرها عن الفن في العالم العربي.”

عندما بدأت المجموعة في 2010، أدرك القاسمي وفريقه سريعاً أن هناك فجوة معرفية فيما يخص الفن العربي من القرن العشرين، وهي فترة شهدت على سقوط الملكيات والوصاية الاستعمارة وبزوغ أنظمة ديكتاتورية جديدة.

يقول سلطان أن تاريخ الفن المعاصر للمنطقة “لم تتم كتابته أو تصنيفه بعد – خاصة باللغة الانجليزية.” يدلل سلطان على ذلك بأن الكثيرين يعرفون أم كلثوم، المطربة المصرية، أو نجيب محفوظ الكاتب، ولكن كم منهم يعرف إسم فنان عربي؟

نمَّت برجيل، تحت قيادة القاسمي، مجموعتها خلال العقد الماضي لتصل لحوالي 1000 قطعة، ثم بذلت جهد محموم لوضع المجموعة على الخريطة وشرح أهميتها ومكانتها من خلال حوار العالمي.

كان هذا يعني معارض في الشرق والغرب، تطوير علاقات مع منظمي المعارض ومسئولي التعليم، والآن، يعني هذا ترك المجموعة للعامة.

يقول القاسمي: “لم يحدث هذا من قبل في العالم العربي أن يتم إهداء مجموعة خاصة للعامة بدون مقابل.”

fullsizeoutput_15c1
جولة بمجموعة برجيل في متحف الشارقة للفنون، الإمارات.

يقول القاسمي بنبرة تعكس إحساسه بضرورة ملحة ومسئولية تجاه مهمة على عاتقه: ” إنها لوحات مهمة جداً، يجب أن تكون متوفرة.”

الجولة

تكشف جولة عبر مجموعة برجيل في الشارقة عن كوكبة من الأفكار المتشابكة، عن أصداء وتصنيفات تستحوذ على اهتمام المتفرج طوال المعرض.

A painting from the Barjeel Collection by Armenian Ervand Demerdjian titled Nubian Girl.
الفتاة النوبية – لوحة الفنان المصري-الأرمني ارفاند دمردجيان (مجموعة برجيل)

هذا البورتريه الجانبي لفتاة نوبية في طرحتها وحليها وثوبها التقليدي يبوح بالكثير. بدلاً من التمثيل الاستعماري الذي يرضي فضول جنسي استشراقي، هذا العمل من يد الفنان المصري الأرميني أرفاند دمردجيان يعكس رقي واحترام. المنطقة تتحدث عن نفسها.

وهناك أيضاً لوحة العائلة النوبية، التي رسمتها جاذبية سري في 1962 أثناء مشاركتها في وفد الفنانين الذي أرسلته حكومة جمال عبد الناصر لتوثيق مشروعه الضخم: السد العالي.

'Portrait of a Nubian Family' part of the Barjeel Art Foundation collection on display at Sharjah Art Museum
بورتريه عائلة نوبية- لوحة الفنانة المصرية جاذبية سري (مجموعة برجيل)

بدلاً من الإنخراط في البروباجاندا، رسمت سري أهل المنطقة الذين سيُهجروا بسبب السد ويواجهوا مستقبل مبهم.

لوحة السد العالي التي رسمتها عفت ناجي في 1966 تظهر السد نفسه. الرسمة الفوضوية لهيكل بنائي وحديد، خالية من البشر، مشيرة لغياب العنصر الإنساني من المشروع.

في أعمال الفنانين الشيوعيين العراقيين صدى من بعضها البعض رغم أن الفنانين – كما يشير القاسمي – قاموا بأعمالهم في ظروف أبعد ما تكون عن بعضها.

منهم كاظم حيدر الذي ظل في العراق  تحت الحكم البعثي وكان يرسم مستخدماً رموز مشفرة. في لوحة حيدر، 10 خيول مرهقة تتسامر مع لا شيء (ملحمة الشهيد)، نرى مجموعة من الخيول المضطربة. بعضهم يعوي على الشمس المحمرة والبعض الآخر يتهاوى في يأس.  يفترض بالشهيد أن يكون إشارة للإمام الحسين، الذي قتل في كربلاء، والذي يمجده الشيعة.

'Ten Fatigued Horses Converse with Nothing'
خيول مرهقة تتسامر مع لا شيء (ملحمة الشهيد) – لوحة الفنان العراقي كاظم حيدر (مجموعة برجيل)

ولكن هذه الخيول في الحقيقة تنعى شيوعيي العراق – الذين قُتلوا حين سيطر حزب البعث على الحكم.

يشرح القاسمي المعنى الدفين، والذي توصل إليه من خلال مقابلات مع أصدقاء الفنان الذين بقوا في العراق.

ثم يأتي محمود صبري الذي هرب من القمع في العراق ولذلك استطاع أن يعبر عن نفسه بجرأة وبدون خوف.

The Hero
البطل – لوحة الفنان العراقي محمود صبري (مجموعة برجيل)

تظهر لوحته، البطل، شيوعي عراقي في المقصلة، يقف ثابتاً بينما يحيط به نحيب السيدات، وهو مشهد يعكس بوضوح صلب المسيح. تعكس اللوحة، بوضوح لا يترك مجال للشك، تعاطف مع الشيوعيين، وهو ما استطاع الفنان التعبيرعنه لوجوده خارج العراق.

القاسمي نهر من المعلومات عن كل فنان وكل لوحة، وهو دائماً يبحث في تليفونه المحمول عن تفاصيل إضافية ويسترسل في وصف الأماكن المغمورة التي جاءت الأعمال منها والظروف التي ألهمت مبدعيها.

تستوقف القاسمي لوحة تجريدية للفنان الإماراتي حسن شريف بسبب خامتها. دوناً عن باقي الأعمال المصنوعة من القمامة أو مرسومة على الورق، لوحة أبيض وأسود مرسومة باستخدام ألوان الزيت على لوحة قماشية. القاسمي يستنتج: “إنها تعيش لعقود إذاً فهو يريدها أن تبقى.”

ثم يتوقف القاسمي ليسجل احترامه ل مادونا البرتقال، لوحة للفنان فلسطيني الأصل اسماعيل شاموت، الذي هُجِّرت عائلته عند إنشاء دولة إسرائيل في 1948 والذي كان معرضه في دبي عام 2002 عتبة الدخول بالنسبة للقاسمي إلى عالم الفن.

'Madonna of the Oranges' by Palestinian artist Ismail Shammout, part of the Barjeel collection
القاسمي مسجلاً احترامه للوحة مادونا البرتقال للفنان الفلسطيني اسماعيل شاموت

يبرُز الشكل الداخلي،عمل نحتي خشبي انسيابي لسلوى روضة شقير، لاختلافه عن باقي المعرض. كانت منحنياته الهندسية الدقيقة استخدمت، كما يستنكر القاسمي، يوماً ما لتعليق المظلات والمعاطف عندما كان يقبع التمثال في بار«سماغلرز إن» بينما الحرب الأهلية اللبنانية تستعر من حوله.

يشرح القاسمي: “كان جورج الزعني يملك بار «سماغلرز إن» أثناء الحرب الأهلية وعرض القطعة طوال فترة الحرب. ثم بدأ الناس في وضع مظلاتهم عليها! تمت إساءة معاملتها لمدة 15 عام أثناء الحرب!” يقول في ذهول، مبدياً عاطفة تجاه العمل كأنه فرد من عائلته.

تعمل برجيل الآن على إنتاج مطبوعات بشرح معمق لكل عمل، يستطيع الزائر أن يقرأها ويذهب أبعد من المعلومات التعريفية الأساسية. بينما أستمع لصديقي مقتني الأعمال الفنية وهو يشرح بشغف، يبحث على الإنترنت عن معلومات ويسأل عن كل عمل، أجد نفسي أتبنى نفس شعوره بالضرورة، بأن هذه القصص ملك للعامة – وخاصة للعالم العربي.

” لقد كدنا أن ننسى الصوت الأخير،” ينتفض القاسمي. “هذا هو العمل الأهم في المجموعة.”

'The Last Sound'
القاسمي متذوقاً الصوت الأخير للفنان السوداني إبراهيم الصلاحي

رسم الفنان السوداني إبراهيم الصلاحي الصوت الأخير عام 1964. كان الصلاحي يدرس في الولايات المتحدة في الستينات عندما علم بوفاة والده.

“يسمى هذا العمل الصوت الأخير لأنه يجسد صوت الروح وهي تغادر الجسد. ما هو الصوت الأخير؟ إنه الدعاء، الصلاة. وهذه الصلاة صوفية. هي الصلاة التي يرددها مسلم صوفي من السودان.”

“الألوان هي ألوان الرمل في منطقة أم درمان التي ولد فيها والده،” يشرح القاسمي مظهراً إعجابه بكل تفصيلة. يريد أن يُثبِت رسالته أن هذه الأعمال من هذه المنطقة جوهرياً – وليست استيراداً ما من الغرب.

“الإسلام، الكائنات السماوية، القمر والنجوم. العصافير ترمز لحرية الروح. القناع الأفريقي، الحروفية،” يدقق ويُبدي تقديره لعناصر الصورة واحدة تلو الأخرى.

ثم يستخلص: “اللوحة تظهر هويته السودانية والإسلامية والعربية.”

يخطف شيء أنظاره. إنه الفراغ للفنان الكويتي جعفر إصلاح. يخترق اللوحة القاتمة والغنية مستطيل أبيض رفيع، تقتطع قاعدته نصف دائرتين بارزتين.

“هذا الإيحاء الجنسي في الجزء الأسفل! هل تتخيلي؟ لا أستطيع أن أحدد ما إذا كانت هذه مؤخرة أم صدر،” يقول القاسمي وهو يميل نحو اللوحة منبهراً. “الفكرة النمطية عن الخليج هي أنه متخلف،” يقول بنبرة تهكمية، “وهذه اللوحة صنعت في الستينات!”

"I can't tell if it's a bum or boobs."
القاسمي مأسوراً بلوحة الفراغ للفنان الكويتي جعفر إصلاح

إذا كان علي إنقاذ لوحة واحدة قد تكون هذه. أنا متزوج من الصوت الأخير ولكني أحب هذه… فهي تعني أننا جزء من الحداثة، أننا في حوار مع باقي العالم.”

يحكي كل عمل في المجموعة قصة، وتجمع بين كل منهم صلة ما. من المستحيل المغادرة بعد جولة مع القاسمي إلا مأسوراً.

درجة واحدة من الفرقة

قضى القاسمي ساعات في حركة دائمة، يسرع لشرح كل قطعة، يبذل جهد لتكون كل لحظة قيمة، ليَطبَع رسالته على حامل جديد لها. كانت الرحلة في السيارة لمنزله بدبي صامتة.

كانت هذه الليلة إحدى آخر المجالس التي يستضيفها القاسمي قبل مغادرة الإمارات وكان العبور من باب منزله بمثابة وصول لدبي.

كانت هذه الليلة. لم يكن من مكان للادعاءات والمظاهر، حيث افترض كل شخص أن الآخر لابد أن يكون شخص استثنائي، فقد اختارنا القاسمي لنتواجد بالمجلس بنفس العناية التي يختار بها قِطَعهُ الفنية.

هناك كان المهندس الذي صمم مواقف الأتوبيس بدبي على شكل قواقع، ومصمم الديكور للنادي الفخم سوهو هاوس ومؤدي شخصية الملك في عرض دبي المعروف لابيرل.

ولكن الحضور لم ينحصر في المبدعين – قد تجد أحد القائمين باللوبي بمملكة خليجية جالس بجوارك. انساب الحضور من أطراف المناظرات لأرائك الحوار.

“يشبك المحبون أيديهم،” يعلق القاسمي على هذه التفصيلة في تجمعاته، “لا يفعل الناس هذا في العلن هنا.”

يميز كل تجمع تغيير طفيف في قائمة المدعوين عن الذي سبقه، ليتضمن الحضور الدائمين، الأصدقاء، الضيوف الدوريين وآخرين مارين من المدينة. لا يمكن تصنيف المتواجدين على مائدة القاسمي تحت “نوع” واحد. يأتي المدعوون من خلفيات مختلفة، درجات تدين مغايرة أو معدومة، جنسيات ومجالات عمل متنوعة.

MN011145
مجلس مسائي في منزل القاسمي بدبي

مع تدفق الناس، انتقلنا إلى الصالون. فن القاسمي يحاوطك في كل مكان، اللوحات الجريئة تتجانس مع الضيوف وملابسهم الزاهية.

” أتعرفين مبدأ السبع درجات من الفرقة،” يقول أحد شركاء قاسمي في العمل، مشيراً إلى نظرية بأن أي شخصين في العالم يمكن وصلهم من خلال 7 أشخاص على الأكثر يعرف كل منهم من يليه، “بين سلطان وأي شخص آخر، توجد درجة فرقة واحدة.”

في هذا العشاء الأخير، كانت الكثير من الأعمال الفنية المألوفة للحاضرين غائبة من الحائط. المصباح  لبول غيراغوسيان، والتي كانت تضيء أعلى الدرج، أصبحت الآن معلقة للعامة في الشارقة.

الصوت الأخير

منذ عشائنا الأخير، انطلق القاسمي إلى فصل جديد من حياته، كزميل في برنامج جرينبرج وورلد بجامعة ييل، وهو برنامج مصمم للمبدعين الذين يريدون أن يأخذوا خطوة للوراء من عملهم وتجاربهم ويستكشفوا احتمالية تغيير اتجاههم.

“لقد سئمت من هذا،” يقول القاسمي مشيراً لعالم الأعمال. “أريد أن أفعل شيئاً آخر.”

ولكن قبل مغادرته دبي، اتخذ القاسمي قرار بالعودة لمواقع التواصل الاجتماعي. بدأ القاسمي بتغريدات عن الفن والدبلوماسية ثم سرعان ما تحول لسيل من التعليقات المحمَّلة.

في غضون أسابيع من عودته لمواقع التواصل الاجتماعي، كان القاسمي يطالب المتاحف بتحديد حصة للأقليات، منهم النساء والمثليين، وينتقد انتشار ناطحات سحاب جديدة بغرف شديدة الصغر للعاملات المنزليات، ويتفكر كيف تأثر اللاجئون وغيرهم ممن يعانوا في المنطقة من مبدأ الإذعان في الإسلام.

في نفس الوقت كان القاسمي يرتب أموره بعناية وتفكر. عبَّر القاسمي عن تقديره لمساهمة المهاجرين في الإمارات عن طريق دعوة المهندس الهندي أشوك مودي الذي صمم منزل عائلته ليوم مفتوح للعامة لزيارة المنزل الذي يعود لسبعينات القرن الماضي.

حزم القاسمي مكتبه، بما فيه ألبومات الصور، وخلف وراءه الأعمال الفنية متروكة للعامة. أما المجلس فسيسافر معه أينما يذهب.