يوم الثلاثاء تم احتواء الاحتدام بين إسرائيل وحماس الذي كان من الممكن أن يتطور لمعركة عنيفة  بعدما توسطت الحكومة المصرية للتوصل لوقف إطلاق نار بين الطرفين. إلا أن هذه الخطوة لم تلق ترحيباً في إسرائيل.

سكان المناطق الأكثر تضرراً من تبادل العنف القصير حرقوا إطارات واعترضوا مطالبين الحكومة بالتخلص من حماس تماماً. كشف استفتاء رأي سريع أن 74% من الإسرائيليين غير راضين عن تعامل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الأزمة. يتعطش الرأي العام الإسرائيلي لانتصار حاسم، ولزوال تهديد قصف بيوتهم.

في اليوم التالي لاتفاق وقف إطلاق النار، أعلن وزير الدفاع أفيجادور ليبرمان استقالته وسحب حزبه من حكومة الائتلاف. كان التفسير الرسمي الذي قاله يوم الأربعاء هو أنه يرى اتفاق وقف إطلاق النار بمثابة « استسلام للإرهاب». وأضاف «كان ردنا ضعيف جداً بعد إطلاق 500 صاروخ علينا».

كان من الغريب صدور هذه التعليقات من الرجل المسؤول رسمياً عن أداء القوات المسلحة الإسرائيلية.

قد تكون الأسباب الحقيقية متعلقة بالحسابات الانتخابية أكثر منها اختلافات حقيقية في السياسات. البرنامج السياسي المعلن لليبرمان شديد العنف. كمرشح، وعد ليبرمان أن في حال فوزه سيموت قائد حماس إسماعيل هنية في خلال 48 ساعة، وأن حماس سيتم تنحيتها عن السلطة في غزة. لم يحدث أي من ذلك.

كمرشح، وعد ليبرمان أن في حال فوزه سيموت قائد حماس إسماعيل هنية في خلال 48 ساعة، وأن حماس سيتم تنحيتها عن السلطة في غزة. لم يحدث أي من ذلك.

أشار رئيس تحرير جريدة هاآرتز ألوف بن: «كل ما سيبقى في الذاكرة من ولاية ليبرمان هو أنه رحل وإسماعيل هنية – الذي وعد بالتخلص منه في خلال 48 ساعة – مازال موجود».

بالرغم من خطابها التصادمي، إلا أن حكومة نتنياهو اتبعت سياسات معتدلة تجاه حماس وسعت أكثر من أي من سابقاتها للتفاوض (دون نجاح حتى الآن) على وقف إطلاق نار طويل الأمد على حدود غزة.

بالمقارنة مع السياسات التي اتبعتها الحكومة، تظهر وعود ليبرمان السابقة لانتخابه شعبوية وغير متسقة. من المفترض عقد انتخابات خلال العام المقبل بحسب القانون الإسرائيلي، إلا أن فضائح الفساد المحيطة بنتنياهو قد تؤدي لانتخابات مبكرة.

يشعر ليبرمان أن الطريقة الوحيدة لاستعادة صورته الشرسة هي أن يتخذ موقف صارم من وقف إطلاق النار الذي لقى رفض شعبي. بعد تصريحاته الأولى، كان ليبرمان سيجد صعوبة لو استمر في الحكومة حتى في أن يحافظ على مقعده في الكنيست.

طموح محطم

كانت هذه نتيجة شديدة الإحباط بالنسبة لليبرمان. عندما تم تعيين رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» وزيراً للدفاع، كانت هذه قفزة كبيرة للأمام في مسيرته، الكثير من أهم الشخصيات في التاريخ الإسرائيلي مروا بالمنصب الذي أصبح الآن مفرغاً، منهم دافيد بين جوريون، موشي دايان، شيمون بيريز وآريل شارون. من المتعارف عليه في إسرائيل، التي تركز على الجيش لحد الهوس، أن المتطلعين لأدوار قيادية عليهم أن يتحصلوا على خبرة في الأمن والعلاقات الخارجية. مع وصوله لمنصب وزير الدفاع، بدا أن الآفاق السياسية لليبرمان غير محدودة. إلا أن الواقع كان غير ذلك.

بالرغم من وعوده بعمل تغييرات كبيرة في النظام، إنتهى الأمر بوزير الدفاع بالاستسلام لهذا النظام الصلب والحفاظ على الوضع كما هو. كان ليبرمان مبهوراً بسلطة ورونق الجنرالات وتم التأثير عليه من قبل مسؤولين بالوزارة. حتى عند اختلافه مع الرأي السائد، لم يستطيع الوزير التأثير على السياسات. اشتكى ليبرمان خلف الأبواب المغلقة من نجاح نتنياهو في غلق الطريق على تأثيره عن طريق التعامل مباشرة مع رئيس الأركان جادي إيزنكوت. كنتيجة لهذا الوضع، فشل ليبرمان في تمييز نفسه عن غرمائه في الإنتخابات من المعسكر القومي.

كان من الواضح قيام نتنياهو باتخاذ القرارات وتهميش وزير دفاعه. في هذه الأثناء، استطاع منافس ليبرمان على أصوات اليمين رئيس حزب «الوطن اليهودي» نفتالي بينيت أن ينتقد السياسات الأمنية من الخارج. كوزير للتعليم، تفادى بينيت حمل مسؤولية قرارات لا تلقى شعبية عن الحرب والسلام.

مهمة الأحمق

لم يكن ليبرمان هو أول من يتسبب منصب وزير الدفاع في استنزاف رصيده السياسي. تعثرت المسيرة السياسية لعدة وزراء دفاع سبقوا ليبرمان بعد توليهم المنصب. دخل إيهود باراك الوزارة كرئيس حزب العمل في 2007، وبالرغم من إدارته الوزارة بكفاءة، إلا أنه خسر قيادة الحزب وشكل لائحة منشقة لم تحقق شيء. جاء بعده رئيس الأركان موشي يعلون إلى المنصب كأحد أهم أعضاء حزب الليكود. في وقت استقالته، كان قم تم تنحيته من الحزب. قام بتأسيس حزب جديد لا يتوقع أن يحصل على تمثيل في الكنيست.

هناك أسباب هيكلية لهذه الظاهرة. في عهد الحروب التقليدية والانتصارات الحاسمة، كان ينظر لدور وزير الدفاع كدور بطولي ومقدام. اليوم، تشتبك إسرائيل في حروب غير متوازنة مع أعداء خارج الدولة ولا تستطيع الانتصار عليهم بسبب حفنة من العوامل الاستراتيجية والهيكلية المقيدة. إسرائيل غير قادرة الآن على احتلال غزة أو جنوب لبنان، وأفضل ما تطمح له في الظروف الحالية هو ردع أعدائها مؤقتاً.

في نفس الوقت، الاستخدام المكثف للصواريخ من قبل حزب الله وحماس أحضر الحرب لبيوت الإسرائيليين وهو ما كان له أثر سياسي واجتماعي غير مسبوق. كشف هذا عن عجز القوات الأمنية الإسرائيلية على القيام بمهمتها وحماية المواطنين. نزعت هذه الديناميكية المحبطة عن دور وزير الدفاع المجد الذي كان مرتبط به.

لم يتعلم بينيت من تجربة ليبرمان غير المشجعة، وهو الآن يهدد بسحب حزبه من حكومة الإئتلاف إذا لم يحصل على منصب وزير الدفاع. يبدو نتنياهو مصر على الإبقاء على هوية بديل ليبرمان سراً حتى عقد الانتخابات.

أياً كان وزير الدفاع الجديد، فيجب أن يتعظ من مصير سابقيه. في مناخها الأمني المحبط حالياً، قيادة وزارة الدفاع الإسرائيلية تعتبر مهمة لا يرضاها سوى الأحمق.

ترجمة:هبة عفيفي