الأسبوع الماضي، قام 11 مراهق من شمال كوريا بمواجهة 11 آخرين من جنوب كوريا في مباراة كرة قدم في استاد صغير يقبع في وسط تلال تغمرها أشعة الشمس خارج بلدة تشنتشون بكوريا الجنوبية. في الأرجح لا تعني البطولة التي كانوا يتنافسون للفوز بها الكثير للعديد من الناس. في الحقيقة بطولة إير سبورتس ليست معروفة بالمرة.

ولكن، في الوقت الذي تترنح فيه كوريا الشمالية والولايات المتحدة على حافة الحرب وانقطعت كل خطوط التواصل الأخرى بين الكوريتين، وفرت هذه البطولة الكروية المغمورة قناة للدبلوماسية الرياضية في وقت حرج. عبر هذه القناة، شاركت كوريا الشمالية في آخر لحظة في أولمبياد بيونج تشانج الشتوية 2018 المقامة في كوريا الجنوبية.

كانت «أولمبياد السلام» هي شعلة البداية للمصالحة والتعاون بين الكوريتين، كما فتحت الباب للقمة التاريخية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة في سنغافورة في يونيو/حزيران، ما جعل من بطولة الكرة المغمورة التي شاركت بها ثماني دول مسرح لأحد أهم توظيفات الدبلوماسية الرياضية في التاريخ الحديث.

محافظ يحمل مهمة، وقصة بلا راوٍ

«حدث ذلك في 18 ديسمبر 2017، في كونمينج، الصين»، هكذا يتذكر تشوي مون-سون في غذاء مع المراسلين الأجانب قبل مباراة الأسبوع الماضي. «في هذا اليوم قابلت رئيس نادي «25 أبريل» الكوري الجنوبي، مون أونج». تشوي هو محافظ المقاطعة الجبلية الوعرة في شمال شرق كوريا الجنوبية التي استضافت الأولمبياد الشتوية و مباراة الأسبوع الماضي لفريق تحت 15 عام.

عمل تشوي، الذي يقضي فترته الثالثة كمحافظ ،قبل ذلك كصحفي ومدير تنفيذي لإحدى أكبر شبكات البث الكورية الجنوبية، كما أنه عضو في الحزب الديمقراطي وهو حزب رئيس كوريا الجنوبية مون جيه-إن. يؤمن تشوي، ذي الشخصية المبتهجة والودودة، بشدة بالتقارب بين الكوريتين.

مون أونج يرأس نادي 25 أبريل الرياضي في كوريا الشمالية وهو مجمع رياضي قومي تمت تسميته بتاريخ تأسيس القوات المسلحة للنظام المعزول. يقع في جزيرة يانجكاك في قلب بيونج يانج، ويعتبر أعضاؤه ضباط عسكريين.

تقابل تشوي ومون في مدينة كونمينج في الصين أثناء حضورهم كأس آري الرياضي، وهي بطولة كرة تحت 15 سنة تشارك فيها الفرق المحلية وليست القومية من بيلاروسيا والبرازيل والصين وكرواتيا وإيران وكوريا الشمالية وجنوب روسيا وكوريا الجنوبية وأوزباكستان وباكستان. بطولة آري، التي تأخذ إسمها من أغنية كورية تراثية «آريرانج»، تقام برعاية مقاطعة تشوي، جانجوون، والمجموعة المالية الكورية الجنوبية «هانا». كان ديسمبر 2017 شهر مليء بالتوتر. اشتبك خلاله قائد كوريا الشمالية كيم يونج-أون ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في تبادل الإهانات والمقارنة بين حجم زر تفعيل الأسلحة النووية لكل منهم، بينما

أحاطت سحابة من التوجس بشبه الجزيرة الكورية. انتشرت شائعات بتراجع بعض الفرق عن حضور أولمبياد بيونج تشانج الشتوية التي كان مقرر إقامتها في فبراير، خوفاً من الحرب التي بدت وشيكة.

بالإضافة لذلك، انقطعت كل سبل التواصل بين الكوريتين بسبب التوتر الذي نتج عن تجارب الأسلحة النووية والبالستية.

يقول كيم كيونج سونج، رئيس اتحاد التبادل الرياضي بين كوريا الشمالية والجنوبية شبه الحكومي الذي ينظم مشاركة كوريا الجنوبية في كأس آري الرياضي: «لم تكن هناك أي قنوات تواصل، القنوات الدبلوماسية والعسكرية انعدمت، إلا أن كأس آري نجح في خلقها».

في هذه الأجواء المتوترة، عرض تشوي، بصفته المسؤول الأعلى الممثل لكوريا الجنوبية الحاضر في البطولة، على مون دعوة مباشرة.

يقول تشوي: «طلبنا من كوريا الشمالية رسمياً حضور أولمبياد بيونج تشانج الشتوية». بالرغم من أن كوريا الجنوبية كانت قد عبرت علناً عن رغبتها في حضور جارتها الشمالية للأولمبياد إلا أنها لم تتلقى جواب رسمي. يضيف تشوي: «كانت هذه المرة الأولى أن يطلب منهم ذلك مباشرة». بصفته رئيس للفريق المهم، يعتبر مون أونج في درجة نائب وزير، كما أن له صوت داخل الدوائر الحاكمة، صوت وصل لأعلى المسؤولين.

في 1 يناير، رسالة من بيونج يانج تزامنت مع العام الجديد أشعلت العالم: أعلن كيم يونج-أون مشاركة بلاده في الألعاب الشتوية. تلى ذلك تطورات سريعة تم الإشارة فيها بشكل مبهم للتواصل بين تشوي ومون في مباراة الصين. وفي خضم الحماسة لمشاركة كوريا الشمالية، أطلقت كوريا الجنوبية على الألعاب «أولمبياد السلام». تطورت منذ ذلك الوقت العلاقات بين الكوريتين بمعدل أسرع من أي وقت في تاريخ شبه الجزيرة المنقسمة، حيث أقيمت ثلاث قمم بين قادة البلدين وتم تنظيم قمة رابعة في شهر ديسمبر القادم.

Moon Ung of North Korea (left) and Choi Moon-soon of South Korea (right): The men whose efforts bought North Korea to the 2018 Winter Olympics in South Korea. Photo; Andrew Salmon/Asia Times
مون أونج من كوريا الشمالية (يسار) وتشوي مون سون من كوريا الجنوبية (يمين): الرجلان اللذان أظفرت مجهوداتهم عن حضور كوريا الشمالية الأوليمبياد الشتوية 2018 في كوريا الجنوبية.
Photo: Andrew Salmon/Asia Times

رياضة في الملاعب ودبلوماسية خارجها

في استاد مملوء عن آخره عصر يوم الإثنين، كانت هناك أجواء احتفالية صاخبة – رقصة جانجنام ستايل وأغاني مشهورة أخرى – وتم تزويد الحاضرين بأعلام سبق استخدامها في الأولمبياد تظهر شبه الجزيرة الكورية متحدة، بينما يقع النشاط الأساسي داخل الملعب بين فريق من المراهقين من مقاطعة جانجون يتنافسون مع شباب 23 إبريل الشماليين.

يقول هان سونج-مين أحد المتفرجين بينما يلوح بمجموعة أعلام لكوريا المتحدة: «جئت للمشاهدة لأن أحد زملائي في المدرسة يلعب في الفريق. إذا كان هناك حدث من هذا النوع كل عام ستتحسن العلاقات بين الكوريتين وسيساهم ذلك في توحيد شبه الجزيرة الكورية».

Spetactors get into the groove at the inter-Korean match at the Ari Sports Cup in Chuncheon, South Korea. Photo: Andrew Salmon/ Asia Times
متفرجون مندمجون في المباراة بين الكوريتين في كأس الآري في تشانتشون، كوريا الجنوبية.
Photo: Andrew Salmon/ Asia Times

ولكن، في ظل الانقسام الجغرافي والفكري حول التعاون عبر الحدود، لم يشعر كل الحاضرين بنفس الحماسة للحدث والأبعاد السياسية له.

تقول يون بوك-سو، متقاعدة في سن 84: «لقد جئنا لتشجيع كوريا الجنوبية بالطبع»، وعند سؤالها عن رأيها في تطور العلاقات بين الكوريتين تقول: «لست متأكدة ما إذا كان شيء جيد أم لا، الحكومة الحالية تبدو على عجلة من أمرها أكثر من اللازم».

كانت روح المودة ظاهرة في مقاعد الضيوف المميزين حيث جلس معاً لمتابعة المباراة كل من تشوي وكيم من جنوب كوريا ومون من الشمال. أعطى كل من تشوي وكيم أحاديث صحفية على هامش المباراة وهما مفعمان بالسعادة. عرف مون نفسه للصحفيين لكنه رفض الإدلاء بأحاديث.

لم تعكر نتيجة المباراة من الجو المبتهج: فاز الزائرون 3-1.

حتى الآن تم إقامة كأس آري في الصين وفي كل من الكوريتين. بعد رحلة تشانتشون والتي تنتهي في 3 نوفمبر بعد 20 مباراة، ستقام بطولة آري القادمة في وونسان، وهو خليج يطل على مناظر طبيعية في شرق كوريا الشمالية. تضج المدينة الآن بأعمال البناء، حيث تسعى حكومة بيونج يانج لجعل المنتجع السياحي موقع عالمي للسياحة الشاطئية.

يقول تشوي: «اختارت كوريا الشمالية الموقع كرمز للإصلاح والانفتاح، مثل شنزن في الصين، وهم حالياً يبنون فنادق ووحدات سكنية وملاعب جولف وعيون مياه ساخنة».

يأمل تشوي في إضافة فريق جديد للمنافسة في وونسان في شهر مايو. يقول: «الحل الأمثل هو اتخاذ مقاربة عالمية في حل هذه المسألة. نحن ندرس إمكانية دعوة الولايات المتحدة لألعاب وونسان في مايو المقبل. نحن نؤمن أن (مشكلة شبه الجزيرة الكورية) يمكن اختصارها في الآتي: يجب أن تتواجد علاقات جيدة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية».

Visiting North Korean children wait for the on-pitch action to commence. Photo; Andrew Salmon/Asia Times
الأطفال الزائرون من كوريا الشمالية ينتظرون بداية المباراة.
Photo: Andrew Salmon/Asia Times

الخطوات القادمة

امتدت مجهودات تشوي عبر الحدود أبعد من كرة القدم. عندما كان المدير التنفيذي للقناة الكورية الجنوبية MBC في 2008، كان تشوي لاعب أساسي في تنفيذ عرض لأوركسترا فيلهارمونيك النيويوركية في بيونج يانج. أما الآن، فهو يبحث عن طريقة ليأخذ الرياضيين الكوريين الشماليين للولايات المتحدة. يقول:

«يوجد هناك ملاكمون جيدون، إلا أنهم ليسوا محترفين. نحن ندرس إمكانية تنمية بعض الملاكمين المحترفين حتى يستطيعون النجاح في السوق الأمريكي». كما تحدث تشوي مع إتحاد الجولف النسائي الأمريكي عن لاعبات الجولف الكوريات الشماليات. إلا أنه يعترف أن رياضة الجولف مازالت في مرحلة مبكرة في كوريا الشمالية التي تحتوي على ملعبين فقط.

بالرغم ذلك، فالسؤال عن مدى قدرة الدبلوماسية الرياضية على حل مشاكل سياسية مستعصية هو سؤال معقد.

حالياً، يوجد تباعد متزايد بين التطور السريع في العلاقات بين الكوريتين وبين توقف التقدم في إزالة النووي وبناء الثقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. كما أن التبادل الثقافي – مثل رحلة الأوركسترا النيويوركية المشهورة – فشلت في تحسين العلاقات في الماضي.

يقول تشوي عن الحدث في 2008: «كانت هذه المرة الأولى منذ الحرب الكورية (التي سيطرت في أثنائها القوات التابعة للولايات المتحدة والأمم المتحدة على عاصمة الشمال لفترة قصيرة) التي يرفع فيها علم الولايات المتحدة في شوارع بيونج يانج ويتم سماع النشيد الوطني». إلا أنه يعترف: « الجميع اعتقد أنه سيكون حدث استثنائي إلا أننا عدنا إلى ما كنا عليه».

رغم ذلك، فهو يأمل أن يساعد المناخ الحالي الأكثر خصوبة، حيث تزدهر العلاقات بين الكوريتين، في أن يرغب كل من ترامب ومون في حل حقيقي للأزمة الطويلة. مع نشوء علاقة بين ترامب وكيم، يبدو أن المستقبل يحمل نتائج أفضل. يقول تشوي: «نتمنى أن نرى موسم ثاني من حدث 2008، وأتمنى أن يؤدي البناء على المجهودات الثقافية لتحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية».

ولكن يختلف المحللون الجيوبوليتيون مع تشوي، حيث يجدون في الماضي الكثير من أسباب التشكك في تحسن علاقة بيونج يانج وواشنطن. صاحب تشوي الرئيس مون جي خلال القمة الأخيرة التي استمرت ثلاثة أيام في بيونج يانج وقابل بنفسه كيم سونج أون وتحدث معه وهو يرى أنه ينوي على الإصلاح.

يقول: «عندما زرت كوريا الشمالية من قبل كان من شبه المستحيل مقابلة القادة الشماليين، إلا أننا هذه المرة شربنا المشروبات مع القائد الشمالي ورأينا أن الأجواء تغيرت كثيراً. توجد تغييرات كبيرة وملموسة في شوارع كوريا الشمالية».

اللافتات المعادية للولايات المتحدة التي كانت تملأ الشوارع اختفت تقريباً، ولم يعد يتم استقبال زائري الأماكن السياحية بكلمات تأبين مبجلة لقادة كوريا الشمالية السابقين كيم الثاني سونج وكيم يونج الثاني، بحسب تشوي.

إلا أنه يدرك أن التغيير في كوريا الشمالية سيكون عملية طويلة الأمد، خصوصاً مع الإعتقاد بأن كيم نفسه يواجه مقاومة قوية من المحافظين داخل حزبه ضد سياساته الأكثر إنفتاحاً وسلمية.

يقول تشوي: «أتمنى أن يساند المجتمع الدولي كوريا الجنوبية».

Mir Nice Guy: Gangwon Province Governnor Choi Moon-soon with a pair f Olympic mascots. Photo: Andrew Salmon/Asia Times
الشخص اللطيف، محافظ جانجوون تشوي مون سون يحمل الرموز الأولمبية.
Photo: Andrew Salmon/Asia Times

ترجمة: هبة عفيفي

http://www.atimes.com/article/no-name-football-tourney-blazed-trail-for-inter-korean-friendship/