كثيراً ما تلجأ البلدان الصغيرة ذات الموارد المحدودة لتحويل نفسها إلى مراكز مالية حيث تجد البنوك المشكوك في أمرها والشركات ملاذ من المراقبين الدوليين، كوسيلة للنهوض بحال البلد.

جيبوتي، ثالث أصغر بلد أفريقي، وجدت طريقة أخرى للازدهار: استضافة القواعد العسكرية.

الدولة الصغيرة التي عرفت سابقاً بصوماليلاند الفرنسية استغلت موقعها الاستراتيجي عند فم البحر الأحمر وبعض خطوط الشحن الأكثر استخداماً في العالم العابرة لقناة السويس لإيجار أرضها الصحراوية البور لقوى أجنبية.

تمتلك جيبوتي أيضاً بميزة الهدوء النسبي في منطقة تعج بعدم الإستقرار. فرنسا، التي حكمت جيبوتي سابقاً تحتفط بقاعدة هناك، وكذلك أمريكا وإيطاليا واليابان وألمانيا وأسبانيا يحتفظون بقوات في القاعدة باستضافة فرنسا.

ثم جاءت الصين

عندما افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية خارج أرضها في جيبوتي في 1 أغسطس/آب 2017، كانت جيبوتي قد أكملت تحولها لكازابلانكا معاصرة، حيث يبدو أن الجميع يتجسس على الجميع. قد تكون جيبوتي مطلة على ميناء وتتشابه طبيعتها مع الطبيعة الوعرة للمغرب، إلا أن ليس هناك “ريك كافيه” مثل المقهى الذي اشتهر في فيلم كازابلانكا في 1942 بطولة هامفري بوجارت وإينجرد برجمان.

ولكن من نافذة فندق فخم يطل على الشاطئ في شمال مدينة جيبوتي، يمكن رؤية ضباط وعساكر غربيين مرتدين زيهم الرسمي، بجانبهم رجال أعمال صينيين وتقنيين وشخصيات مهمة من أفريقيا والبلاد العربية.

القاعدة الصينية، التي تشرف عليها القوات البحرية للصين، موقعها في ميناء دوراليه، غرب العاصمة، بينما تتواجد قواعد البلدان الأخرى بالقرب من المطار في الجنوب، على بعد 10 كيلومترات.

الجغرافيا السياسية مجال مربح في جيبوتي. تدفع الولايات المتحدة 63 مليون دولار سنوياً لإيجار قاعدتها، تدفع فرنسا 36 مليون دولار، والصين 20 مليون دولار، وإيطاليا 2.6 مليون دولار. المبلغ الذي تدفعه اليابان غير معلن.

يقدر عدد العساكر والعمال الفلبين في القاعدة الأمريكية ب4000، كما يوجد 800 فرد في المعسكر الياباني، و 1450موزعين على قاعدتين فرنسيتين – قاعدة بجانب المطار ومرفق بحري على الساحل حيث يتمركز الألمان وأسبانيا أيضاً. كما يوجد 80 فرد إيطالي في قاعدة مجاورة لمعسكر الولايات المتحدة.

قاعدة دولاريه الصينية قريبة من ميناء بحري والمحطة الأخيرة في سكة حديد جديدة بنتها الصين تمتد من ساحل جيبوتي للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. تم افتتاح السكة الحديد للاستخدام التجاري في أول يناير/كانون الثاني هذا العام، ليستبدل سكة حديد قديمة تم بناؤها أيام الحكم الفرنسي ولم تعد تستخدم.

يمكن للركاب استخدام المحطة القريبة من المطار بينما تنقل قطارات الشحن الحاويات حتى دولاريه. على مقربة، توجد أكبر سوق حرة في أفريقيا، وهي سوق جيبوتي الحرة، حيث يمكن رؤية مئات الشاحنات تنتظر لتحميل البضائع إلى وجهتها في إثيوبيا وبلاد أخرى. افتتحت السوق الحرة، التي مولتها الصين بميزانية 3.5 مليار دولار، هذا العام على مساحة 4800 هكتار. بحسب إعلان رسمي، سيتم التركيز في السوق على الخدمات اللوجستية، وخدمات التصدير والدعم المالي، والتصنيع وتجارة البضائع المعفاة من الضرائب.

هذه الجمهورية الصغيرة والهادئة في قرن أفريقيا في طريقها لأن تصبح بوابة الصين الإقتصادية لإفريقيا. إلا أن القاعدة العسكرية هي التي أصابت المجتمع العسكري الغربي في جيبوتي بالقلق.

Djibouti-Foreign Military Bases-Gateway House
عساكر صينيون يحرسون القاعدة البحرية في جيبوتي. صورة: فيسبوك

 

قالت جريدة «تشاينا ديلي» في تغطيتها لافتتاح القاعدة العسكرية في أغسطس من العام الماضي أن القاعدة قادرة على حمل 10,000 شخص، مع التوضيح أن عدد الأفراد الذين سيتمركزون هناك بالفعل لم يعلن رسمياً. قالت الجريدة أن السبب الرسمي لإنشاء القاعدة هو «دعم الجيش الصيني في مهمات حفظ السلام في أفريقيا وغرب آسيا»

تستخدم القوى الغربية التي أنشأت قواعد عسكرية في جيبوتي نفس السبب لتبرير وجودهم هناك، بالإضافة لمحاربة القرصنة الناشطة خارج ساحل صوماليا.

إلا أن التفسير الذي نشرته «تشاينا ديلي» على لسان ليو هانجو، الأستاذ بجامعة زيجيانج قد يكون أكثر صراحة من تصريحات المتحدثين الغربيين. قال هانجو أن جيبوتي: «تقع عند مفترق أوروبا وآسيا وأفريقيا، فهي بشكل ما منطقة تقاطع العالم».

من المرجح أن يكون هذه هو تفسير وجود الصين هناك: لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، وبذلك تكتسب وضع أفضل في حالة وقوع أي صراعات بين الصين والغرب، خاصة الولايات المتحدة. ليست قاعدة جيبوتي هي القاعدة الأمريكية الوحيدة في المنطقة. يملك الجيش الأمريكي أيضاً موقع مهم في قطر، بالإضافة لقاعدة سرية متعددة الاستخدامات في دييجو جارسيا، جزيرة في مساحة تحت حكم بريطانيا في المحيط الهندي، وهي الملكية الوحيدة المتبقية لبريطانيا في المنطقة بعد انسحابها من شرق السويس في ستينيات القرن الماضي.

لذلك، تعتبر قاعدة الصين الجديدة في جيبوتي هي أول تحدي لهيمنة الولايات المتحدة العسكرية على المحيط الهندي. تقوم الصين بخطوات جادة في هذا الإتجاه.

Chinese PLA Navy soldiers on guard at its Djibouti naval base. Photo: Facebook
تدريب لأفراد البحرية الأمريكية في قاعدتهم في معسكر ليمونييه في جيبوتي. صورة: ويكيبيديا

 

في يوليو/تموز 2017، قبل الافتتاح الرسمي للقاعدة العسكرية مباشرة، أحضرت سفن حربية صينية أفراد ومعدات للموقع, حملت المراكب الحربية الصينية CNS Jinggangshan أفراد القوات البحرية، والمهندسين والمركبات العسكرية، بينما نقلت CNS Donghaidao معدات ثقيلة غير محددة.

ثم في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، قامت القوات المتمركزة في القاعدة بأول تدريب باستخدام الأسلحة الحية. تم التدريب، الذي شارك فيه عشرات من العساكر، في منطقة تدريب جندارمين القومية وكان يهدف لاختبار تحمل القوات للمعركة في ظل الحر الشديد والرطوبة والملوحة – وهي الظروف المناخية في جيبوتي وبلادأفريقية أخرى.

في محاولة لإثبات عدم وجود أي نوايا غير معلنة للقواعد العسكرية المتمركزة في جيبوتي قامت وحدة الإتحاد الأوروبي المشتركة في جيبوتي لمحاربة القرصنة بتدريب مشترك مع البحرية الصينية في أكتوبر/تشرين الأول.

ولكن لا مجال لإنكار أن القوى الغربية منزعجة من تواجد الصين المستجد. في مارس/آذار من هذا العام، قال قائد العسكرية الأمريكية في أفريقيا توماس والدهاوزر أثناء جلسة استماع مع لجنة الخدمات العسكرية بمجلس النواب الأمريكي أن في حالة سيطرة الصين على ميناء دولاريه «ستكون التبعات كبيرة».

يحدث هذا الآن بينما استحوذت الحكومة الجيبوتية على الميناء الذي كانت تديره شركة DP World ومقرها دبي في فبراير/شباط بدون تفسير رسمي، ومن المرجح أن تكون الآن في مفاوضات للاتفاق مع شركة China Merchants Group المملوكة للدولة، لتكون بديلها.

طعنت شركة DP World في القرار وكسبت معركتها القضائية ضد جيبوتي في شهر أغسطس في محكمة لندن للتحكيم الدولي. ولكن هذا ليس ضمان أن المصالح الصينية لن تسيطر على الميناء قريباً.

قد يكون ميناء جيبوتي تحت السيطرة الصينية قريباً. صورة: ويكيبيديا
US Marines train at their Camp Lemonnier Base in Djibouti. Photo: Wikipedia

قالت CMPort، وهي شركة تابعة لChina Merchants Group التي تدير السوق الحر في جيبوتي في بيان في يوليو «جيبوتي، إحدى البلدان النامية المتضمنة في (المبادرة الصينية) الحزام والطريق لديها بنية تحتية مماثلة لشنزن (المدينة المقابلة لهونج كونج) وشيكو (منطقة الميناء على الطرف الشمالي لشنزن) عندما أصبحت في طليعة رحلة الصين التاريخية للإصلاح والانفتاح».

هذه اللغة الحماسية تضع جيبوتي في قلب رغبة الصين في تعزيز دورها كقوة عالمية وصاعدة – وحتى الآن تبدو جيبوتي مستعدة ومتعاونة في لعب هذا الدور. حتى أنه تم افتتاح «مركز كونفوشيوس» جديد في مدينة جيبوتي، حيث تحاول الصين خلق الوصل بين الشعبين.

قال القائد العسكري الأمريكي والدهاوزر أثناء جلسة الاستماع في واشنطن: «توجد بعض الدلالات على بحث الصين عن مواقع إضافية، خاصة في الساحل الشرقي (لأفريقيا) .. قد تكون جيبوتي هي الأولى، ولكن سيكون هناك المزيد».

دائماً ما كان قرن أفريقيا ذو الموقع الاستراتيجي والقمة الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة العربية مجال تنافس للقوى العظمى.

سيطرت فرنسا على جيبوتي على مراحل بعد افتتاح قناة السويس في 1869، لمعادلة التواجد الإنجليزي في عدن، اليمن المعاصر، على الجهة المقابلة من مضيق باب المندب وهوالمدخل للبحر الأحمر. أصبحت المستعمرة تعرف بصوماليلاند الفرنسية قبل أن تصبح آخر مستعمرة فرنسية في أفريقيا تحصل على الاستقلال في 1977.

لعدة عقود كان للفيلق الفرنسي الأجنبي قاعدة في جيبوتي، تعرف بمعسكر ليمونييه والذي سيطرت عليه أمريكا في أعقاب هجمات 11 سبتمبر في 2001 وأصبحت القاعدة العسكرية الدائمة الوحيدة للولايات المتحدة في أفريقيا.

كان الهدف الأصلي من القاعدة هو محاربة الأنشطة الإرهابية في المنطقة ثم أصبحت أيضاً موقع لإطلاق عمليات الطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط.

Djibouti's port could soon be under China's control. Photo: Wikipedia
قامت الصين وجيبوتي بأول تدريب بحري مشترك في 2015. صورة: فيسبوك

إلا أن قاعدة ليمونييه أصبح لها آخر خاصة بعد وصول الصينيين لدوراليه، وهي مراقبة الصينيين. دقت أجراس الخطر في شهر مايو/أيار من هذا العام عندما أصيب طياران على طائرة شحن أمريكية بإصابات في أعينهم بعد التعرض لأشعة ليزر. اتهم عسكريون أمريكيون رسمياً الصين باستخدام ليزر بجودة عسكرية لتشتيت الطيارين. برغم من وجود 10 كيلومترات تفصل بين القاعدتين، إلا أنهما يراقبان بعضهما عن قرب وبتشكك. لم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة بين القواعد المختلفة. أنشأت إيطاليا قاعدتها هناك في 2009، لمحاربة القرصنة كما كان مزمع، وكذلك اليابان.

ولكن عندما رست سفينة حربية صينية في جيبوتي العام الماضي، قال موقع بروكوتوريال ديلي الصيني، وهو المتحدث بإسم «نيابة الشعب العليا» وهي أعلى سلطة للنيابة والتحقيق، أن سفينة حربية يابانية بعثت بضفادع بشرية للاستطلاع. لم تعلق اليابان على الاتهام.

كما من المرجح أن تكون البلاد ذات القواعد العسكرية في جيبوتي تتصنت على بعضها باستخدام التكنولوجيا.

بالفعل مؤامرات كازابلانكا أربعينات القرن الماضي تبدو تافهة بالمقارنة مع ما يحدث في الحاضر في هذه البقعة من الأرض في قرن أفريقيا، حيث خطورة الوضع في ازدياد وكثيراً ما تتسرب قصص المؤامرات المحاكة وتبادل التجسس للعامة.

تجمع جيبوتي عدد من القواعد العسكرية عن مقربة من بعض تديرها بلاد متنافسة لا يشهدها أي مكان آخر في العالم. هذا القرب يعني أن أي شيء يمكن أن يحدث ومن المرجح أن يحدث بالفعل خاصة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وأنصارها من جهة والصين الصاعدة من جهة أخرى فيما يعتبره البعض أولى مراحل حرب باردة جديدة.

ترجمة هبة عفيفي

http://www.atimes.com/article/djibouti-the-casablanca-of-a-new-cold-war/