«كان عمود البيت وعمود كفر نبل ، كان سند للجميع وفخر للعائلة الكبيرة ولكفر نبل».

هكذا اختصر محمد الابن الأوسط للناشط السوري رائد فارس شعوره أثناء جنازة والده الذي قتل من قبل جهاديين الأسبوع الماضي.

كان رائد أيقونة للثورة السورية التي بدأت في 2011، وكان وراء اللافتات الساخرة المكتوبة باللغة الإنجليزية والتي تصاحبها الرسومات الكاريكاتيرية التي وضعت بلدته الصغيرة على الخريطة.

A banner seen in a demonstration in Kafr Nabl, in Syria's northwestern province of Idlib.
متظاهرون يرفعون لافتة في بلدة كفر نبل في مقاطعة إدلب الشمالية الغربية

بالنسبة للكثير من السوريين، كانت كفرنبل مثال لما يمكن أن تكون سوريا عليه بدون حكم الرئيس بشار الأسد، حتى بعد سيطرة الجهاديين على مقاطعة إدلب الشمالية الغربية، وهي من المناطق القليلة التي مازالت خارج سيطرة حكومة الأسد.

يتذكر الإبن ذو ال21 عام قول والده: «إن القاعدة متغلغلة وقوية ولايمكن إزاحتها». كان الناشط الذي لا يكل يعلم قبل مقتله الخطورة على حياته من الجهاديين الذين لم يخفي احتقاره لهم. كان هدفه، يقول محمد، أن تخرج مجموعة تحرير الشام الجهادية من كفر نبل.

ولكن رائد وجد أسباب للتفاؤل أيضاً.

تفاءل رائد بآلاف المتظاهرين العائدين الى ساحات كفرنبل مؤخراً، والذين استطاعوا طرد عناصر تحرير الشام الذين رفعوا راياتهم من المظاهرات. يقول محمد: «فرحته لم تكن توصف  عندما رفع علم الثورة السورية مجددا على سارية بارتفاع 30 متر».

وأشار الابن، الذي يدرس الطب البشري في جامعة إدلب، أن رائد كان يدرك، رغم التهديدات، «أن هناك شيئا تغير لصالح الثورة».

بعد محاولة اغتياله من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في 2014، كان رائد يقول لزملائه «كل يوم عشته بعد ذلك اليوم هو يوم إضافي من عمري».

سيارة بنوافذ قاتمة

المصورالشاب علي دندوش، 21 عام،  كان يجلس في المقعد الخلفي في نفس السيارة التي قتل فيها رائد وزميله حمود جنيد.

يروي علي: «كنت نائماً في المكتب الإعلامي، ايقظني رائد ظهراً، ركبنا في سيارته، حمود الى جانبه وانا جالس في المقعد الخلفي، لاحظنا وجود  سيارة فان (ميني باص) شبابيكها مفيمة، كانت تمشي ببطء على الطريق السفلي الموازي لطريقنا.

بعد أن مشينا قرابة كيلومتر متجهين الى بيت احد أقارب رائد، وعندما وصلنا وقبل ان ننزل من السيارة او يطفىء رائد المحرك، توقفت السيارة نفسها على يسارنا.

و فجأة، امتدت بندقية من الشباك المجاور للسائق، ومع بدء إطلاقه النارعلينا فتح الباب الجانبي للفان، وكان بداخلها رجلان في وضعية القرفصاء، بدأوا جميعا في إطلاق النار علينا».

تجمد علي بين المقعد الخلفي والمقعدين الأماميين حتى توقف إطلاق  النار وتحركت السيارة.

«نزلت وانا اصرخ، نصف حمود العلوي  كان على الأرض خارج السيارة، ورجليه داخلها، وكان يشهق آخر أنفاسه. قلب رائد كان مازال ينبض».

تم الهروع برائد وحمود إلى المشفى، إلا أن الطبيب خرج قبل أن يبدأ الجراحة ليعلن وفاتهما.

المايسترو

في بداية الانتفاضة السورية في ربيع 2011، زرت بلدة كفرنبل بصحبة صديقين في محاولة التشبيك بين المدن وتوحيد المطالب والشعارات الإصلاحية ورفع مستوى التنسيق لمطالب الاحتجاجات.

التقينا مع المحامي ياسر السليم أبرز نشطاء المدينة، وقد اعتقله تنظيم تحرير الشام نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، في منزل جده. تعرفت على الشرطي المنشق حديثا حسن الحمرا، الذي تحول لاحقا الى مقاتل وأسس أول كتيبة في كفرنبل مع الملازم المنشق محمد البيوش، وقد اختار رائد وياسر وحسن لها إسم «فرسان الحق». استطاعت الكتيبة تحرير بلدة كفر نبل.

بعد لقائنا الأول بعدة أشهر، انتشر جيش النظام السوري في اغلب بلدات إدلب ومنها كفر نبل، وهرب النشطاء خارج البلدة. قابلت رائد في بيت صغير لجأ إليه النشطاء في جنوب ادلب. كان لقاء عابر وسريع في غرفة صغيرة تكدس فيها الشباب في يوم بارد من أيام خريف 2011.

كان رائد مايسترو، يضبط إيقاع عشرات الشباب من الناشطين الذين كان لهم قدوة. كنت أرى في عيونهم حب التلاميذ لمعلمهم المفضل، ينتظرون بحماس طلباته، ان يأخذوا هذا الصحفي الى خط الجبهة، اوذاك الى المستشفى او يرافقوا فريق أحد الوكالات الدولية إلى الحدود التركية ويتأكدوا من سلامتهم. كان تعبيره عن امتنانه وشكره مع الإبتسامة التي لا تفارقه أكثر ما يتطلع له الشباب.

كان المكتب الإعلامي بمثابة مضافة كبيرة ليلا ، يسهر فيها النشطاء المحليون والقادة العسكريون و الصحفيون و نشطاء قادمون من بلدات بعيدة وقريبة. وهناك تعرفت على قائد لواء «فرسان الحق»، المقدم فارس البيوش. الذي أصبح قائداً للفرقة الشمالية لاحقا.

كان رائد سبّاقاً في زيارة المناطق التي تتعرض للقصف وتغطية المجازرالتي تحدث في قرى وبلدات إدلب، كان يهرع للإطمئنان على الأصدقاء، وتوصيل الصحفيين، ونقل بعضهم الى  المكاتب الإعلامية في البلدات الأخرى. كثيرا ما كان يجلب بعض الصحفيين ويقول ضاحكاً: «المكتب عندنا ممتلىء ولا نعرف كيف ننام ، حطولنا هالشباب عندكم». بينما يحمل حقائبهم مع رفيقه الدائم خالد العيسى، المصور الذي قتل في تفجير بحلب في 2016.

في يوليو/ تموز 2013، هاجم تنظيم الدولة الإسلامية المكتب الإعلامي في سراقب، وخطف الصحفي البولندي مارسن سودر وقيد كل النائمين هناك.

قاموا بضربي على رأسي ما استوجب نقلي للمشفى. رائد وخالد وحمود كانوا أول من وصلوا للإطمئنان علي ومزح رائد: «راس يابس ما بيتكسر».

ضحكنا ونحن ندرك ان الأسوأ قادم مع بداية توحش التنظيم الذي بدأ بخطف الصحفيين وقتل قادة فصائل الجيش الحر والنشطاء. وهنا بدأت الصحافة الدولية والعربية تعتبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة مناطق تحت حكم الفصائل المتطرفة ومنعت صحفييها من دخول سوريا تدريجياً.

رؤية كفر نبل

كان لرائد ومجموعته رؤية أخرى لكفرنبل، أرادوا أن يجعلوا منها ملاذاً آمناً لعدد كبير من الناشطات والنشطاء المدنيين، أقام بعضهم شهورا طويلة في كفرنبل .

عملوا مع رائد وساعدوه  في إيصال صوت السوريين ومعاناتهم. بعضهم أسس مراكز دعم نفسي للأطفال، واخريات ساعدن بتأسيس مركز مزايا النسائي، الذي تديره ام خالد العيسى المصور المقتول.

اصبحت لافتات كفرنبل التي كتبها رائد ، مع رسومات أحمد جلال أحد أهم بوصلات ثورة السوريين.

A banner in Kafr Nabl
لافتة في كفر نبل لنشطاء ضد الحرب

انتقد رائد في لافتاته أخطاء الفصائل العسكرية باكراً وأكد على أهمية وحدة السوريين. تجرأ على انتقاد المعارضة المدعومة من تركيا التي اقتحمت بلدة عفرين الكردية وعبر عن التضامن مع مختطفي السويداء الدروز الذي اختطفتهم الدولة الإسلامية.

أسس رائد بعمل دؤوب اتحاد المكاتب الثورية، الذي ضم مكتب المرأة ومكتب الطفل والمكتب الإعلامي وراديو فريش المحلي، ووصل عدد الموظفين فيه إلى 650 شخص قبل شهور.

مع وقف الدعم الأمريكي وتراجع الدعم الأوروبي المقدم لمناطق شمال غرب سوريا، عانى رائد من أجل استمرار عمل راديو فريش. كان مصراً أمام كل التهديد وعمليات الاقتحام وسرقة المعدات، والاعتقال أن يستمر بث الراديو . شغله من أماكن مخفية لا تعلمها «جبهة النصرة» التي لم تتمكن من إيقاف بث الراديو عندما اعتقلته في ديسمبر/كانون الأول 2014.

كان يقول ان الراديو «صوت السوريين، وصوتي ، ان سكت سأختنق».

A banner in Kafr Nabl
لافتة في كفر نبل تظهر إسرائيل وإيران يطلبان من بشار الأسد البقاء، تحت عنوان «همسة بلا طائل»

كل من يعرف رائد يدرك سخريته من الموت. كلما حذره أحد من الخطر عليه يقول:  «ماذا سيفعلون؟ أسوأ شيء أنهم سيقتلوني، دعهم يقتلوني، الشباب سيكملون».

لم يخف رائد مع تهديدات «تحرير الشام» المتكررة باعتقاله. كان يسافر لحضور اجتماع ما في أوروبا أو أمريكا، ويلتقي بعض المنظمات في تركيا، ثم يعود بعد أسبوع أو أسبوعين.

كان مؤمناً بحق السوريين في الحرية من النظام والتنظيمات الجهادية سواء، وظل حاملاً لقضية رفاقه الذين فجروا الثورة وتساقطوا قتلى الواحد تلو الآخر أو تركوا سوريا.

كان يعلم بقرار «تحرير الشام» قتله، ومع ذلك فضل أخذ الحذر في كفرنبل على الخروج من وطنه.  يبدو انه علم أنها معركته الأخيرة وقرر أن يخوضها كما الأبطال.

يحيط بمحافظة إدلب اليوم تهديد صبغها باللون الأسود ، لون رايات المجموعات الجهادية، وبالأخص «تحرير الشام»، أكبر الفصائل الجهادية، و«حراس الدين» الذين يتبعون القاعدة في أفغانستان. وهو ما سعى رائد لمقاومته بألوان ربيع إدلب الجذابة التي صبغت لافتات التظاهرات، تلك التي تشبه زهر اللوز والكرز والزهور البرية التي تنبت بين الصخور في كفرنبل.

بعد مقتل معلمهم، يتحمل عشرات الناشطات والنشطاء مسؤولية متابعة العمل في كفرنبل وإدلب، راغبين في إكمال رسالة رائد أن يعلو صوت المجتمع المدني على صوت بنادق المجموعات المتطرفة.

إنها مهمة شاقة للغاية، وتزداد صعوبة مع تراجع الاهتمام الدولي بإدلب، وتخلي فصائل المعارضة المعتدلة عن واجبها في حماية المدنيين والنشطاء والصحفيين من انتهاكات الفصائل الجهادية.

تفاءل رائد قبل موته بأن تستمر الثورة. في اليوم التالي لمقتله، شهدت كفر نبل البرهان على ذلك.

خرج أهالي كفر نبل إلى الشوارع حاملين صورة النشطاء المقتولين وملوحين بعلم الثورة. تجمعوا عند مدخل المقر المحلي ل«تحرير الشام»، بينما راقبهم الجهاديين الملتحين من السطح.

كان السؤال على أحد اللافتات: «إلى أهالي كفر نبل، إلى متى ستتحملوا القتل والخطف والتهديد في غياب التحقيق والمحاسبة؟»

في مجابهة البرد والضباب، نزل الأهالي للشوارع مجدداً يوم الجمعة. رفع صبي ورجل لافتة تقول: «إلى مخلفات القاعدة: آن أن تنصرفوا».

http://www.atimes.com/article/every-day-is-a-bonus-raed-fares-and-the-syrian-revolution/