«نضع الأجراس الذهبية، ثم نبدأ بوضع الكرات الحمراء والخضراء وباقي الزينة، فكل شكل يعبر عن حدث معين»، تخبرني أم حنا في حوار طويل دار بيني وبينها حول شجرة عيد الميلاد وطقوس الاحتفال بالأعياد المسيحية.

أم حنا (اسم مستعار) امرأة خمسينية، يتدلى من عنقها المجعد سلسلة تحمل شكل صليب، تعيش في حي الشيخ رضوان في غرب غزة  برفقة أسرتها المكونة من أربعة أفراد منذ أكثر من 30 عام. وكغيرها من المسيحيين الذين صمدوا في غزة، تستعد أم حنا للعيد بإعداد الحلوى وشراء حاجيات العيد من هدايا وزينة شجرة عيد الميلاد التي يتمكن بعض المحال التجارية من إدخالها عبر المعابر.

يقيم مسيحيو الطائفة الأرثوذكسية في قطاع غزة شعائرهم في كنيسة «القديس برفيريوس»، بينما يقيم المسيحيون الكاثوليك شعائرهم في كنيسة «العائلة المقدسة» أو «دير اللاتين»، وهم من أقدم المعالم التاريخية في غزة.

وتحتفل الطوائف المسيحية الغربية (الكاثوليك) في ليلة 24 ديسمبر/كانون الأول إلى اليوم التالي، بينما تحتفل الطوائف الشرقية (الأورثوذكس) ليلة 6 يناير/كانون الثاني إلى اليوم التالي.

تحكي أم حنا لـ «آسيا تايمز» طقوس الاحتفال بعيد الميلاد المجيد هذا العام: «يتم تزيين شجرة الميلاد الكبيرة في كنيسة «القديس برفيريوس»، وتجهيز فرق الكشافة والفنانين لأداء عروض مسرحية وفنية، بالإضافة إلى تحضيرات استقبال المصليين الوافدين إلى الكنسية مساء يوم 24 للصلاة والدعاء وترديد ترانيم يسوع».

وتقع كنيسة «القديس برفيريوس» في قلب حي شعبي وسط مدينة غزة، معظم سكانه مسلمون، ويجاوره مسجد «كاتب الولاية» وبيت للمسنين والأطفال من ذوي الإحتياجات الخاصة من المسلمين، ترعاهم بعض الراهبات من الكنيسة، في صورة للتعايش تؤكدها أم حنا: «جميع جيراني مسلمون، أحبهم جداً ويحبوننا، ونود بعضنا البعض في جميع المناسبات، ولكن رغم الألفة والمودة إلا أن السعادة منقوصة ما لم يعم السلام والأمان في كل مكان بفلسطين».

أعداد متضائلة

ولدت أم حنة في مدينة بيت لحم، انتقلت مع زوجها لغزة في وقت أفضل.

توجد في غزة بعض العائلات المسيحية المرموقة كعائلة «غطاس»و«عياد» و«خوري» و«ترزي » والتي ازدهرت في تجارة الذهب والعقارات وبيع الوقود ومشتقاته.

أكثر من نصف أهل غزة يعيشون في فقر رغم المساعدات الإنسانية، بحسب الأمم المتحدة. فرضت إسرائيل حصار بري وبحري وجوي على غزة منذ أكثر من عشر سنوات. كما تفرض السلطة المصرية تضييقات كبيرة على حدودها مع غزة  وتفتح المعبر في أوقات نادرة لمليونين من أبناء القطاع.

طوال ال20 عام الماضية، حاولت أم حنا كثيراً السفر لزيارة أهلها في الضفة الغربية والاحتفال بعيد الميلاد المجيد مع أسرتها في «كنيسة المهد»، ولكن إغلاق المعابر الدائم والتشديدات الإسرائيلية في إصدار تصاريح السفر يحولان دون ذلك. لا يستطيع أقاربها زيارتها في القطاع للسبب ذاته.

منذ بداية الحصار على غزة، تتضاءل أعداد المسيحيين في القطاع.

تقول أم حنا: «في الفترة الأخيرة قل عدد المصلين في الكنيسة، لأن الكثير من أقاربنا هاجروا من غزة، بلا عودة في اعتقادي، لأن الشباب بدون فرص عمل، والوضع المعيشي صعب».

قال مدير العلاقات العامة في الكنيسة الأرثوذكسية كامل عياد لـ«آسيا تايمز» أن مسيحيي قطاع غزة دوماً يحاولون الحصول على تصاريح للسفر إلى الضفة الغربية للاحتفال بعيد الميلاد في مدينة بيت لحم، وتستخرج السلطات الإسرائيلية ما يقارب 900 تصريح دخول، ولكن من النادر جداً أن توافق على تصاريح لأسر بأكملها، بذرائع أمنية أو اكتفائهم بالعدد، بحسب قوله.

يقول عياد أن المعاناة التي يعانيها المسيحيون هي ذاتها يعاني منها المسلمون، فالسلطات الاسرائيلية تحصر التصاريح على الأشخاص ما دون 16 عام أوأكبر من 35 عام، بغض النظر عن الديانة. غالباً ما تقتصر التصريحات على الحالات الطبية والتجار والأجانب.

برغم التضييق الأمني، يقول عياد أن سكان غزة من المسيحيين، حوالي 1200 شخص، ما زالوا يحاولون الحفاظ على مظاهر الإحتفال.

يأتي موسم الأعياد هذا العام في نهاية عام صعب بالنسبة لغزة. رد الجيش الإسرائيلي على المظاهرات التي استمرت لشهور على الحدود بهدف تغيير الوضع القائم بإطلاق الرصاص الحي، وقتل عشرات المتظاهرين وأصيب الآلاف.

هدأ الوضع بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بين إسرائيل وحركة حماس الإسلامية التي تحكم القطاع، إلا أن الحصار الخانق وظروف المعيشة الصعبة لم تتغير.

بالنسبة لمجتمع المسيحيين الصغير في غزة، أعياد الميلاد هي فرصة للتركيز على بعض السعادة. يقول عياد: «مشاهد تزيين شجرة الميلاد ودمى بابا نويل، وهدايا الأطفال، جميعها تبعث الفرح».