في محاضرة بجامعة ريتاكو بمدينو شيبا باليابان، امتلأت القاعة أثناء عرض فيلم رسوم متحركة مدته 30 دقيقة. الفيلم، ميجومي، ليس خيالي. شاهد الحضور في صمت تام.  

ميجومي يوكوتا، بطلة الفيلم، كانت تبلغ من العمر 13 عام فقط عندما لم تعود من تدريب تنس الريشة بمدرستها الإعدادية في مدينة نيجاتا باليابان.

بعد تأخرها، اتجهت والدة ميجومي، ساكي، لمدرستها بحثاً عنها. لكن ميجومي لم تكن هناك. ركضت ساكي عائدة للمنزل، وجدت مصباح يدوي وأخذت أخوي ميجومي التوأم الأصغر، تاكويا وتيتسويا، وانطلقت للبحث عن إبنتها المتغيبة.

مع تسلل مخاوف من تعرض ميجومي للسرقة أو لحادث أو للإغتصاب، تصاعد هلع ساكي وهي تجري في شوارع المنطقة وتصرخ بإسم ميجومي. اتبع التوأمان تاكويا وتيتسويا، الذين كانا يبلغان من العمر ثماني سنوات فقط، أمهما وهما يبكيان عندما دخلت فندق مهجور كان أطفال المنطقة يعتقدون أنه مسكون بالأشباح. لم تكن ميجومي هناك.

ازداد رعب الطفلين عندما اصطحبتهما أمهما إلى أحد مواقع أضرحة شينتو المخيفة، ونور مصباحها يتنقل بين الأضرحة والتماثيل.

بعد المرور من شوارع وممرات المنطقة وصلت ساكي بإبنيها إلى البحر حيث كانت الأمواج تتحطم على الشاطئ الصخري. لا أثر لميجومي في أي مكان. سارعت ساكي للمنزل واتصلت بوالد ميجومي، شيجيرو، الذي كان يعمل في فرع بنك اليابان في نيجاتا. سارع الأب إلى المنزل وانضم لجهود البحث. طوال الليل، انتشرت العائلة والشرطة في كل مكان وتحدثوا مع كل شخص ممكن. مع حلول هذه الليلة، 15 نوفمبر/تشرين الأول 1977، لم يصلوا لشيء.

اليوم التالي، لم تظهر ميجومي أيضاً. قامت العائلة بطباعة نشرات ووقفوا على الطريق يحاولون الوصول لمعلومة. لم تجد الشرطة خيط واحد. كانت ميجومي كأنها تحللت في الهواء: لا شهود، لا دليل، لا جثة، لا مظاهر صراع، لا مطلب فدية، ولا تواصل من الفتاة السعيدة التي كانت تحب الباليه وتلعب بالعرائس ويغمرها والداها بالحب.

 

يقول أخو ميجومي الأصغر في مقابلة مع آسيا تايمز: « إذا أردت مقارنة أختي بوردة، سأختار عباد الشمس. كانت دائماً مشرقة وسعيدة».

ويتذكر: «عندما اختفت ميجومي، حل جو خانق على منزلنا، أصبحنا نتحدث لبعضنا أقل».

كلما رأى أهل ميجومي شخص في الجرائد أو التلفاز يشبهها ولو بدرجة طفيفة، كانوا يتصلون بمحرر الجريدة أو رئيس القناة ويسألون عن إسم الشخص. ولكنه لم يكن أبداً ميجومي.

لمدة 20 عام، لم يكن عند العائلة أي فكرة عما حدث. ولكن، في 1987، سلطت مأساة في الشرق الأوسط الضوء على مصير ميجومي الصادم.

مأساة إرهابية

في 29 نوفمبر/تشرين الأول 1987، قام إرهابيان، ظاهرياً يابانيان، بتفجير طائرة 858 التابعة للخطوط الكورية أثناء مرورها فوق الشرق الأوسط. قتل كل من على متن الطائرة.

بعد توقيفه في مطار البحرين، قتل أحد الإرهابيين نفسه. الأخرى فشلت في مضغ حبة سم السيانيد التي وضعتها في فمها بفضل تدخل سريع من شرطية.

برغم حمل الإرهابية الثانية جواز سفر ياباني إلا أنها لم تكن يابانية. كانت كيم هيون-هوي من صفوة جواسيس كوريا الشمالية، وقد أُمرت بتفجير الطائرة قبل أولمبياد سول 1988 بفترة بسيطة. بعد التحقيق معها من قبل العملاء الكوريين الجنوبيين، لم تعترف كيم بجرائمها فقط، ولكنها أيضاً شرحت كيف استطاعت أن تتخفى كمواطنة يابانية.

قالت كيم أنها أثناء تدريبها في بيونج يانج على المهمة التي قتلت 115 من الأبرياء، تشاركت في الغرفة مع إمرأة يابانية تعرف بإسم لي أون-هاي. كانت لي أون-هاي في الحقيقة يوكو تاجوشي، سيدة يابانية اختطفتها كوريا الشمالية لتدريب جواسيسها.

كشفت كيم عن شيء أكثر إدهاشاً. ميجومي يوكوتا موجودة في بيونج يانج أيضاً. كان اسمها قد تغير إلى أوه كي وتم إجبارها أن تكون المعلمة الخاصة لقائد الجيل الثاني لكوريا الشمالية، كيم يونج-إيل.

« في قلوبنا»

لم تشارك الحكومة اليابانية عائلة يوكوتا المعلومة المذهلة حتى عام 1977، بعد عشرة أعوام من كشفها. من غير الواضح لماذا استغرق نقل المعلومة للعائلة كل هذا الوقت. هناك تكهنات بأن الحكومة اليابانية كانت تعرف ما حدث لميجومي إلا أنها قررت الصمت لتفادي الانزلاق إلى أزمة عالمية لا يمكن الخروج منها. آخرون يعتقدون أن السياسيين الفسدة كانوا يتلقون فوائد من شمال كوريا، للإبقاء على العلاقات اليابانية-الكورية الشمالية مفتوحة.

في جميع الأحوال، قلب الكشف حياة عائلة يوكوتا رأساً على عقب. يقول تاكويا: «كانت ميجومي معنا دائماً في قلوبنا، حتى إذا لم نستطيع رؤيتها، الوصل مستمر». يرفض تاكويا أن يتكهن عن سبب تأخر المسؤولين في الوصول للحقيقة. كانت السخرية القاسية في الكشف بالنسبة للعائلة أن ميجومي حية ولكنها عالقة في إحدى أسوأ الديكتاتوريات في العالم.

Megumi's brother, Takuya Yokota, today, Photo: Jason Morgan
Megumi’s brother, Takuya Yokota, today. Photo: Jason Morgan تاكويا يوكوتا، أخو ميجومي.

بينما تستوعب الأسرة الأخبار التي لا تصدق، ضرب الكشف عن احتجاز مواطنين يابانيين في شمال كوريا الحياة السياسية اليابانية بشدة. تم إعادة فتح قضايا المختفين واحدة تلو الأخرى وبدأت الشرطة إعادة التحقيق مع الأخذ في الإعتبار الإحتمال الذي كان بعيداً عن التفكير أن المختفين قد يكونوا اختطفوا من قبل عملاء شمال كوريين.

بالفعل، عندما تم عرض المعلومات التي جمعتها الشرطة حول اليابان، ظهر نمط مخيف.

من آلاف قضايا المفقودين في اليابان في نهاية السبعينات، العديد منهم يتركزون في جهة بحر اليابان من جزيرة هونشو. فيما يبدو أن المراكب الكورية الشمالية استخدمت لمدة سنوات في عمليات سرية تقوم بها فرق برمائية على الشواطيء المعزولة ليلاً بخطف أي شخص قد يكون مفيد في ماكينة الرعب المتوسعة للنظام.

كان العديد منهم أزواج، حكومة كوريا الشمالية كانت تستهدف بشكل خاص الأزواج الشباب القادرين على إنجاب وتربية أطفال والذين يمكن أيضاً برمجتهم ليكونوا كاملي الولاء لكوريا الشمالية: الجواسيس الكاملين.

أصبحت حوادث الخطف مسألة مركزية في علاقة الحكومتين وكانت ميجومي هي الحالة الأكثر شهرة، التي تم تمثيلها في أفلام وأفلام وثائقية وأغاني وفيلم الرسوم المتحركة ميجومي الذي تم عرضه في جامعة شيبا.

ترجمة هبة عفيفي

ننشر الجزء الثاني الأربعاء المقبل