قاد متطوعون شباب من كنيسة دمشق سياراتهم عبر ضواحي العاصمة السورية هذا الأسبوع، يحملون الزينة لتجميل أشجارعيد الميلاد المجيد التي تعود لأول مرة منذ سبعة أعوام لمناطق سيطرة المعارضة السابقة.

بعد تزيينها بدمى بابا نويل الصغير، كانت الأشجار في شرق الغوطة تشبه تلك التي تراها في أي بلد أوروبية، إلا أن هذه المدن مرت بمعاناة قاسية طوال الصراع الذي استمر في سوريا لمدة سبع سنوات: وقعت تحت حكم مسلحين إسلاميين همشت المجتمعات المسيحية، عانت الحصارعلى يد القوات النظامية ثم دمرت بفعل القوات الجوية الروسية التي أنهت حكم الإسلاميين الشتاء الماضي.

الكثير من المسيحيين لم يعودوا بعد لأحياء الغوطة الشرقية المدمرة، حيث لا تزال انقطاعات الكهرباء يومية والخدمات الأساسية مثل الماء ووقود التدفئة مرتفعة السعر ومتقطعة.

لم يحزن الكثير من السوريين على «جيش الإسلام» حين تم اقتلاعه من قواعده منذ عشرة أشهر، الرغم من اعتباره تحالف ثوري معتدل مدعوم من القوى الغربية في بداية الصراع السوري.

يتهم العديد من أطراف المعارضة السورية مؤسس التحالف زهران علوش بخطف المدافعة عن حقوق الإنسان المرموقة رزان زيتونه في ديسمبر/كانون الأول 2013. لم يتم منذ ذلك الوقت التوصل لمكانها وثلاثة من زملائها بمركز توثيق الانتهاكات.

يمقت سكان دمشق سيرة جيش الإسلام الذي قام خلال سبعة سنوات بإطلاق مدافعه، ليس على مواقع الجيش، ولكن على المدارس والمستشفيات والأحياء السكنية.

تحت حكم جيش الإسلام، تم منع سكان دومة من الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، مثل ما كان يحدث في إدلب والرقة، العاصمة السابقة لتنظيم الدولة الإسلامية.

إعادة إحياء الاحتفالات

تظهر مظاهر احتفالات عيد الميلاد المجيد اليوم في دمشق أكثر من أي وقت مضى خلال الصراع. تم وضع ثمانية أشجار عيد الميلاد، في جو احتفالي بهيج. تمت تأدية أغاني العيد في بيت الأوبرا في دمشق في منتصف ديسمبر/كانون الأول، في عرض مبهر من «كورال البهجة» التابع لكنيسة دمشق.

«لقد بكيت بعد العرض»، هكذا تصف شعورها عبير خوري ذات ال21 عام التي تدرس في جامعة دمشق. «لقد كان عمري 14 عام عندما بدأت هذه الحرب. حضرت احتفالات عيد الميلاد فقط كطفلة، لم أحضرها أبداً كراشدة. كنت أسمع عن الاحتفالات من أهلي، لكني اعتقدت أني لن أشهدها أبداً في دمشق».

في السنوات السابقة، كان يحيط بالعيد المجيد حزن واحتفالات على نطاق ضيق، كصلاة يوم الأحد والتجمعات الخاصة. في كل عيد ميلاد، كانت تنتشر الشائعات عبر المدينة بأن الكنائس سيتم تفجيرها أو اقتحامها أثناء صلاة الأحد.

«كانوا يغلقون أبواب الكنيسة»، يتذكر حنا إلياس، مالك محل في حي القصاع، «خوفاً من هجوم قادم من الغوطة، كنا نصلي بينما تحاوطنا أصوات القنابل من كل مكان، إما من الغوطة على منازلنا أو من الجيش السوري على الغوطة. لازالت هذه الأصوات عالقة بأذني. أنا أبلغ من العمر 62 عام. لن أنسى أبداً الخوف الذي عشناه».

في السنوات بين 2012 و2018، اختفت أشجار عيد الميلاد تقريباً من شوارع باب توما وباب شرقي العريقة، بشكل أساسي بسبب انقطاعات الكهرباء التي كانت تصل ل15 ساعة يومياً، ما يجعل من غير المعقول استهلاك الكهرباء في إنارة الأشجار بينما تغرق أحياء بأكملها في الظلام.

أثناء سنوات الحرب في ريف دمشق، كان الإحتفال الظاهر بعيد الميلاد يعتبر غير آمن، بسبب قرب الأحياء المسيحية من المناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين في الغوطة الشرقية.

كان وقع الصراع على الأحياء المسيحية شديد، نفسياً ومادياً، ورحل الكثير من السكان لأحياء أأمن وسط أغلبية مسلمة أو للبنان.

البعض كان يهرب من التجنيد. آخرون كانوا يشعرون بعدم الأمان في المدينة التي كانت من أولى مراكز المسيحية قبل ظهور الإسلام.

مجتمع تضاءل لنصفه

قبل 2011، كان عدد المسيحيين في سوريا يقدر ب1.8 مليون من مجموع 23 مليون من السكان. لم يتم عمل إحصاء للسكان منذ بداية الحرب إلا أن التقديرات غير الرسمية ترجح تضاؤل عدد المسيحيين في سوريا إلى النصف، على الأقل. لا يوجد توثيق لعدد المسيحيين الذين قتلوا في الصراع.

 

كانت مغادرة سوريا شديدة الصعوبة بالنسبة لسكانها من المسيحيين خاصة وأن بعض من مجتمع الأورثوذكس يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لسوريا، الذين تواجدوا فيها قبل افتح الإسلامي بفترة طويلة.

كان مسيحيو سوريا يسمعون قصص في جميع أنحاء البلد عن قتل وذبح مسيحيين على يد الجماعات الجهادية التابعة للقاعدة والدولة الإسلامية.

تم اختطاف ثلاثة رجال دين مسيحي مرموقين على الأقل من قبل المليشيات المسلحة ولم يعرف مكانهم منذ أكثر من ست سنوات. تم اختطاف إثنين من قبل جهاديين أجانب في 2013 – بولس يازجي مطران أبرشية حلب للأرثوذكس، ويوحانا إبراهيم، نظيره للسريان الأرثوذكس.

بعد ثلاثة شهور، اختفى الأب باولو دالوليو – والذي كان ينتقد الحكومة السورية علناً ويعرف بدعمه للمعارضة – في الرقة حيث كان يسعى للقاء قائد تنظيم الدولة الإسلامية.

قتل رجل دين مسيحي آخر كاثوليكي ضرباً بالرصاص في كنيسته في قرية الغسانية في يونيو/حزيران 2013. في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام اختطفت جبهة النصرة 13 راهبة في البلدة المسيحية القديمة معلولة. قبل السيطرة على القرية، حاولت النصرة إجبار سكانها على اعتناق الإسلام.

كثيراً ما كان يخفي المسيحيون صلبانهم أثناء مرورهم بنقاط تفتيش الجماعات الجهادية، كما كانوا يحفظون بعض آيات القرآن لمحاولة العبور بسلام. بحسب بطريرك الروس الأورثوذكس كيريل، تم تدمير 400 كنيسة في سوريا منذ 2011. كان لكيريل تحذير مشهور في 2015 بأن المجتمع كما عرف في سوريا على شفا الانقراض.

أصبح كل هذا في الماضي، أو على الأقل هكذا يأمل الجميع. رغم التحسن الشديد في الحالة الأمنية في الشهور الأخيرة، إلا أن الحرب لم تنتهي بعد، خاصة في دمشق. لا زال تنظيم الدولة الإسلامية متواجد في جيوب عبر الريف الشرقي لدير الزور والبوكمال، ومازال موجود بقوة في إدلب، التي تسيطر عليها جبهة النصرة التي خلفت التنظيم.

أغلب الجهاديين الذين قتلوا مسيحيين أو دمروا وحرقوا كنائس مازالوا موجودين داخل سوريا. البعض امتزج بالمواطنين العاديين في شمال شرق سوريا الصاخب وآخرون يعتقد أنهم انضموا لخلايا سرية، قد تتسلل إلى دمشق أو أي مكان في سوريا في المستقبل.

يقول إلياس مشيراً للجهل بهوية كل مرتكبي الجرائم ضد المسيحيين: «للأسف ليس لدينا أسماء. كانت هناك هجمات جماعية، بمشاركة عدد كبير من الناس. لا نعرف من الذي خطف ومن الذي ضغط الزناد، ولا أعتقد أننا سنعرف أبداً».