في غرفة صغيرة، تجلس أم جوزيف، 49 عام، القرفصاء، ممسكة بسكين ذي مقبض بلاستيكي، تجتز به أعواد العنب والحبات المتعفنة، وتضع الحبات الجيدة في وعاء مصنوع من الفولاذ، استعداداً لعصره.

تقول أم جوزيف لـ آسيا تايمز: «كانت المشروبات الروحية متوفرة نوعًا ما في غزة، ونشتريها من الأسواق من وقت لآخر، أما بعد حكم حركة حماس، فبات من المستحيل تداولها، لذا نضطر لصناعتها يدويًا وسرًا».

في صيف 2007 سيطرت حركة المقاومة الإسلامية حماس على قطاع غزة، وأغلقت جميع المحال والأماكن التي كانت تبيع المشروبات الروحية وأحرقت بعضها، كما فرضت رقابة صارمة على المعابر، ومنعت دخول المواد المخدرة والمشروبات الروحية. استمر حظر الخمور في القطاع المحاصر الذي يسكنه مليونا شخص منذ ذلك الوقت.

تقول أم جوزيف أنها لا تبيع النبيذ ولكن تصنعه فقط للاستخدام الشخصي لأسرتها وبعض الأصدقاء المقربين.

تشرح أم جوزيف الوصفة التي تتبعها لتحضير النبيذ وهي تعصر العنب بيديها النحيلتين داخل مصفاة دائرية: «بعد غسل العنب جيدًا، أقوم بعصره في وعاء، ثم أصفيه وأضع كمية من الجبن الأبيض لتسريع نمو البكتيريا والتخمر».

وتابعت في حديث مع آسيا تايمز وهي تباشر بسكب العنب المعصور في برميل خشبي سعته 20 لتر، متصل بجالون سعته خمس لترات، ممتليء للنصف بالماء. تشرح أم جوزيف: «أغلق الجالون والبرميل بإحكام، واتركهم لمدة خمسين يومًا، لكي تخرج الغازات من البرميل الخشبي إلى الجالون».

بعد التأكد من تخمّر العنب، تأتي أم جوزيف بقطعة قماش قطنية شفافة، لتصفية محتوى البرميل، وتصبه في قنينات زجاجية، ويصبح جاهز للشرب.

خبير صناعة النبيذ

يعتبر الخمسيني حنا عيّاش (إسم مستعار) نفسه«خبيرًا» في صناعة النبيذ. يفتخر عياش بوصفته الخاصة التي تتضمن ترك الحبات المتعفنة في المزيج الذي يضعه في جالونات، لتساعد في تسريع عملية التخمير، بحسب قوله. يضيف عياش ملعقة كبيرة من خميرة الطعام لكل خمسة كيلو من العنب، ويغلق فوهة الجالونات ببالون أو قفازة طبية مطاطية.

بعد حوالي شهرين، عندما ينتفخ البالون ويقترب من الانفجار، يثقبه بإبرة رفيعة حتى يخرج الهواء ببطء، وأخيرًا يفرغ محتوى الجالونات في قنينات زجاجية، ويخزنه لمدة عام.

لا يخفي عيّاش خشيته من كشف أمره، ولذلك يقوم بعملية التحضير وحده ولا يبيع الكحول الذي ينتجه.

ويفضل عيّاش صناعة النبيذ من العنب الخليلي (من مدينة الخليل) المشهور بحلاوته ولكن لم يعد باستطاعته الحصول عليه بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 12 عام.

لذلك يعتمد الآن على حقول العنب في منطقة «الشيخ عجلين»، جنوب غرب مدينة غزة، بالقرب من شاطئ البحر.

العنب المر

زيد خوري (إسم مستعار)، 29 عام، يعتمد طريقة شبيهة لطريقة عياش في تحضير النبيذ المنزلي، إلا أنه يفضل فصل الأعواد والحبات المتعفنة مثل أم جوزيف.

يقول خوري أن شرب المشروبات الروحية حرية شخصية لا يجب أن يتدخل أحد فيها، وأن على الحكومات احترام اختلاف الأديان والأفكار.

إلا أن التضييق الأمني ليس العائق الوحيد لصانعي النبيذ في غزة. يقول خوري أن، مع وصول سعر العنب لنحو دولارين للكيلو، أصبح من الصعب شراؤه مع تدهور الحالة الاقتصادية في القطاع.

يقول خوري: «يصعب على المواطن شراء حتى احتياجاته الأساسية، بالكاد يكفي النبيذ حاجتي لعام كامل».

ولكن لا تزال محاولات الحصول على الكحول مستمرة رغم المصاعب. قامت الشرطة في غزة بإتلاف كميات كبيرة من الخمور بعد كشف محاولات تهريب عبر المعابر في السنوات الماضية.

عادة ما ينجح مصنعو النبيذ في الحفاظ على سرية نشاطهم، ويساعدهم غياب قانون يجرم صناعة الكحول. إلا أن حماس رغم ذلك تطبق قواعدها الخاصة.

في الضفة الغربية مثلاً، تنعم «الطيبة» لصناعة الجعة، والمؤسسة الشقيقة لها التي تصنع النبيذ بقاعدة مشترين قوية.

يقول أشرف أبو سيدو، مستشار قانوني لوحدة مكافحة المخدرات لآسيا تايمز أنه لم يتم القبض على أشخاص لقيامهم بصناعة النبيذ المنزلي منذ سنوات. إلا أنه أضاف أنه يرى مكافحة صناع النبيذ السريين «واجب مجتمعي».