تحركت النيابة الفرنسية الشهر الماضي في اتجاه اتهام تسونيكازو تاكيدا رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية والرئيس السابق للجنة المسئولة عن عرض استضافة الأولمبياد في اليابان 2020، بسبب اتهامات بدفع الرشاوي لتأمين فوز اليابان باستضافة أولمبياد 2020.

وقع الاختيار على اليابان في 2013 لاستضافة أولمبياد 2020، متغلبة على تركيا وإسبانيا. لم تكن المهمة سهلة بالنسبة لليابان، فقد فازت بالرغم من مخاوف من تداعيات حادث فوكوشيما النووي في 2011 وحر أغسطس/آب الذي تخوف البعض أن يكون قاتل للاعبين.

تتمحور الشكوك حول العلاقات المشبوهة بين جهود الضغط واستخدام النفوذ والرشاوي في ساحة الرياضة العالمية. تستند القضية الفرنسية على 2.8 مليون دولار سينجابوري (2 مليون دولار) دفعتهم اللجنة اليابانية المسؤولة عن عرض استضافة الأولمبياد لشركة على صلة بالرئيس السابق للإتحاد الدولي لألعاب القوى، السنغالي لامين دياك، وهو الآن شخص مطلوب جنائياً.

يبدو أن المبلغ الذي تم دفعه لشركة على علاقة بدياك، كان ثمن استخدامه لتأثيره لتوجيه أعضاء اللجنة الأولمبية الأفريقية للتصويت لليابان.

تقول السلطات الفرنسية أن المبلغ الذي دفع تحت بند «عرض أولمبياد طوكيو 2020» جاء من حساب تم فتحه في بنك ياباني خصيصاً لهذا الغرض.

ملحمة طوكيو 2020

كانت الخطوات الأخيرة في التحقيقات متوقعة منذ فترة كبيرة. بينما تتلاعب بعض المنافذ الإعلامية اليابانية بالقصة وتقول أن فرنسا تنتقم من اليابان بسبب القبض على رئيس شركة نيسان-رينو كارلوس غصن، الحقيقة أن التحقيقات بدأت قبل ذلك.

كشفت المجلتان اليابانيتان «زايتن» و«فاكتا» عن قصة الرشوة المزعومة بتفاصيل دقيقة. كشف الصحفي الاستقضائي يوشيناري إيشينومياحديث عن فضائح أخرى خاصة بالأولمبياد منذ 2014، في كتابه «2020 الأموال الغامضة وراء أولمبياد طوكيو».

قام مكتب نيابة الأموال الفرنسي الشهر الماضي بمناقشة التهم الأولية مع القاضي. الاتهام الأولي يعني أن الجهة المحققة توصلت لشكوك قوية بوجود جريمة لكنها لم تقرر توجيه الاتهامات بعد.

أطلقت النيابة الفرنسية تحقيق في حملة ترشح اليابان لاستضافة أولمبياد 2020 في أواخر 2015. في 2016، أعلنت النيابة نتيجة التحقيق: في الشهور السابقة واللاحقة للتصويت على البلد المستضيف للأولمبياد في 2013، تم دفع 2.8 مليون دولار سينجابوري (2 مليون دولار) لحساب شركة استشارات سينجابورية تسمى «بلاك تايدينجز»، تربطها علاقة ببابا ماساتا دياك، نجل لامين دياك.

«بلاك تايدينجز»

رئيس شركة «بلاك تايدينجز» صديق لبابا ماساتا دياك. ومن المزعوم أن علاقة تجمعه أيضاً ب«دينتسو»، أكبر وكالة إعلان باليابان، وهي الوكالة المسئولة عن حملة أولمبياد 2020.

كان لامين دياك وسيط مؤثر في مجال الرياضة العالمية في الوقت الذي سعت فيه اليابان لاستضافة الأولمبياد، وكان رئيس الإتحاد الدولي لألعاب القوى من 1995 ب2015. يواجه دياك الآن تهم جنائية في فرنسا لخيانة الأمانة.

نجله، بابا دياك، مطلوب حالياً من قبل الإنتربول بطلب من فرنسا بسبب دوره المزعوم في الفساد العالمي والرشوة. في يناير/كانون الثاني 2016، اتهم تقرير من اللجنة المستقلة للوكالة العالمية لمكافحة المنشطات دياك الإبن بالمشاركة في فضيحة تعاطي الرياضيين الروس للمنشطات. كما قالت أن دياك استخدم تأثيره لتوظيف إبنه مستشار دعائي. ناقش نفس التقرير العلاقة بين «بلاك تايدينجز» و«دينتسو».

قالت اللجنة الأولمبية اليابانية في الماضي أنها تواصلت مع اللجنة الأولمبية العالمية بشأن هذه المبالغ المدفوعة. رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية،  تاكيدا، والذي كان يرأس أيضاً اللجنة المسؤولة عن ترشح اليابان لاستضافة أولمبياد 2020 قال في مايو/أيار 2016: «كانت هذه رسوم روتينية للاستشارات من خارج البلاد وكل جهود الفوز باستضافة الألعاب تمت بنزاهة».

هل «دينتسو» متورطة؟

تردد الإعلام الياباني في الجزم بأن شركة «دينتسو» الإعلانية قامت بتسهيل دفع الرشاوي المزعومة. هناك تقارير أيضاً بأن «دينتسو» قامت بعقود سرية مع أعضاء من عائلة دياك.

لم تستطيع آسيا تايمز الوصول لدياك، إلا  أنه بحسب حوار حصري مع «كيودو نيوز» في 2016، أخبر بابا ماساتا دياك صحفيين بالفرنسية: «لم أحصل على أي من النقود».

قال دياك ل«كيودو نيوز» أن رئيس «بلاك تايدينجز»، إيان تان تونج هان، صديق شخصي له منذ تقابلوا في أولمبياد بكين 2008. إلا أنه أصر أنه لم يكن يعلم أن شركة هان حصلت على عقد له علاقة بعرض اليابان لأولمبياد 2020.

اعترف بابا ماساتا دياك بتناوله العشاء مع أعضاء اللجنة الأولمبية اليابانية عند زيارته اليابان، إلا أنه يصر أنه لم يحصل على أي أموال من اللجنة. قالت «كيودو نيوز» أنها كانت ممنوعة من تصوير أو تسجيل الحوار.

«دينتسو» أيضاً إحدى ملاك «كيودو نيوز». حتى الآن لم تذكر «كيودو نيوز» التورط المحتمل ل«دينتسو». أكد تقرير من الوكالة العالمية لمكافحة المنشطت أن إيان تان تونج هان يعمل كمستشار لشركة تابعة ل«دينتسو» مختصة بإدارة وخدمات الرياضيين ومقرها لوسرن، سويسرا. إلا أن «دينتسو» أنكرت وجود أي علاقة بينها وبين تان.

في مارس/آذار 2018، حصلت مجلة «فاكتا» اليابانية على عقود سرية، بحسب المجلة، بين عائلة دياك ومديرين ب«دينتسو». تعتقد السلطات الفرنسية أن هذه العقود قد تكون لعبت دور في شراء اليابان الأصوات للفوز باستضافة أولمبياد 2020.

يحقق الفرنسيون في احتمالية أن تكون «دينتسو» لعبت دور الوسيط لتوصيل المبالغ المدفوعة من الجانب الياباني، بموافقة تاكيدا، وأن هذه المبالغ كانت أيضاً بمثابة رشاوي. رفضت «دينتسو» التعليق.

أولمبياد العصابات

اتهامات الرشاوي التي تواجهها اليابان هي آخر سلسلة من الفضائح التي حاوطت أولمبياد 2020. منذ 2016، كانت اللجنة الأولمبية اليابانية محط شكوك بسبب العلاقات المزعومة بين نائب رئيس اللجنة السابق  هيديوتشي تاناكا والمافيا اليابانية،التي تعرف ب« ياكوزا». تاناكا صديق مقرب لتاكيدا، أو على الأقل كان كذلك.

في إبريل/نيسان، طالب النائب يوشيو ماكي الحكومة بالتحقيق في العلاقات المحتملة بين «ياكوزا» وأعضاء من اللجنة الأولمبية اليابانية. رفع ماكي عدة مقالات من مجلات وصحف في إحدى جلسات البرلمان تتضمن صورة لرئيس« ياماجوشي جومي»، أكبر مجموعة إجرامية منظمة في اليابان، مع تاناكا، مطالباً بتفسير.

سأل ماكي وزير التعليم في هذا الوقت، هاكوبون شيمومورا، الذي كان أيضاً مسئولاً عن الإشراف على التحضيرات لأولمبياد طوكيو، عن سبب تأخر الحكومة في التحقيق في احتمال وجود علاقات بين تنظيم الأولمبياد والجريمة المنظمة.

شيمومورا، الذي حصل أيضاً على تبرعات سياسية من شركة تعمل كواجهة ل«ياماجوشي-جومي» وتم الربط بينه وبين أعضاء من المجموعة، وعد بإطلاق تحقيق في وجود علاقات في الماضي أو الحاضر بين «ياماجوشي-جومي» واللجنة. إلا أن نتائج التحقيقات لم يعلن عنها رسمياً.

العام الماضي، خرجت للنور فضيحة أخرى متعلقة بالمافيا. انتشرت تقارير أن رئيس اتحاد مصارعة الهواة اليابانية آكيرا ياماني يواجه عدة اتهامات بسوء التصرف، تتضمن الضغط على الحكام لتزوير نتيجة المباريات وسوء استخدام الأموال العامة. كانت تجمعه أيضاً علاقة طويلة مع قائد «ياماجوشي-جومي»

(المتقاعد الآن) ماساو موريتا. استقال ياماني في أغسطس/آب 2018، منهياً فضيحة أخرى متعلقة بالمافيا والأولمبياد.

ولكن، منذ مارس/آذار 2016، كان تايسي كينسيتسو، أحد أكبر المقاولين في مشروع الاستاد القومي الجديد، وشرطة طوكيو وجهات أخرى تعهدوا علناً بألا تكون عصابات الجرائم المنظمة طرفاً في عملية البناء. قامت شركات أخرى مشاركة في الاستعداد للأولمبياد بتعهدات مماثلة.

بالرغم من ذلك، تضخمت ميزانية أولمبياد طوكيو من التقديرات الأولية في 2013 ب7.3 مليار دولار إلى التوقعات الحالية ب30 مليار دولار. هناك شكوك بأن السبب في التكاليف المتضاعفة هوالفساد والجريمة المنظمة.

أولمبياد ناجانو الشتوية 1998

واجهت اليابان اتهامات بارتكاب الأخطاء في عروض استضافة الأولمبياد من قبل. في وسط وأواخر التسعينات، قام الداعمون بصرف ملايين الدولارات في استضافة مبعوثي اللجنة الأولمبية الدولية أثناء ترشح اليابان لاستضافة الأولمبياد في ناجانو، والذي نجحت فيه.

قال أمريكي كان عضواً في اللجنة الأولمبية الدولية في هذا الوقت لآسيا تايمز: «بالطبع بدا الأمر مثل الرشوة بالنسبة لي. من يعلم؟ لقد حطمت اللجنة كل الأرقام القياسية السابقة المتعلقة بالإستضافة ما أن سنحت لها الفرصة».

الرئيس الحالي للجنة الأولمبية اليابانية، تسونيكازو تاكيدا، الذي تحقق السلطات الفرنسية الآن في اتهامه بتهم جنائية، كان أيضاً مشارك في إدارة عرض ناجانو.

ولكن في اليابان، بالرغم من تطورات الأسبوع الماضي في فرنسا – تعتبر براءة تاكيدا أمر مفروغ منه.

في سبتمبر/أيلول 2016، قال تقرير نشر عن طريق لجنة من المفترض أن تكون مستقلة إلا أنها معينة من قبل اللجنة الأولمبية اليابانية أن مبلغ 2.3 مليون دولار الذي تم دفعه ل«بلاك تايدينجر» شرعي وكان مقابل خدمات استشارية.

قال يوشيهيسا، وهو محامي ترأس اللجنة المكونة من ثلاثة أشخاص، أن اللجنة توصلت لعدم وجود شبهة رشوة في عرض اليابان لاستضافة أولمبياد 2020.

حتى لو تمت إدانة تاكيدا، من المستبعد أن يواجه محاكمة في فرنسا. تشير التقارير لكون تاكيدا قريب بعيد للعائلة المالكة اليابانية – الحفيد الأكبر للإمبراطورالياباني ميدجي، ولذلك من المرجح أن يكون محصن من المحاسبة.