الرائحة النفاذة وصوت نباح الكلاب الذي يصم اﻵذان يكشف من بعيد طبيعة عمل «لي سانج-جو»: الطرقات الطينية إلى مزرعته تمتلئ بالعشرات من اﻷقفاص المعدنية الصدئة، تحتوي على أنواع مختلفة من الكلاب ومن بينها التشيواوا والبطباط والمالطية و «بوسطون تريير».

«بعض هؤلاء سيتم بيعها كحيوانات أليفة، واﻵخر من أجل استهلاك لحوم الكلاب»، يقول لي. «يعتمد هذا على من سيدفع أكثر».

في أحد صباحات فبراير في مقاطعة «هونجسيونج» في وسط كوريا الجنوبية، بدأ لي ما تحول إلى روتينه اليومي طوال اﻷعوام الثمانية الماضية: يدفع أمامه عربة يدوية تمتلئ بحبوب مطحونة ﻹطعام كلابة المائتين. ظهره محني بسبب عقود من العمل البدني الشاق.

يقول لي إن غياب الخيارات المتاحة هو ما جلبه إلى صناعة لحوم الكلاب. لم تكن حياته سهلة. أدار مزرعة خنازير لكنها أفلست. وطوال سنوات، تنقل لي بين برامج إعانات البطالة وبين أعمال يومية موسمية. في النهاية، استمع لي إلى نصيحة صديق قديم له بتجربة حظه كمزارع للحوم الكلاب.

لكن حتى هذا العمل يتحول إلى اﻷسوأ. «في الماضي، توقف الشباب عن تناول لحوم الكلاب، لكن اﻵن حتى الكبار لم يعودوا يستهلكونها»، يقول لي. تسبب تراجع الطلب في انخفاض اﻷسعار. في 2011، باع لي كلبًا مقابل 200 ألف وون (حوالي 180 دولار أمريكي)، وهو ضعف ما يحصل عليه اﻵن.

مزارع الكلاب «لي سانج-جو» يتفقد كلابه. صورة: Fabian Kretschmer
مزارع الكلاب «لي سانج-جو» يتفقد كلابه. صورة: Fabian Kretschmer

حيوانات أليفة وليس طعامًا

طبقًا لمجموعة نشطاء حقوق الحيوان «هيومان سوسيتي إنترناشيونال»، ما زال هناك ما يقرب من 17000 مزرعة كلاب تنتشر في أرجاء الريف الكوري. كوريا الجنوبية هي الدولة الوحيدة في العالم التي ما زال لديها صناعة لحوم كلاب تجارية، حيث يُستهلك ما يُقدر بـ 2 مليون كلب كل عام.

لكن المسنون الكوريون هم من يحافظون على التقليد الممتد لقرون. عادة تُقدم لحوم الكلاب في حساء حار ومليء بالتوابل، ويفترض أن يساعد على التأقلم مع جفاف الصيف، كما يُعتقد أيضًا أنه يساعد فحولة الرجال. لكن التغيرات الديموغرافية التي تحدث اﻵن تبدل اﻷمزجة تجاه استهلاك لحوم الكلاب.

«بين أصدقائي، عشرة من عشرة لن يفكروا حتى في تناول لحوم الكلاب»، تقول كانج نا-كيونج، الطالبة البالغة من العمر 21 عامًا، «السبب الوحيد الذي دفعني لتجربته مرة واحدة كان بسبب أن أجدادي أجبروني عليه». تشير أيضًا إلى أن عددًا متزايدًا من المشاهير يقوم بتبني كلاب من الملاجئ كما يظهر في برامج تلفزيون الواقع.

عمومًا، يعتبر جيل كانج الكلاب كحيوانات أليفة أكثر من كونها وجبة عشاء.

استطلاع للرأي أجرته منظمة «الفرصة اﻷخيرة للحيوانات» غير الحكومية في أبريل 2018 أظهر أن أكثر من 80% من المبحوثين لم يجربوا تناول لحم كلاب على اﻹطلاق، وأن 1.2% فقط منهم يتناولونه بانتظام بشكل شهري.

وفي الوقت ذاته، تشهد صناعة الحيوانات اﻷليفة في كوريا الجنوبية تزايدًا منتظمًا: في 2017 بلغت قيمتها 3.4 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع نموها بقيمة 2 مليار دولار إضافية في 2020.

تدخل سياسي صعب

الرئيس الكوري الجنوبي «مون جاي إن» كان المنافس الوحيد خلال انتخابات 2017 الرئاسية الذي تناولت وعوده الانتخابية مسألة حقوق الحيوانات. ومن بين مواضيع مختلفة، تعهد مون -والذي يمتلك قط- بإنشاء مرافق أكثر ﻹطعام القطط المشردة. مع هذا، عارض مون حظر تناول لحوم الكلاب بشكل كلي، قائلًا أنه يجب الانتهاء منها تدريجيًا. وبعد تنصيبه بأربعة شهور، تبنى مون كلب مونجريل أنقذته مجموعة حقوق الحيوان «كير» من مزرعة لحوم كلاب.

وتعرض المجموعة ذاتها لانتقادات علنية كبيرة في يناير بعد تسريبات كشفت أن مديرها أمر بالقتل الرحيم لـ 230 كلبًا في ملاجئهم بشكل سري. الخطوة جاءت بسبب الازدحام الكبير وعدم القدرة على إيجاد منازل لمزيد من الحيوانات. لكن اﻷمر مثل مفارقة كبيرة ﻷن المجموعة معروفة بنشاطها المضاد لصناعة لحوم الكلاب وبـ «سياستها المناهضة للقتل». وتسببت التسريبات في توقف عدد من المتبرعين لـ «كير» عن دعمهم.

مع هذا، يبدو أن هذا التوجه لن يتوقف قريبًا.

تعهد عمدة سيول ذائع الصيت «بارك ون سون» -والذي نشر ورقة بحثية حول حقوق الحيوان أثناء دراسته في بريطانيا عام 1991- بالضغط ﻹيقاف جميع جزاري الكلاب في العاصمة عن العمل.

وفي نوفمبر الماضي، قررت الحكومة المركزية إيقاف مجمع «تايبيونج دونج» على أطراف سيول، والذي يعتبر أكبر مذبح للكلاب في البلاد.

وفي مقاطعة سوق «جيونجدونج» شمال شرق سيول، تمتلئ اﻷكشاك بمظلات بألوان قوس قزح تبيع كل شيء من الفلفل الحراق إلى اﻷعشاب الطبية. كان السوق مركزًا كبيرًا لتجارة لحوم الكلاب، لكن وسط كل هذه اﻷكشاك لم يتبقى سوى اثنين فقط يبيعون لحوم الكلاب.

أحد آخر جزارات الكلاب في سوق «جيونجدونج» في سيول. صورة: Thomas Maresca
أحد آخر جزارات الكلاب في سوق «جيونجدونج» في سيول. صورة: Thomas Maresca

اعتاد «كيم داي ون»، العجوز المرح الذي يبلغ من العمر 72 عامًا ويرتدي سترة من الجلد اﻷسود، أن يأتي إلى هذا السوق منذ طفولته المبكرة، وشهد على التغيرات الكبيرة التي طالت كوريا، والتي تحولت من دولة سلطوية دمر الحرب اقتصادها في الخمسينيات إلى قلعة صناعية صاعدة وديمقراطية شابة في أواخر الثمانينيات. ووسط كل هذه التغيرات، فإن اﻷمزجة تغيرت أيضًا.

«في الماضي، كان السوق ممتلئًا بأناس يبيعون الكلاب في أقفاص»، يقول كيم، «لكن اﻵن أصبح تناول لحوم الكلاب أمرًا همجيًا». يتذكر كيم أن نقطة التحول كانت عندما استضافت سيول أولمبياد 1988. وقتها، لجأ ناشطو حقوق الحيوان، ومن بينهم الممثلة الفرنسية »بريجيت باردو»، إلى اﻹعلام لتسليط الضوء على المسألة.

وبعد مضي ما يقرب من ثلاثين عامًا، قاد نشطاء حقوق حيوان غربيون حملة قبل أوليمباد «بيونغتشانغ» الشتوي في 2018 ﻹنهاء صناعة لحوم الكلاب في كوريا الجنوبية. ووسط تصاعد الضغط الشعبي، طلب حكومة مقاطعة «غانغوون» المضيفة من 40 مطعمًا تقدم لحوم الكلاب في منطقة اﻷلعاب اﻷوليمبية التوقف عن تقديم أطباق لحوم الكلاب أثناء اﻷلعاب.

إعادة تأهيل المزارعين والكلاب

في «هونغسيون»، فكر «لي» طوال شهور في إغلاق مزرعته للكلاب. لم تكفي المزرعة لاحتياجاته، كما يشتكي جيرانه من الضوضاء ويطلبون منه نقلها.

تواصل «لي» مع مجموعة نشطاء حقوق الحيوان »هيومان سوسيتي إنترناشيونال» لمساعدته على تغيير عمله. وفرت المجموعة حوافز مالية لأصحاب مزارع الكلاب الراغبين في مغادرة المجال. وقع «لي» عقدًا مُلزمًا لمدة 20 عامًا.

ستة من العاملين بالمجموعة يرتدون سترات خضراء زاروا مزرعة «لي» ﻹغلاقها بشكل نهائي. قاموا بتحطيم اﻷقفاص ووضعوا الكلاب في صناديق بلاستيكية، حيث يفترض إيصالهم إلى مطار «إنتشون» الدولي، حيث تنقلهم طائرة شحن كندية إلى مونتريال. ومن هناك، يُفترض نقلهم إلى ملاجئ في منطقة شيكاغو الكبرى. يُتوقع أن يعثر معظمهم على منازل جديدة خلال أسابيع.

تعد مزرعة «لي» الرابعة عشرة التي قامت مجموعة «هيومان سوسيتي إنترناشيونال» بإغلاقها في كوريا الجنوبية. بتكلفة تبلغ 100 ألف دولار أمريكي، فإن عملياتهم التي تمتد طوال أسبوع باهظة الثمن ومعقدة لوجيستيًا. أنقذت المجموعة إجمالي 1300 كلبًا في كوريا الجنوبية منذ 2015.

كيلي أوميارا، المسؤولة في «هيومان سوسيتي إنترناشيونال» تحمل كلبًا أُنقذ من مزرعة في «هونجسيونج». صورة: Thomas Maresca
كيلي أوميارا، المسؤولة في «هيومان سوسيتي إنترناشيونال» تحمل كلبًا أُنقذ من مزرعة في «هونجسيونج». صورة: Thomas Maresca

«نشعر بسعادة بالغة من إنجازات الشهور الماضية»، تقول كيلي أوميارا من المجموعة، «نشهد تغييرات أسرع بكثير مما كنا نتوقع».

لا يعرف «لي» يقينًا ما الذي سيفعله في المستقبل: «أتخيل نفسي كحارس أمني في مجمع سكني»، يقول، «أو ربما أحصل على دورة كمبيوتر لتحسين فرصي في العثور على عمل».

يقول إنه سعيد ﻷنه سيتمكن أخيرًا من إغلاق مزرعته. مع هذا، يراقب «لي» بحزن نشطاء الحيوان وهم يحملون كلاب مزرعته بعيدًا. رغم كل شيء، يقول لي، كانت هذه الكلاب رفيقته خلال اﻷعوام الثمانية الماضية.