كتب كارل ماركس ذات مرة أنه مع إتقان لغة جديدة، يبدأ الناس عادة بترجمتها إلى لغتهم اﻷصلية.

عند وصول الزعيم الكوري الشمالي “كيم يونج-أون”، والرئيس اﻷمريكي “دونالد ترامب” إلى “هانوي” هذا اﻷسبوع لعقد قمة تاريخية ثانية، اقترح البعض أن “بيونج يانج” قد تتقن لغة رأسمالية جديدة عبر تقليد الدولة المضيفة، والشيوعية الزميلة، “فيتنام”.

نشر “ترامب” على تويتر في وقت مبكر هذا الشهر أن كوريا الشمالية “ستصبح نوعًا آخر من الصواريخ – صاروخ اقتصادي!” إذا نجحت مفاوضاتهم وانتقلت “بيونج يانج” من مُهاجم نووي مُحكم إلى عضو مزدهر اقتصاديًا وسط المجتمع الدولي.

المنشور كان إشارة على استحياء إلى فيتنام، أحد أسرع الاقتصادات نموًا في آسيا، والتي كان حزبها الشيوعي الحاكم معزولًا في وقت ما ليصبح اﻵن ضليعًا ومزدهرًا في نظام تجارة حرة عالمي.

فكرة أن تحذو كوريا الشمالية حذو فيتنام في تحولها الرأسمالي ليست جديدة كما يلاحظ “هونج لي ثو”، كبير المحللين في معهد السياسات الاستراتيجية الأسترالي.

نوقش نموذج فيتنام، والذي بدأ تنفيذه عبر إصلاحات “دوي موي” المستندة إلى السوق في عام 1986، بشكل مباشر بين زعماء فيتنام وكوريا الشمالية منذ التسعينيات، كما أوضح “ثو” في مقال رأي نُشر مؤخرًا.

وبالفعل، أرسل “كيم” وفدًا إلى “هانوي” في عام 2012 والذي ركز تحديدًا على خبرة اﻹصلاح في فيتنام والانتقال إلى اشتراكية مستندة إلى السوق.

صور للقائد السابق لكوريا الشمالية كيم إل سونج ولفيتنام هو شي منه تزين حائط حضانة الصداقة الفيتنامية-الكورية الشمالية في هانوي 19 فبراير/شباط 2019. صورة:VATSYAYANA / AFP

 

اﻷكيد أن كوريا الشمالية تشترك اﻵن في بعض النقاط مع فيتنام وقتما كانت على وشك البدء في “دوي موي”، أو اﻹصلاحات التي بدأ رحلة انتقالها من الرهبنة ﻷن تصبح عضوًا فعالًا في المجتمع الدولي والتجارة الدولية.

على سبيل المثال، تعرضت كلتا الدولتين إلى انتقادات حادة بواسطة الولايات المتحدة. في عام 1983، وصفت واشنطن فيتنام بأن لديها “أكثر حكومة قمعية في العالم”، وهي الصفة المحجوزة اﻵن لكوريا الشمالية.

كما أن كلتا الدولتين كانتا متأخرتين اقتصاديًا في لحظة ما من تاريخهما. في عام 1984، كانت فيتنام ضمن قائمة أفقر 20 دولة في العالم، حيث يبلغ نصيب الفرد من الدخل 160 دولار أمريكي فقط، بحسب تقرير لوزارة الخارجية اﻷمريكية وقتها.

كما وصل معدل التضخم إلى 1000% دون وجود صادرات تذكر، حتى مع قيام الاتحاد السوفيتي بشراء صادراتها بسعر كبير. كانت “هانوي” تعتمد على الواردات من الكتلة السوفيتية، وتعطت بسبب دينها العام. كما عانت أيضًا من عقوبات فرضتها بعض الدول الغربية.

بالنسبة للاقتصاديين من خارج كوريا الشمالية -وربما بالنسبة لمعظم الخبراء داخلها أيضًا- من المستحيل أن تقريبًا قياس حالة اقتصاد الدولة، رغم أن معظمهم يتفق على أنها تعاني من العقوبات التي تتزعمها الولايات المتحدة والمفروضة منذ 2017.

قدر فريق بحثي كوري شمالي يعمل في البنك المركزي بكوريا الجنوبية إجمالي الناتج المحلي في 2017 بلغ 32.3 مليار دولار فقط.

يعتقد “بيلي هايتون”، الزميل المشارك في مركز “المعهد الملكي للشؤون الدولية” فيما يخص منطقة آسيا والمحيط الهادي والخبير في الشأن الفيتنامي، أن شيئًا آخر يمكن لكوريا الشمالية اﻵن أن تتعلمه من فيتنام الثمانينيات، وهو خفض التسليح.

يقول “هايتون” إنه بحلول عام 1986، لم تتحمل “هانوي” دفع مرتبات معظم جنودها أو توفير وظائف بديلة لهم، ما تسبب في تحول العديد منهم ﻷن يصبحوا تجارًا صغيرين.

وزير الدفاع الكوري الشمالي الجنرال باك يونج سيك أثناء استقباله من قبل نظيره الفيتنامي فونج كوانج ثنه في حفل استقبال بوزارة الدفاع بهانوي في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2015. صورة: Vietnam News Agency / VIETNAM NEWS AGENCY / AFP

“الموقف الرسمي كان أن العمل الخاص غير قانوني. لكن الحزب الشيوعي أدرك أن هذا هو البديل الوحيد للجوع، ولهذا وجهوا السلطات المحلية والشرطة لتجاهل الرأسمالية الصغيرة”، يقول “هايتون”.

يضيف أيضًا أن هذا كان هو “ما أنقذ البلاد بحق”، على الرغم من أن هذا ليس جزءً من الراوية الرسمية التي يحكيها الحزب اﻵن.

مع هذا، وفيما يتجاوز هذه السطحيات، كانت فيتنام في 1986 مختلفة تمامًا عن كوريا الشمالية اﻵن، بما يعني أن “بيونج يانج” لن تتمكن بسهولة من تقليد تجربة “هانوي” في اﻹصلاح.

يجادل “ديريك جروسمان”، كبير محللي الدفاع في مؤسسة “راند”، وهو مركز أبحاث في السياسات الدولية مقره في الولايات المتحدة، أن “التشابه الجزئي بين كوريا الشمالية وفيتنام سيئة التوجيه”.

في البداية، يُطلب من كوريا الشمالية اليوم التنازل عن ترسانة نووية يمكنها استهداف مدن أمريكية، حسبما يقول.

بالمقارنة، في أواخر الثمانينيات، كان المجتمع الدولي يطلب من فيتنام سحب جنودها من كمبوديا المجاورة بعد اجتياحها البلاد في عام 1979.

اﻷكثر من هذا، يضيف “جروسمان”، يُعتبر حزب العمال الحاكم في كوريا الشمالية اليوم كسلالة دكتاتورية حاكمة أكثر من الحزب الشيوعي المعتاد.

بالفعل، حكمت عائلة “كيم” البلاد لثلاثة أجيال، ولا يبدو أن هناك أي فرصة ﻷحد خارج العائلة لبذل أي مجهود سياسي هام.

كما اغتال “كيم” حتى أقرب أقربائه، والذي تخيل أنهم يمثلون تهديدًا، ومن بينهم أخوه اﻷكبر “كيم يونج-نام” في مطار ماليزي عام 2017.

قائد كوريا الشمالية كيم يونج أون يتحدث أثناء أول اجتماع موسع للجنة العسكرية المركزية السابعة لحزب العمال الكوري. صورة:KCNA/via REUTERS

في المقابل، فإن الحزب الشيوعي الفيتنامي كان موجهًا بما أطلق عليه “المركزية الديمقراطية”. ومنذ السبعينيات، تقبل الحزب أن المناصب العليا اﻷربعة لا يستحوذ عليها شخص واحد في الوقت ذاته.

كُسرت هذه القاعدة فقط العام الماضي حين تولى سكرتير عام الحزب “نغوين فو ترونغ” رئاسة البلاد أيضًا. مع هذا، لا يحظى السياسيون الكبار بأكثر من فترتين، ويتوقع أن يتقاعدوا من ممارسة السياسة إذا تجاوز عمرهم 65 عامًا.

كما حظى الحزب منذ عام 1986 بستة مسؤولين، وعدد مماثل من رؤساء الوزراء في نظام الحزب الواحد السلطوي في فيتنام.

ترتيب مشاركة السلطة هذا يجدد الحزب بشكل دوري بمسؤولين شباب، كما يضمن عدم استيلاء شخص واحد على السلطة الدكتاتورية. حتى العبادة الشخصية المخصصة لـ “هو تشي من”، الزعيم الثوري للبلاد والقائد اﻷخلاقي للحزب، خُلقت فقط بعد وفاته. ولم يحاول أي سياسي فيتنامي آخر تطوير هذا النوع من عبادة الشخصية منذ وقتها.

كما أن الانتقال السياسي الذي شهدته فيتنام عام 1986 كان مهمًا بقدر ما كانت إصلاحات “دوي موي” الاقتصادية. توفي “لي دوان”، السكرتير العام للحزب منذ عام 1960، قبل شهور فقط من المؤتمر العام للحزب في 1986، والتي أُقرت فيه إصلاحات “دوي موي”. وخلال المؤتمر، أعلن ثلاثة من كبار الحزب هم “تراونج تشين” و “لي دوك ثو” و “فام فان دونج” تقاعدهم كذلك.

هذا التجديد السياسي أمر غير متخيل في كوريا الشمالية اليوم. ممارسة “المركزية الديمقراطية” الفيتنامية قد تقضي على اﻷغلب على حزب “كيم” العمالي في كوريا، والذي عمل طبقًا لتوجيهات ديكتاتور فرد طوال عقود ولم يطور بيروقراطية كبيرة تؤول إليها صناعة القرار.

وبينما تخلى كلا الحزبين الشيوعيين عن أيديولوجيتهم الاشتراكية خلال العقود اﻷخيرة، إلا أنهم اختلفوا بشكل كبير في المسارات التي اختاروها. انتقلت “هانوي” من تخطيط مركزي إلى اقتصاد سوق، ورفعت أولوية تحسين علاقاتها الدولية لتسهيل التجارة. “أصدقاء أكثر وأعداء أقل” كان هو الشعار الذي رفعه الحزب في عام 1988.

أصبحت فيتنام اليوم أحد أسرع اقتصادات العالم نموًا، حيث يرتفع إجمالي الناتج المحلي بنسبة تتجاوز 6% كل عام.، وهو تحول اقتصادي سريع وناجح ربما لم تشهده أي بلد أخرى من قبل.

في هذه اﻷثناء، تقبل المواطنون الفيتناميون التغييرات برحابة. في استطلاع حديث

محل في وسط هانوي. صورة:AFP/Hoang Dinh Nam

في استطلاع حديث أجرته خدمة بحثية تابعة لصحيفة “فاينانشال تايمز” وجد أن 90% من الفيتناميين يفضلون التجارة الحرة، وهي نسبة ترتفع بكثير عن باقي دول جنوب شرق آسيا.

 

وبينما حذفت كوريا الشمالية كلمة “شيوعية” من دستورها في 2009، إلا أنها استبدلتها بأيديولوجية “الجيش أولًا” السلطوية، والتي تدور حول “القائد اﻷعلى”، والتي تدور حول نظرة أكثر انغلاقًا للأمة.

في كتابه “العرق اﻷنقى: كيف يرى الكوريون الشماليون أنفسهم ولماذا يعد هذا مهمًا” الصادر عام 2010، يجادل الخبير في شؤون كوريا الشمالية “بريان رينولدز مايرز” أن الشيوعية استُبدلت بشيء أكثر قربًا للفاشية اليابانية، حيث أكدت على النقاء العرقي لشعب كوريا الشمالية والتوحد ضد الولايات المتحدة.

لكن تغيير كلي في الموقف، ومن بينها إسقاط الروح المعادية ﻷمريكا، سيكون صعبًا لكنه ليس مستحيلًا بالنظر في قمة ترامب-كيم السابقة. لكن الاختلافات التاريخية بين فيتنام في 1986 وكوريا الشمالية اليوم ما زالت هائلة.

في عام 1986، تفاخرت الحكومة الفيتنامية بقيادة الحزب الشيوعي بأنها في خلال 40 عامًا فقط تمكنت من هزيمة الكولونيالية وإعادة توحيد البلاد وطرد التدخل اﻷجنبي من الولايات المتحدة والصين، وحتى تحرير كمبوديا المجاورة من نظام الخمير الحمر القائم على اﻹبادة الجماعية. وسهلت قدرة الحزب الشيوعي على عرض هذه اﻹنجازات المحلية من الصعوبات الاقتصادية العميقة وقتها.

وبالمقارنة، فشلت كوريا الشمالية اليوم في الانتصار في الحرب الكورية 1950-1953 ولم تشتبك في أي مواجهة عسكرية منذ وقتها، بينما استمر انقسام شبه الجزيرة الكورية. ويعد اقتصاد كوريا الشمالية ضمن أكثر الاقتصاديات تأخرًا بتقارير مستمر طوال العام عن مجاعات.

هذه العيوب التاريخية قد يتم تعويضها باﻷسلحة النووية التي طورتها محليًا وتقوم بتوجيهها ناحية الولايات المتحدة، لكن نزع السلاح النووي قد يكون هو الطريق الوحيد لبدء إصلاح مشابه لفيتنام.

الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم يونج أون بعد القمة التاريخية التي جمعتهم في 12 يونيو/حزيران 2018. صورة: AFP

حين أدخلت “هانوي” إصلاحات السوق الحرة في عام 1986، كانت معظم جيرانها ومن بينها الصين متأخرة اقتصاديًا. كان هذا سببًا في أن تسهيل عملية النهوض.

إذا أرادت كوريا الشمالية تحقيق نقلة اقتصادية مماثلة، ستجد نفسها محاطة بالصين واليابان وكوريا الجنوبية، وهي ثاني وثالث وثانية عشر أكبر اقتصادات في العالم على الترتيب، وفي ترتيب اقتصادي عالمي أكثر صعوبة بكثير.

يغيب التاريخ بوضوح عن السياسيين والمحللين الذين يعتقدون أن كوريا الشمالية يمكنها بسهولة محاكاة تجربة اﻹصلاح في فيتنام. لكن الكثير يعتمد، ومن بينها قمة ترامب-كيم القادمة، عما إذا كانت “بيونج يانج” تؤمن أن انتقالًا على النموذج الفيتنامي أمر يمكن تحقيقه.