في ضواحي القاهرة، يعيش أكثر من 500 مصري مصابين بمرض جلدي وعصبي نادر في عزلة في مستوطنة أبو زعبل. هذه المستعمرة الحقيقية للجذام مثلت مسرح المخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي في فيلم «يوم الدين»:  ملحمة رحلة رجل في البحث عن جذوره، وحكاية صداقة تتشكل عبرها.

اكتسب البطل الرئيسي، بشاي -الذي لعب دوره راضي جمال، أحد قاطني هذه المستعمرة- شهرة بعد أن فاز الفيلم بجائزة «فرانسوا تشاليز» بمهرجان «كان» السينمائي لعام 2018.

نرى جمال في وقت مبكر من الفيلم وهو يتفحص كومة من القمامة ويغمغم كلمات من دوره بشكل غير مصقول. يدرك المشاهد بسرعة أن الرجل لم يؤدي دورًا من قبل في حياته. ومع ذلك، فإن صدقه وعفويته الواضحتين تضيفان جودة تشبه الفيلم الوثائقي إلى الفيلم.

غرابة جمال وروح دعابته، خاصة أثناء تفاعله مع الصغير أوباما (أحمد عبد الحافظ) -وهو يتيم يتصادق عليه، ويطلق عليه «الرجل على شاشة التلفزيون»- يخلق جوًا متجانسًا وصادر من القلب يسود طوال بحثهم عن الوالدين الذين تخلوا عنهم.

المجتمعات المهمشة

يدور يوم الدين حول الفئات المهمشة المنبوذة وصورتهم الذاتية المعذبة، التي يفرضها عليهم المجتمع المتزمت الرافض لهم. غالبًا ما يظن الناس أن مرض الجذام الذي أُصيب به بشاي مرض جلدي معدي أو قذارة، ويتجنبه الناس الذين يقابلونه. نصحه أوباما بإخفاء وجهه تحت قبعة تربية النحل. ما يضيف إلى مشاعر بشاي بالغربة هو دينه. قبطي، أقلية داخل أقلية. وكشخص يتيم وأحد أفراد المجتمع النوبي المهمش في جنوب مصر، يعيش أوباما في موقف مماثل.

يتكون طاقم الفيلم بأكمله من ممثلين غير معروفين، وتقع مواقع التصوير خارج العاصمة القاهرة أو المدينة الساحلية الثانية الإسكندرية، حيث تحدث معظم الإنتاجات المصرية، سواء اﻹنتاج الجماهيري أو المستقل.

القرى البائسة التي يسافر عبرها بشاي وأوباما على عربة حمار ممزقة ليصلوا إلى مسقط رأس بشاي في صعيد مصر قرى فقيرة ورثّة ومهملة. في طريقهم، يواجهون الغرباء والمنبوذين طيبيي القلب مثلهم، ولكنهم أيضًا يقابلون مجرمين وإسلاميين ورجال شرطة غير جديرين بالثقة. في ضوء هذه الملحمة المتشائمة والشخصيات المتنافرة، كان من الممكن أن ينجرف «يوم الدين» بسهولة ليكون مبتذلًا، يُجبر المشاهدين على التعاطف. في الواقع، إن بعض المشاهد تدعم الفكرة القائلة بأن المنبوذين المختبئين تحت الأرض، هم من الطيبون الذين قد يدافعون عن أنفسهم. بعض المشاهد أيضًا تم قطعها بشكل مفاجئ، خاصة تلك التي يتوقع المشاهد من الكاميرا أن تبقى فيها على وجه بشاي للتأكد من صحة شعور معين من الحزن أو الخسارة.

تمويل عبر كيك ستارتر

«يوم الدين» هو أول فيلم روائي طويل لشوقي، واستغرق خمس سنوات للانتهاء منه. تمكن مع زوجته والمنتجة المساعدة دينا إمام من تمويل الفيلم من خلال موقع «كيك ستارتر» الإلكتروني لجمع التبرعات بمبلغ 22,254 دولارًا. لم يكن هناك ميزانية متبقية للتسويق، وكان شوقي مدينًا بالمال لعدد من الناس.

ما يثير الإعجاب بالفيلم هو أن شوقي يأخذ المشاهد إلى جزء خفي من مصر نادرًا ما تتناوله السينما المصرية مؤخرًا، بما يذكرنا ربما برائعة هنري بركات «الحرام» (1965)، أو يوسف شاهين (مخرج مصر الأكثر شهرة في القرن الماضي) «الأرض» (1969)، مع مثابرة وتدقيق كل مخرج في تصوير الحياة الصعبة للمزارعين بشكل متقن. في كل مشهد تقريبًا في «يوم الدين»، تمكن شوقي من نقل إحساس عاجل لمعاناة بشاي العقلية والجسدية، مع الحفاظ على توازن طيب القلب وخالٍ من الهموم.

النهاية مؤثرة بشكل خاص، حيث يشارك المشاهد بشاي في حماسه وطموحاته لجمع شمل عائلته.

بالنظر إلى اسم الفيلم، يمكن للمشاهد أن يساوي بين بشاي وآدم في الكتاب المقدس، الذي يتعهد -بعد منعه من الجنة- برحلة طويلة وعجيبة للعودة إلى جذوره. أكبر مخاوف بيشاي هي اليوم الذي يقف فيه أمام أبيه، في انتظار حكمه، ورفضه بسبب مظهره، مستحضرًا معضلة البشر، الذين يحاكمون يوميًا بسبب جنسهم أو دينهم أو عرقهم.

بعد الضجة الدولية، لم يفشل يوم الدين في إحراز اعجاب المشاهدين المصريين. امتلأت قاعات السينما لأسابيع، وهي ظاهرة غير شائعة إلى حد ما مع الإنتاجات المستقلة. يبدو أن شوقي قد أصاب وترًا عاطفيًا عند الآلاف من المشاهدين الذين كسب قلوبهم المحبوب والموهوب «المنبوذ».