أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري مساء الثلاثاء أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة غير قادر على ممارسة مهام منصبه، في تنازل لصالح الحراك الشعبي الغير مسبوق في شوارع البلد الغنية بالغاز والنفط.

نادى الفريق أحمد قايد صالح في خطاب تلفزيوني بتفعيل المادة ١٠٢ من الدستور التي تلزم الرئيس بالتخلي عن منصبه. إلا أن الإعلان لم يكن مقنع بالنسبة للمتظاهرين، الذين يخططون لجولة جديدة من التظاهرات يوم الجمعة.

يقول فارس قادر أفاق، ٤٨ عام، وهو أحد الفاعلين في المجتمع المدني الجزائري ومؤسس الصالون الأدبي «لو سو مارين»: «هذه خدعة للعودة للمسار الدستوري وتمكين النظام من البقاء في السلطة».

كان بوتفليقة تعهد منذ أسبوعين بعدم الترشح لفترة خامسة. إلا أن الإعلان لم ينجح في تسكين الحركة  الاحتجاجية، واعتبرها المحتجون وسيلة إلهاء تستخدمها النخبة السياسية والعسكرية.

يقول أفاق، الذي سيستمر في المشاركة في المظاهرات: «خارطة الطريق التي أعلنها بوتفليقة كانت طريق مسدود، لأن الشعب رفضها».

التظاهرات تتوسع

بدأت المظاهرات الحاشدة في الجزائر في ٢٢ فبراير/شباط استجابة لدعوى مجهولة المصدر على الإنترنت للتظاهر ضد ترشح بوتفليقة لفترة خامسة. بدأت التظاهرات باكتساب الزخم في مدن صغيرة مثل خراطة، في مقاطعة بجاية في ١٦ فبراير/شباط  وعنابة في الشمال الشرقي في ٢١ فبراير/شباط.

كان قانون صدر في ٢٠١١ جرم التجمعات في العاصمة الجزائر، مما جعل التنظيم والتعاون بين النشطاء في السنوات الماضية مهمة معقدة. كانت الشرطة تقوم بشكل متكرر بحملات اعتقال قبل أي تظاهرات مرتقبة وكانت تفرق التجمعات قبل بدء نشاطها.

في أولى أيام الحراك الأخير، تم اعتقال عدد من الناس، وفي ٢٨ فبراير/شباط، تم احتجاز صحفيين لمدة ساعات أثناء اعتصام ضد الرقابة والضغط من رؤساء التحرير.

ولكن منذ ذلك الحين، تم تحقيق عدة إنجازات مهمة: أعاد الجزائريون سيطرتهم على المساحات العامة في مدن وقرى في أنحاء البلاد. وشارك حتى الآن ملايين الأشخاص في مظاهرات شعبية كل يوم جمعة، تزيد أعداد المشاركين فيها بشكل ملحوظ كل أسبوع.

هتف المتظاهرون «الشعب لا يريد بوتفليقة ولا سعيد»، في إشارة لشقيق الرئيس. طالبت هتافات أخرى ب«جزائر حرة ديمقراطية». ودائماً ما يصاحب المطالب دعوة للحفاظ على الهدوء: «سلمية، سلمية».

حوالي ٧٠٪ من شعب الجزائر الذي يبلغ عدده ٤٢ مليون تحت سن الثلاثين. لم يعرفوا سوى رئيس واحد، وصل للسلطة في ١٩٩٩، معظم حياتهم. اختصرت لافتة تم رفعها في بداية الحراك احباطات الشباب: «سني ٣٠ عام. عشت ١٠ سنوات من الإرهاب، و ٢٠ سنة من حكم بوتفليقة».

للحراك الحالي بوادر تعود لفترة طويلة، بحسب ويليام لورانس، دبلوماسي سابق وخبير في شمال أفريقيا وهو حالياً محاضر في جامعة جورج واشنطن.

يقول لورانس لآسيا تايمز: «حركة التظاهرات تنشط وتهدأ باستمرار في الجزائر، في وجود آلاف المظاهرات الصغيرة كل عام مثلما يحدث في المغرب، التي أحياناً ما تصل لذروتها على مستوى الدولة أو المنطقة. ولذلك في حالة هذه الاحتجاجات، لم يكن هناك شك أنها ستحدث، ولكن كان السؤال هو متى؟».

يضيف: «نظراً للحالة الصحية لبوتفليقة، توقع العديد من المحللين أن طرح فترة خامسة سيقابله رد فعل».

رغم أن الحراك الحالي بدأ رفضاً لترشح بوتفليقة لفترة خامسة، إلا أن هناك مطالب سياسية أكثر تحديداً يتم تعريفها في الاعتصامات في أنحاء البلاد، ويشارك في تشكيلها تجمعات الطلاب والحوار المجتمعي.

يحضر هذه التجمعات أشخاص يختلفون في الآراء السياسية، إلا أنهم يتفقون على أن صناع القرار الحاليين، ليس فقط بوتفليقة ولكن دائرته الحاكمة بأكملها، يجب أن يرحلوا.

ولكن لم يتم إعلان قائمة مطالب رسمية بعد، ويظل الحراك بلا قيادة.

الطلاب الجزائريون يتظاهرون في العاصمة في ٣٦ مارس/آذار ٢٠١٩ ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. صورة: AFP

دروس الربيع العربي

يقول المتظاهرون أنهم يسعون لتفادي المخاطر التي وقعت فيها البلدان المجاورة أثناء الربيع العربي في ٢٠١١.

قال عدة متظاهرين لآسيا تايمز في شهر فبراير/شباط أنهم قلقون من استيلاء الإسلاميين على مكاسب الحراك. لم يظهر الإسلاميون حتى الآن كقوة سياسية في المظاهرات.

سئم المتظاهرون أيضاً من الشخصيات العامة التي تسرق الأضواء، مثل رجل الأعمال الجزائري-الفرنسي رشيد نكاز، الذي نظم مؤتمر صحفي مثير بعد منعه من الترشح، أعلن فيه ترشيح إبن عمه الذي يحمل نفس الإسم بدلاً منه.

في تجمع لعشرات الفنانين خارج المسرح القومي في العاصمة في وقت سابق من هذا الشهر، تحدث الناشط أفاق قائلاً: «الشعب الجزائري علمنا، نحن النخبة، درس». في خطاب حماسي، دعا أفاق كل الجزائريين للانضمام للحركة الاحتجاجية ورفض «احتكار المثقفين» للحوار فيما يخص الصراع الحالي للديمقراطية. أكد أفاق أن الوعي السياسي متاح للجميع.

فوجيء المواطن الجزائري العادي بحس المواطنة وحس الفكاهة عند المتظاهرون، الذين ينظفون أماكن التجمع قبل تركها ويوزعون الأكل والشرب. حالات الاشتباك مع الشرطة كانت فردية حتى الآن.

يقول أفاق: «كان المجال العام مغلق لمدة طويلة من قبل السلطات، وهو ما منع أي مظاهر احتجاج شعبية أو نشاط سياسي. كان المجال العام متاح فقط للمواطنين عندما ينظمون أنشطتهم الخاصة. استرجاع هذا المجال هو أول إنجاز رمزي لهذا الحراك الشعبي، وهو طريقة للقول أن الناس ترفض التسليم لرغباتهم».

«خدعة رخيصة»

تعهد بوتفليقة في رسالة للشعب في ١١ مارس/آذار الجاري بعقد مؤتمر شعبي لتعديل الدستور والتخطيط للانتخابات. تم تأجيل الانتخابات التي كان مزمع عقدها في ١٨ أبريل/نيسان لأجل غير مسمى. استقال رئيس الوزراء أحمد أويحيى واستبدل بوزير الداخلية نورالدين بدوي.

كانت الخطوات شبيهة بتلك التي أعلنها ملك المغرب محمد السادس في ٩ مارس/آذار ٢٠١١، بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع أول احتجاجات على نطاق واسع في بلاده، أطلقتها حركة شباب ٢٠ فبراير. عندما استمرت المظاهرات المغربية، قام الملك متفرداً بتشكيل لجنة وتكليفها بكتابة دستور جديد. في شهر يوليو/تموز التالي، تم الموافقة على الدستور بنسبة ٩٧٪ في تصويت عام. مثل متظاهري المغرب في ٢٠١١، رفض الجزائريون هذه التحركات ووصفوها ب«خدعة رخيصة» وصمموا على استكمال الضغط على الحكومة.

تبادل الجزائريون النكات على مواقع التواصل الإجتماعي التي تقول أن المتظاهرين استبدلوا لافتات «لا لفترة خامسة» بأخرى تقول: «لا لتمديد الفترة الرابعة» أو «لا للفترة الرابعة المطولة».

إحدى لافتات المتظاهرين تقول: «أردنا انتخابات بدون بوتفليقة، لكننا حصلنا على بوتفليقة بلا انتخابات».

يقول يانيس آدجليا، ناشط يبلغ من العمر ٣٠ عام من مدينة بجاية شرق الجزائر المطلة على الميناء أن هدفه طوال فترة الاحتجاجات كان سقوط النظام وتفعيل دولة القانون.

يقول: «هناك جيل بأكمله سئم، ويوجد تضامن بين الجزائريين على شعار واحد “إرحل يا نظام”. ليس مطروح أن يتم التوقف عند هذه الإصلاحات».

يضيف: «كانت لدينا مسيرة كبرى في ٢٢ فبراير/شباط. ثم كانت مسيرة ١ مارس/آذار أكبر، ومسيرة ٨ مارس/آذار أكبر، وبحضور النساء»، وهي نقطة مهمة في بلد محافظ.

يقول آدجليا بفخر أنه لم ينضم قط لحزب سياسي، ولكنه قاد منظمة تدافع عن حقوق المستهلك. يقول أن ما يحدث الآن «حركة عفوية من الشباب الذي يتطلع لمستقبل أفضل ويدرك أن التغيير يجب أن يكون سلمي».

حصل المتظاهرون على دعم غير متوقع من القضاة و الذين أعلنوا في مرحلة مبكرة من الحراك رفضهم محاكمة المتظاهرين السلميين الذين تم القبض عليهم، وبذلك قطعوا طريق اللجوء لموجة جديدة من الاعتقالات على السلطات.

يقوم عمر فاروق سليماني، محامي في الرابعة والثلاثين، بالسفر من مقر إقامته في العاصمة لدعم المتظاهرين في المناطق البعيدة، ومنها مسقط رأسه، بلدة الأغواط التي تقع ٤٠٠ كم جنوب العاصمة. انضم في ١٧ مارس/آذار لمحامين وقضاة وموظفين في ميناء تيبازة لدعم قاضي تم استدعاؤه بسبب دعمه للتظاهرات.

سليماني، الذي شارك في احتجاجات ٢٠١١ و٢٠١٤ ضد ترشح بوتفليقة لمدة رابعة، يقول أن الشعارات الجريئة ضد النظام لم تفاجئه بقدر ما فاجأته القدرة التنظيمية للشباب. حتى الجيل الأكبر شارك في المظاهرات، ماحياً الفجوة بين جيل الحرب والشباب. «هذه المرة، يقول الجيل الأكبر أن الشباب هم المستقبل، ولأول مرة يخرج الجيل الأكبر من أجل الشباب».

يعتبر الشباب نفسه غير مسيس، بحسب سلماني. ولكنه يعقب: «ولكن أن تكون غير مسيس في حد ذاته انخراط سياسي. في الجزائر، يعني هذا رفض سياسات النخبة الحاكمة، والمعارضة المعروفة أيضاً».