استطاعت المؤسسة العسكرية في الدولة الشمال أفريقية الغنية بالبترول أن تتفادى أي خسائر لنفوذها مساء الإثنين، وضحت بالرئيس ذي ال٨٢ علم والصحة الهزيلة لتهدئة احتجاجات شعبية استمرت لأسابيع.

بوتفليقة، الذي لم يتحدث مباشرة للشعب الجزائري الذي يبلغ عدده ٤٢ مليون منذ إصابته بجلطة أقعدته كرسي متحرك منذ خمس سنوات، لن يترشح لفترة خامسة.

بالتزامن مع الإعلان، استقال رئيس الوزراء وتم تعيين وزير الداخلية نورالدين بدوي، وهو أحد أعمدة النظام، خلفاً له وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة تشرف على العملية الانتقالية.

تم تأجيل الانتخابات التي كان من المفترض عقدها في ١٨ أبريل/نيسان لأجل غير مسمى. حتى موعد الانتخابات الغير معلوم، من المتوقع أن يقوم الجيش بتحضير مرشح من اختياره.

قال مصدر مطلع تحدث لآسيا تايمز بشرط عدم ذكر إسمه: «ما حدث كان تحرك سياسي بحت. يعلم الجيش أن هناك تغيير سيحدث، ولكن تحت سيطرته، مثل مصر».

سوف يصوت الشعب قريباً على استفتاء دستوري من المتوقع أن يتبعه تشكيل حكومة تكنوقراطية. ولكن المراكز العصبية للجزائر: الجيش، عملاق البترول الحكومي سوناطراك والنخبة السياسية المتجذرة، لن يتم المساس بها.

الثلاثية المقدسة

بوجود المغرب على غربها وتونس وليبيا على شرقها، كانت الجزائر بمثابة عملاق يئن تحت الضغط من كل الاتجاهات أثناء الانتفاضات التي اجتاحت غالبية الوطن العربي في ٢٠١١. سلسلة من حوادث الانتحار احتجاجاً على سوء الخدمات لم تحرك مظاهرات شعبية واسعة مثل التي شهدتها مصر، واستطاعت هياكل القوة السيطرة على التحركات الشعبية.

بينما تحولت التيارات الثورية في ليبيا وسوريا لحروب أهلية، وتحولت مساحات منها لمراتع للمجموعات الجهادية، استمرت الجزائر في علاقاتها مع حكومة بشار الأسد في سوريا ورفضت طردها من الجامعة العربية منذ بداية قمع دموي في ٢٠١١.

تقوم النخب السياسية التي حكمت الجزائر خلف واجهة بوتفليقة العليل بالعمل على إيجاد حل لطلب الشارع والطبقات العاملة بوجود قائد قادر لقيادة الدولة.

النفط والغاز هم القوى القائدة لاقتصاد الجزائر، وهي العضو الأكبر في منظمة الأوبك من حيث المساحة. يشكل البترول ٨٥٪ من صادرات الجزائر.

فيما يخص الجيش، الجزائر هي خامس أكبر مستورد للأسلحة في العالم، بحسب المعهد السويدي لأبحاث الأسلحة SIPRI. تأتي الجزائر بعد مصر وأستراليا مباشرة وتسبق الصين والإمارات.

الجيش وهيئة النفط المملوكة للدولة هم مفاتيح التأثير السياسي في الجزائر.

يقول المصدر المطلع: «السلطات السياسية والجيش وسوناطراك مرتبطين ببعض من خلال وضع الميزانية والقوة».

عادة في الجزائر الطريق للسلطة يبدأ بالجيش. «إذا كان للشخص خلفية تقنية بسيطة، ينتقل لسوناطراك، ويصل لمنصب رفيع ثم يصبح سياسي».

من المتوقع أن يأتي الرئيس الجديد بموافقة هذه الأقطاب.

« باستثناء في حالة ظهور طرف جديد، لن تكون العملية الانتقالية عنيفة»، قال المصدر، مشيراً لاحتمالية صعود حركة إسلامية منظمة.

لا هجرة أوروبية

لم يفوت على القوة المستعمرة السابقة للجزائر إبداء رد فعل على المظاهرات العملاقة التي استمرت لأسابيع. قامت الحكومة الفرنسية وعدة حكومات أوروبية في السنوات الأخيرة بعقد اتفاقات مع حكومات شمال أفريقيا لمنع موجات جديدة من المهاجرين عبر البحر المتوسط. اضطراب الاستقرار في الجزائر، التي يبلغ حجمها سبعة أضعاف ليبيا، سيشكل خطر أمني كبير في الجزائر وفي الخارج.

حاولت السلطات الجزائرية في البداية السيطرة على الحراك عن طريق التخويف، فحذر بوتفليقة الأسبوع الماضي من نزول البلاد لحالة من الفوضى مثل التي تعانيها بلدان مجاورة.

حافظ المتظاهرون، الذين كانوا يعلمون المخاطر، على سلمية الحراك، وساهم في شرعية التحرك مشاركة قطاعات متنوعة من المجتمع، من الطلبة للمحامين ورجال الأعمال – الذين قاموا علناً بالنأي بأنفسهم عن النظام.

في النهاية، كان بوتفليقة بمثابة صمام الضغط الذي فجر إحباطات الشعب، تماماً مثلما فعل مبارك في مصر في ٢٠١١.

احتفل المتظاهرون ليلة الإثنين مع إذاعة خبر تراجع بوتفليقة عن الترشح. يبقى التحرك الشعبي بلا قائد، ولم تلتف أحزاب المعارضة حول مرشح بعد، ،هو ما يترك الطريق سانحاً أمام أقطاب القوة في الجزائر لاختيار الوريث الذي يناسبهم.