خلال أقّل من عقد، تحوّل العراق من بلد ناقل للمخدرات إلى مستهلك ومصنّع لها في بعض الأحيان، ويبدو أن رقعة هذه التجارة آخذة في التوسّع، إذ تشهد المحاكم العراقيّة نحو 30 قضيّة يومياً تتعلّق بالمخدرات.

ليس لدى العراق سجل طويل في تجارة المخدرات، كان تداول المخدرات في الأعوام التي سبقت الغزو الأمريكي في إبريل/نيسان 2003 محدود. كان نظام صدّام حسين يفرض عقوبات غليظة على تعاطي المخدرات والمتاجرة فيها تصل إلى الإعدام، لكن الحال تغيّر بعد سقوط النظام الديكتاتوري.

يظهر حجم التحدّي الذي تخوضه القوات الأمنيّة العراقية مع انتشار المخدرات في البيانات الأسبوعية التي تصدرها وزارة الداخلية تنقل فيها عمليات القبض على تجار ومهربي المخدرات والمتعاطين.

تردّي الوضع الاجتماعي واتساع رقعة البطالة والفقر بالإضافة لتفشي الفساد في مفاصل الدولة وضعف الأجهزة الأمنية وقلّة تدريبها، وعدم وجود مراكز لمعالجة الإدمان، أدت هذه العوامل المتشابكة لتحوّل العراق لمستهلك كبير للمخدرات، بحسب قضاة ونواب في البرلمان العراقي.

تاريخ المخدرات

يقول حاكم الزاملي، رئيس لجنة الأمن والدفاع في الدورة البرلمانية السابقة: “كان نظام صدّام حسين يستغل المخدرات كورقة ضغط سياسيّة على بعض دول الخليج”. بحسب الزاملي، كان يتم تهريب المخدرات القادمة من إيران عبر صحراء محافظة المثنى إلى السعودية آنذاك.

لكن الواقع تغيّر كثيراً، فبعد احتلال بغداد في2003 انهارت الدولة، وانهار النظام الأمني، وصارت الحدود العراقيّة مفتوحة من كل الاتجاهات لدخول شتّى أنواع المخدرات، ليتم نقلها إلى دول الخليج باستخدام عدة أساليب، بعضها استدعى سحرية المتابعين.

في أواسط عام 2017، ضبطت سلطات الجمارك الكويتية شبكة تهرب المخدرات إلى الكويت في أكياس مربوطة على ظهر حمام زاجل. وفي ديسمبر/كانون الأول 2018 ضبّطت السلطات الكويتية طائرة “درون” مسيّرة قادمة من العراق محمّلة بحبوب مخدرة.

ويحتل “الكريستال”، وهو مادة مخدرة تؤدي لتلف في الأعضاء، المرتبة الأولى في قائمة المخدرات الداخلة إلى العراق،. وتتضمن تجارة المخدرات الداخلة إلى العراق كذلك “الحشيش” و”الأفيون”، فضلاً عن حبوب “الكبتاغون” وما شابهها.

مافيات عالمية

يرى حاكم الزاملي، من خلال متابعته لقضية المخدرات طوال الدورة البرلمانية السابقة أخطاء كبيرة في عملية تتبعها وملاحقتها من قبل السلطات الأمنية، فضلاً عن ضعف رقابي، وتهاون مع كبار تجّار المخدرات.

أكد الزاملي، وهو أيضاً قيادي في التيار الصدري بقيادة الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، أن “ظاهرة تجارة المخدرات تتفشى في العراق لدرجة أن بعض التجار الكبار تجمعهم علاقات مع مافيات التجارة العالمية في جنوب أمريكا وأوروبا الشرقيّة”، لافتاً إلى أن “العراق يكاد أن يتحوّل إلى مركز لتجارة المخدرات ليست بمنطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما بالعالم”.
لا يبدو حديث الزاملي مبالغاً فيه، فهو يتحدّث عن كميّات كبيرة من المخدرات التي يتم ضبطها في المنافذ الحدودية العراقيّة. وروى عمليّة أمنية جرت مؤخراً تم خلالها ضبط نصف طن من المخدرات في الموانئ العراقيّة مخبأة في حمولة موز قادمة من الإكوادور.

قال الزاملي: “التاجر المسؤول عن هذه الشحنة تم إخراجه بكفالة وتمّ تغيير الإفادات وحصل على البراءة من القضيّة”.

بلدان المصدر

شبكة نقل المخدّرات من وإلى العراق معقّدة، وتدخل فيها عدد كبير من الدول. لسوريا، التي تعاني أزمة أمنية كبيرة، حصّة فيها، فهي ترسل المخدرات المنتجة على أراضيها وتلك المنتجة في جنوب لبنان إلى العراق.

وتحتل إيران الحصّة الأكبر من تجارة المخدرات في العراق، فهي أيضاً لا تكتفي بإرسال المخدرات المنتجة على أراضيها إلى العراق، وإنما يقوم التجار الإيرانيون بدور الوسيط لنقل المخدرات الأفغانية إلى محافظات الجنوب العراقية، وعلى الوجه التحديد محافظة البصرة.

“تتجمّع مخدّرات أغلب هذه الدول في العراق، ومن ثمّ يتم تهريبها إلى دول الخليج، وتركيا، لتجد طريقها في الأسواق الإقليمية والعالمية أيضاً”، بحسب الزاملي.

بطبيعة الحال، لا بد وأن تقف وراء هذه التجارة المتضخّمة شبكة كبيرة من رؤوس الأموال الذين يمتلكون علاقات واسعة بالمجتمعات المحليّة والسياسيين والفصائل المسلّحة في العراق.

مطلع عام 2018، ألقت القوّات الأمنية العراقيّة على ثلاث مهرّبين للمخدرات في بغداد، واتضح أن بينهم نجل محافظ النجف لؤي الياسري. لقد كشفت العمليّة الخيط المفقود بين اتساع هذه التجارة والسياسة في العراق، إلا أن أحدّاً لم يجرؤ على تتبع هذا الخيط، وظل الأمر طي الكتمان.

أكد الزاملي وجود أحزاب سياسيّة تحمي تجّار المخدرات، مشدداً بالقول “بالطبع هناك مسؤولين لهم ارتباط بتجارة المخدرات يجري التكتم عليهم”.

تصنيع داخل العراق

لا يتوقّف تفشّي تجارة المخدرات على تهريبها إلى العراق، إذ تضبط القوّات الأمنية العراقيّة بين الفينة والأخرى معامل صغيرة لتصنيع مادة “الكريستال” في محافظات الوسط والجنوب، إلا أنه لا وجود لإحصائية محدد عن عدد هذه المصانع أو حجم انتاجها من المخدرات.

قال مصدر أمني في وزارة الداخلية العراقيّة “غالباً يتم إنشاء هذه المصانع في المنازل، وغالبيّتها تتركّز في محافظة البصرة أو بغداد”.

أكد حاكم الزاملي أن الأمر لا يتوقّف على صناعة مادة “الكريستال” بشكل سيء وقاتل للمتعاطين، لافتاً إلى إلقاء القبض على مزارعين في محافظات ميسان والديوانية والسليمانية يقومون بزراعة الأفيون والحشيش، ويبيعونه في الأسواق المحليّة.

قوانين مخفّفة

أكد القضاة المختصين بقضايا المخدّرات أن شبكة توزيع المخدرات في العراق متشعبّة، إذ أنها تتم عبر أكثر من أربعة وسطاء لتصل أخيراً إلى المتعاطين المحليين في العراق، بحسب تقرير للسلطة القضائية في العراق. بالمقابل، لا تمتلك القوّات الأمنية قاعدة بيانات لهذه الشبكات.

قال المصدر الأمني في وزارة الداخلية “لدينا قاعدة بيانات تخصّ التجار الصغار والناقلين، لكن ليس لدينا مراقبة للتجار الكبار”.

ومع اتساع رقعة تجارة وتعاطي المخدّرات، أصدر البرلمان العراقي قانوناً عام 2017 يخفّض عقوبة المتعاطين للمخدرات من “جناية” إلى “جنحة”، بينما تم الحفاظ على بعض البنود المشدّدة التي تعاقب المتاجرين بالمخدرات، وقد حظي هذا القانون بنقد القضاة المختصين بالمخدرات كونه لا يشكّل ردعاً للمتعاطين.
يشّخص المختصون في العراق في متابعة قضايا المخدرات ليس فقط ضعفاً في السيطرة على تجارتها، وإنما أيضاً في معالجة المدمنين. على سبيل المثال، سجّلت محافظات الجنوب أكثر من حالة انتحار بسبب تعاطي المخدرات، إلا أن هذه المحافظات لا تمتلك مراكز مختصّة لمعالجة الإدمان.

إن كميات المخدّرات والقضايا الجنائية التي تتعلّق بها، تشي بأن هناك أموالاً كبيرة تجد طريقها إلى مسالك غسيل الأموال، أو الإرهاب.

قال الزاملي “بالطبع إنها أموال طائلة، لذلك يتم حماية هذه تجارة من قبل بعض الأحزاب السياسيّة”.
لكن العراق، الذي يحتل المركز السادس عربيّاً في حجم تفشي الفساد المالي والإداري، لم يسجّل ولا حتّى قضيّة واحدة تخصّ تمويل شحنات المخدرات عبر المصارف أو مكاتب الحوالات، بحسب ما أكد القاضي أياد محسن ضمد، في مؤتمر نهاية عام 2017.

شكّلت الحكومة السابقة لجنة لمتابعة أسباب تفشي المخدرات بغية التوصل إلى طريقة لانحسار هذه التجارة المزدهرة في العراق، وقد وجدت اللجنة أن تجّار المخدرات يستهدفون المناطق التي يعاني سكّانها من الفقر والبطالة وعدم الاستقرار الأمني والاجتماعي.

أكدت اللجنة أيضاً أن الحكومات العراقيّة المتعاقبة التي لم تعالج الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انتشار المخدرات بين الفئات العمريّة التي تتراوح بين 16- 35 عاماً وهي بشكل أساس الفقر والبطالة، شاركت من جانب آخر في تفشي المخدرات بسبب منعها لبيع وتداول المشروبات الكحوليّة في محافظات الوسط والجنوب، وهو الأمر الذي دفع الشباب إلى البحث عن المخدرات لتوفرها بكثرة مقارنة بالمشروبات الكحولية.

لا تجد أحزاب الإسلام السياسي رابطاً بين الأمرين.

قال النائب صباح العكيلي أن “المخدرات مؤامرة خارجية على العراق”، لافتاً إلى أن “انخفاض الواعز الديني لدى الشباب يدفعهم إلى تعاطيها”.