أعلنت القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة هذا الأسبوع انتصارها على تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن بدلاً من الاحتفال، استقبل ضحايا الجماعة المتطرفة هذا الخبر بالقلق من استعداد المجتمع الدولي لترك عدد كبير من المتشددين في وسطهم.

هرب عشرات الآلاف من أعضاء التنظيم من آخر مواقعه في شمال شرق سوريا في الأسابيع الأخيرة. جاءوا من أوزباكستان و طاجيكستان وبلجيكا وفرنسا وتركيا والبوسنة والسعودية.

تم جمع السيدات والأطفال في مخيمات، أحياناً في نفس المكان مع أفراد من الأقليات أسرها التنظيم. قامت قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد باحتجاز الرجال في حقل «العمر» النفطي المجاور.

في تسجيل ل«فرانس ٢٤»، يظهرعلى السيدات الأجنبيات الضيق والاضطراب بينما تطلبن إعادتهن لبلدانهن الأصلية. تحت غطاء العبايات السوداء، لا تظهر السيدات الكثير من الأسف أو الندم بسبب الدمار الذي طال المنطقة وسكانها بسبب المشروع الذي انضممن إليه.

السيدات والأطفال الذين تم إخلاؤهم من آخر مواقع الدولة الإسلامية في «باغوث» تصلن لمنطقة تفتيش تديرها قوات سوريا الديمقراطية في المقاطعة السورية الشرقية دير الزور. صورة: AFP/Delil Souleiman

تخلت عدة بلدان عن مسئوليتها عن أفعال أفرادها، وفضلت أن تسقط عنهم الجنسية وتتركهم بلا جنسية ثانية تحت تصرف كل من السلطات المحلية التي لا تملك القدرة الكاملة على السيطرة على المنطقة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تغمرها احتياجات تفوق طاقتها.

دعت حكومة ترامب، التي أسقطت الجنسية عن أمريكي واحد على الأقل، الحكومات الأخرى لإعادة توطين مواطنيهم، وهددت بإطلاق سراح الجهاديين إذا لم يحدث ذلك.

في تلك الأثناء، حذرت قوات سوريا الديمقراطية من محدودية قدرتهم على التعامل مع العدد المهول من السجناء.

قال المتحدث باسم القوات كينو جبريل لقناة «كردستان ٢٤» أثناء مقابلة في ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨: «ليس لدينا الشرعية لإدانتهم ولا الدعم اللوجستي لاحتجازهم لفترة طويلة».

نجح بعض السجناء بالفعل في الهروب عن طريق دفع رشاوي كبيرة. بحسب موظف تابع للأمم المتحدة في المخيمات شمال شرق سوريا تحدث لآسيا تايمز.

فرصة ضائعة

يرى أحمد خديدة برجس من منظمة «يزدا»، التي تدافع عن حقوق الضحايا اليزيديين للدولة الإسلامية، أن غياب خطة للتعامل مع الوضع بمثابة مهزلة: «عندما نتحدث للناجين الذين واجهوا هذه الجرائم الشنيعة يسألوننا: أين المحكمة الجنائية الدولية؟ متى ستتحرك؟»

ويضيف: « ينتظر الناجون – مثل نادية مراد التي فقدت عشرات من أفراد أسرتها وتم اغتصابها من قبل العشرات وبتعرضت لتعذيب جسدي ونفسي- منذ سنوات ليشهدوا محاكمة واحدة لأعضاء الدولة الإسلامية».

في صيف ٢٠١٤، سيطر مقاتلو الدولة الإسلامية على المناطق اليزيدية في شمال غرب العراق، وذبحوا آلاف الرجال وأسروا النساء والأطفال.

تم إجبار النساء على الاستعباد الجنسي، بينما فرض على الأولاد الصغار الانضمام لمعسكرات تدريب عسكري وتلقينهم العقيدة المتطرفة للتنظيم.

استهدف الجهاديون السنيون أيضاً الأقليات الشيعية التركمانية والشبك والمسيحيين السريانيين، فيما قالت منظمة العفو الدولية أنه يرقى لحملة تطهيرعرقي منظم.

يخشى المدافعون عن اليزيديين الآن أن تفوت فرصة محاكمة الأعضاء الأكثر تشدداً في التنظيم – وهم الآن في موقع واحد.

يقول برجس: «نحن نطالب منذ مدة المجتمع الدولي بإقامة محكمة ميدانية في منطقة الهول وجلب بعض الخبراء. يوجد الآلاف من الناجين على استعداد للإدلاء بشهادتهم والمئات من المقابر الجماعية ومعلومات وفيرة عن الدولة الإسلامية».

السعي للاعتراف بالإبادة الجماعية

الوجوه المعروفة لمنظمة «يزدا» – نادية مراد والمحامية الحقوقية المرموقة أمل كلوني – قاموا منذ سنوات بالضغط من أجل خلق آلية دولية استعداداً لهذا اليوم.

في ٢٠١٧، صوت مجلس الأمن لصالح خلق UNITAD (يونيتاد)، وحدة استقصائية تعمل على تجميع الدلائل على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة التي اقترفها التنظيم في العراق، حيث من المفترض إقامة المحاكمات.

المحامي البريطاني كريم أسعد أحمد خان، مدير فريق يونيتاد، المخول بالتحقيق في مجزرة الأقلية اليزيدية وجرائم أخرى ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، يتحدث أثناء انتشال الجثث من أحد المقابر الجماعية في ١٥ مارس/آذار ٢٠١٩. صورة: AFP/Zaid al-Obeidi

تم بموجب قرار آخر من الأمم المتحدة خلق آلية دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق ودعم محاكمة المسئولين عن جرائم الحرب في سوريا منذ اندلاع العنف في ٢٠١١. هذه الآلية مهمة بشكل خاص لتمكين الحكومات من مشاركة المعلومات في حالة المحاكمة.

بينما تمثل هذه الآليات حجر الأساس للمحاكمة الناجحة، من غير الواضح عدد الحكومات المستعدة لاستثمار الوقت والموارد اللازمة للإدانة في تهم جرائم الحرب أو إثبات الإبادة الجماعية.

برجس قلق من إقامة المحاكم في النظام الجنائي العراقي. يقول: «هم يحاكمون بعض الناس، ولكن الشيء الحزين هو أنهم يقتلون الغالبية العظمى ويعاقبوهم بحسب “مادة ٤ إرهاب” وليس بموجب قوانين الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وهذا مهم بالنسبة لنا».

يقول سيمون مينكس، وهو مدعي عام هولندي ذو تاريخ في محاكمات جرائم الحرب الدولية المعروفة، أن هذا الهدف لا يسهل تحقيقه، ويحتاج وقت طويل.

«توجد قيود قانونية فيما يخص تهم جرائم الحرب، كما توجد صعوبة في إيجاد الدليل مع الأخذ في الاعتبار حق الدفاع. سيكون من السهل غالباً أن تجد شاهد في مخيمات اللاجئين. ولكن إذا قدمت هذا الشاهد فللدفاع الحق في تحدي ذلك، وتوجيه الأسئلة، وحينها سيكون من الصعب جداً أن تجد هذا الشاهد مجدداً، هذا بجانب اعتبارات الأمان وسلامة الشاهد. قد يستغرق ذلك سنوات».

رجل عراقي يستكشف جثث يزيديين قتلوا على يد الدولة الإسلامية بعد اكتشاف القوات الكردية مقبرة جماعية في قرية «سنوني»، شمال غرب «سنجار». صورة: AFP/Safin Hamed

من أجل إثبات جريمة حرب، يجب على الإدعاء تقديم دليل أن الجريمة كانت متعلقة بالحرب – وهي مهمة أصعب كثيراً من محاكمة شخص بتهمة الإنضمام لجماعة إرهابية.

الحكومات أيضاً متوجسة من الوقت والموارد المطلوبة.

يقول مينكس: «لا زال هناك نقاش حول ما إذا كان اللجوء لمحكمة جرائم حرب أو للمحكمة الجنائية الدولية ممكن .. إلا أني متخوف أن عند الوصول لحل سياسي، وهو شيء مهم جداً أيضاً، لن تكون العدالة أهم شيء في تفكيرهم، قد تكون الأولوية الثانية، أو حتى أقل».

الأيديولوجية باقية

تقول منظمة «يزدا» أن رغم صدور مذكرات توقيف بحق أعضاء في تنظيم الدولة الإسلامية في أوروبا، لم يضطر الجناة لمواجهة ضحاياهم حتى الآن.

حسب معرفة برجس: «حتى الآن ليس هناك محاكمة واحدة حيث يستطيع الضحايا الذهاب لتقديم شهادتهم».

قال مصدر قانوني دولي طلب عدم الكشف عن هويته لآسيا تايمز أنه « مندهش ومحبط» أن، حتى اليوم، ليست هناك إدانة بجرائم حرب في قضية متعلقة بسوريا والعراق.

بالنسبة لمسئولي قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، قد يكون المشتبه بانتمائهم للدولة الإسلامية من الأجانب بمثابة ورقة ضغط سياسية، إلا أنهم أيضاً عبء ضخم.

«أعتقد أنهم سيفصلون الأجانب ويأخذوهم لمخيم روج في مقاطعة هاساكه. وبعد ذلك ستقوم إدارة قوات سوريا الديمقراطية بمحاولة التواصل مع الحكومات لتسلم مواطنيها من المعسكر. هذا هو ما حدث مع بعض الشيشان والأوزباكستان في ٢٠١٨». قامت المغرب هذا الشهر بإعادة توطين ثمانية من مواطنيها المشتبه بمشاركتهم في القتال.

فيما يخص المقاتلين المحليين، تفاوضت قوات سوريا الديمقراطية من قبل مع قبائل عربية للإفراج عن أفرادها، ووضعهم تحت تصرف القيادة القبلية. عدد من تم تسليمهم غير معروف، ولكن برجس يعتقد أنهم بالآلاف.

يحذر يازدا أن، في ظل غياب إجراءات عاجلة، سواء كانت محاكم مخصوصة أو محاكمات خاصة مثل محاكمات نورمبرج التي أقيمت للنازيين، قد يفلت مرتكبو جرائم الحرب من العقاب.

يقول برجس: «لماذا يعطَى مجرمون مثل شميمة (بيجوم) منصة للحديث؟ لماذا لا يتم وضعها في السجن مباشرة ثم محاكمتها؟ يجب أن تكون هناك محاكمات علنية لهؤلاء الأشخاص حول العالم حتى تصل الرسالة للجميع».

يقول المدافع عن العدالة أن النظرة الغربية للانتصار في غير محلها ومثيرة للقلق.

«أسمعهم في أوروبا يقولون انتهى الأمر، لقد هزمت الدولة الإسلامية. ولكن، أين مئات الآلاف من الأشخاص الذين آمنوا برسالة الدولة الإسلامية؟ مازالوا على الأرض، وأيديولوجيتهم لم تتغير».