في وقت مبكر من المساء في إحدى الأحياء على أطراف الخرطوم، في مكان ليس بعيد عن نهر النيل، المباني منخفضة والشوارع مغطاة بالرمال، لا يكسر الصمت سوى صوت زجاجة رش أثناء رجها.

تقف أصيل دياب أمام مبنى مكون من طابقين، وباستخدام زجاجتها ترسم سريعاً حدود وجه، بشعر قصير وعيون طيبة خلف نظارة. إنه وجه صالح عبد الوهاب صالح، الذي كان يقطن المبنى. كان صالح من بين أكثر من 50 شخص قتلوا في مظاهرات السودان المعادية للحكومة.

تقول دياب، وهي فنانة جرافيتي سودانية تعيش في قطر: « أنا أفعل ذلك ليتذكر الناس. ليس هذا عمل فني معلق بمنزل ما،بل يمكن لكل من يمر في الشارع أن يراه،وبالتالي سيتحدثون عنه ويتذكرون».

 

شقيقة صالح عبد الوهاب صالح تحتضن فنانة الجرافيتي السودانية أصيل دياب. صالح هو أحد 50 متظاهر قتلوا في مظاهرات السودان. صورة:  Jenny Gustafsson

 

سافرت دياب للخرطوم منذ شهر، ومنذ ذلك الوقت وهي تتنقل بين منازل قتلى المظاهرات، تقابل عائلاتهم وترسم وجوههم على الحوائط.

تقول دياب: «عندما رأيت ما يحدث هنا، عرفت فوراً أني يجب أن أنخرط بشكل ما، لذلك قمت بأكثر ما أتقنه، الجرافيتي».

تأخذ دياب خطوة للوراء لتتفحص الرسمة من مسافة، ثم تعود وتستكمل الرسم. بدأت دياب الرسمة في ضوء النهار، وما زالت تستكملها بعد ساعتين وقد أصبح الظلام دامس. لا يضيء الحائط سوى كشاف كبير وضعته على الأرض.

تجمع خلفها جمهور صغير. أخرج أفراد العائلة كراسي وجلسوا في صمت بينما ترسم. والد صالح موجود، يرتدي جلباب سوداني أبيض، وكذلك شقيقته الكبرى التي قامت بتربية كل إخوتها بعد وفاة والدتهم منذ وقت طويل. إخوته الإثنين الأصغر يتكئون على سيارة مركونة.

يقول علاء صالح، شقيقه: «كنا معه حين قتل، ذهبنا للمظاهرات معاً، كانت المرة الثالثة التي نذهب فيها كلنا، أطلقوا عليه النار هنا الشارع».

 

أدوات المهنة الخطرة. صورة:Jenny Gustafsson

 

السودان ينتفض

بدأت الإنتفاضة من مدينة عطبرة الشمالية في منتصف ديسمبر/كانون الأول وانتشرت بسرعة في أنحاء السودان. كانت شرارة البداية هي قطع الدعم عن الخبز وهو ما رفع سعره ثلاثة أضعاف، إلا أن التحرك الشعبي كان له دوافع أكثر عمقاً. تتصاعد في السودان أزمة اقتصادية منذ سنوات، تسببت فيها جزئياً العقوبات الأمريكية التي تم تطبيقها منذ 1990، وانفصال جنوب السودان في 2011 وهو ما كلف البلد ثلاثة أرباع مخزونها من احتياطي البترول.

الرئيس عمر البشير، الذي اتبع استراتيجية زرع الانقسام للحفاظ على السلطة منذ وصوله للحكم عن طريق انقلاب عسكري في ١٩٨٩، أطلق فوراً جهازه الأمني العملاق في مواجهة المتظاهرين. قامت القوات – التي تضمنت الفرق الخاصة سيئة السمعة التي يطلق عليها المحليون «الثاتشر» في إشارة لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة المعروفة بصلابتها – بضرب واعتقال وإطلاق النار على الناس في الشوارع.

قتل على الأقل ٥٠ شخص في أنحاء السودان، منهم معلم تعرض للتعذيب حتى الموت، وطفل دهسته مدرعة جيش.

تحتفظ دياب على تلفونها المحمول بأسماء كل الأشخاص الذين قتلوا، وصورة لوجه كل منهم.يساعدها في مهمتها فريق صغير،انضم لها بعد وصولها السودان.

تحتفظ دياب على تلفونها المحمول بأسماء كل الأشخاص الذين قتلوا، وصورة لوجه كل منهم. صورة: Jenny Gustafsson

تقول دياب: «لم نكن نعرف بعضنا، تقابلنا فقط الأسبوع الماضي. لقد اجتمعنا فقط من أجل هذا الشيء، من أجل أن نقوم بثورة فنية».

قبل البدء في كل بورتريه، يتعاون الفريق للحصول على عنوان الأسرة والتواصل معهم لسؤالهم ما إذا كانوا يريدون رسم إبنهم أو بنتهم. الأغلبية توافق، بحسب دياب.

تقول دياب: «هناك أب واحد رفض. إبنه كان يبلغ من العمر ١٤ عام ومجرد ذكر إسمه يتسبب في بكاء العائلة كلها».

“قتل هنا”

في شارع متفرع من الشارع الرئيسي الممتد عبر أحد أحياء الخرطوم الشمالية، تعيش أسرة أخرى، في منزل خلف سور حديدي أحمر. يوجد ثقب صغير في الحديد، تقريباً على ارتفاع وسط الإنسان. اخترقت الحديد الطلقة التي قتلت معاوية بشير خليل وهو أب لست أبناء منذ شهر.

تقول رضوى يوسف، قريبة خليل والتي تعيش في المنزل المجاور: «لم يشارك حتى في المظاهرات، كان فقط عائداً من الصلاة عندما قتل».

تكمل: «كانت المظاهرات كبيرة في هذا اليوم وكانوا يلقون قنابل الغاز داخل منازلنا. كانت الناس تجري هرباً، وتختبيء في أي مكان تجده. أطلق عليه النار هنا بالتحديد، بينما كان يخطي عتبة الباب».

تم رسم بورتريه خليل على المبنى المواجه للبوابة، بعينين لامعتين، وابتسامة هادئة. وقف يوسف يشاهد على عتبة الباب ومعه زوجة خليل وأولاده، بينما تقوم دياب برسم وجهه.

تقول: «كان رجل طيب، يعرفه الجميع في المنطقة، كان يذهب للصيد في النيل ويعود بسمك للجميع».

قامت دياب برسم ١٢ بورتريه حتى الآن. من بين من رسمتهم عوضية عجبة، التي أطلقت قوات الأمن عليها النار عليها خارج منزلها في ٢٠١٢، وبابيكر عبد الحميد، طبيب شاب قتل بعد معالجة جروح متظاهرين في نفس يوم مقتل خليل.

«تقول دياب: كان هدفي في البداية أن أرسم ثلاثة أو أربعة إذا استطعت ولكن العدد يتضاعف».

https://www.asiatimes.com/2019/03/article/street-artist-captures-sudans-slain-protesters/