في كل مرة يتم اتهام كمبودي غني أو ذي نفوذ بجريمة، تعود نفس الأسئلة للسطح: هل سيتم القبض عليهم ومحاكمتهم؟ وكيف ستستفيد الحكومة من ذلك؟

ترددت هذه الأسئلة مجدداً في الأسابيع الأخيرة بعد اتهام ين خون مي، المعروفة بين مانا، بدهس طالبة بسيارتها في 26 مارس/آذار أثناء قيادتها في منطقة «تول كورك» في العاصمة بنوم بن.

بحسب التقارير، قامت ين مانا، وهي من عائلة واسعة النفوذ، بالهروب من موقع الحادث وتركت سيارة والدها رباعية الدفع بعد دهس دوم ريدا، الطالبة التي كانت تدرس في الجامعة عن طريق منحة.

يقول المحللون أن الحادث يرمز، ليس فقط لاعدام الثقة في قوات إنفاذ القانون الكمبودية، ولكن في النظام القضائي الذي يضع قواعد مختلفة للأغنياء والمواطنين العاديين.

حاز الحادث على اهتمام العامة بعد نشر مقطع مصور للحادث على مواقع التواصل الاجتماعي. تظهر اللقطات المرعبة عبور ين مانا تقاطع على سرعة عالية ثم ارتطامها بدوم ريدا التي كانت تقود دراجتها البخارية على سرعة بسيطة.

يعتبر الكثيرون رئيس الوزراء هون سين أملهم الوحيد في الحصول على العدالة بعد فقدانهم الثقة في الشرطة والمحاكم. صورة:
Reuters/Samrang Pring

غضب شعبي

مستوى الغضب الشعبي دفع رئيس الوزراء هون سين للقيام بتصريح، حيث قال أنه شاهد المقطع ووصف سائق السيارة بأنه «يفتقر للمباديء» وطالبه بتسليم نفسه فوراً للسلطات.

في 29 مارس/آذار بعد تصريح رئيس الوزراء، وبعد الحادث بثلاثة أيام، قام والد ين مانا بتسليمها لقسم شرطة حيث تم اتهامها با«لقيادة برعونة والإهمال والقتل» بحسب قانون المرور. في حالة إدانتها تواجه ين عقوبة السجن ثلاث سنوات وغرامة تصل ل3700 دولار.

تقول المحللة السياسية «سريسرورس لي» أن ثقة الناس في العدالة الاجتماعية تتضاءل و انعدام الثقة في الشرطة أصبح «مزروعاً في الكمبوديين بشكل يدفعهم للاعتقاد أن تحقيق العدالة للفقراء والمواطنين العاديين أمر نادر».

لذلك لم يكن غريبا أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة التي اختارها الكمبوديين للمطالبة بالعدالة لضحية الحادث.

لا تتوفر استطلاعات رأي كثيرة عن هذاا الأمر ولكن وجد استبيان قامت به جامعة كمبوديا على نطاق ضيق أن غالبية المواطنين ليس لديهم ثقة كبيرة في تحقيقات الشرطة. بينما قال 56% من المشاركين أن الشرطة لا تتخذ الإجراءات اللازمة بعد عمل المحضر.

أحياناً لا تتمكن الطبقة الفقيرة من اللجوء للشرطة من الأصل لأن العديد من أفراد الشرطة يطلبون مبلغ مالي قبل بدء التحقيق.

واجه قسم شرطة «كومبونج سبو» العام الماضي اتهامات بالإفراج عن متهمين إثنين بعد تلقي رشوة 200 دولار.

يزيد تشكك الشعب في إمكانية تحقيق العدالة عندما يكون المتهم غني أو تربطه بعلاقات بالنخبة سياسية. في هذه الحالة، غالباً لا ييفسر التحقيق عن شيء.

في 2014، توفي أيرلندي بعد دهسه بسيارة ي وسط بنوم بن، إلا أن الجاني لم يتم القبض عليه. تردد أن إبنة نائب رئيس شرطة السياحة كانت هي الجانية.

حتى أفراد العائلة المالكة لا يسلمون من أخطار الشوارع الكمبودية. قتلت زوجة الأمير الكمبودي نورودوم راناديرد في حادث مروري في مقاطعة «بريا سيهانوك» في 17 يونيو/حزيران 2018 وأصيب الأمير إصابات خطيرة. صورة:AFP

طرق غير آمنة

تتردد بغزارة على مواقع التواصل الاجتماعي والجرائد الناطقة بلغة الخمر، قصص حوادث الطرق في كمبوديا حيث قتل على الأقل 1900 شخص في حوادث سيارات في 2017 – بمعدل خمسة أشخاص في اليوم. تعتبر حوادث الطرق إحدى أسباب الوفاة الرائدة في كمبوديا كل عام.

قال إير شاريا، مؤسس «منظمة سلامة الطرق» غير الربحية، في جريدة «بنوم بن بوست» في 2016 أن واحدة من كل أربعة حوادث سيارات في كمبوديا هي حادثة دهس يهرب مرتكبها من موقع الحادث، وتسببت نصف هذه الحوادث في وفاة.

كتب شاريا:«بسبب عدم توقف مرتكبي هذه الحوادث لمساعدة الشخص المصاب أو طلب الإسعاف فوراً ترتفع نسبة الإصابات الخطيرة و الوفيات».

أحد أسباب هروب السائقين من موقع الحادث هو خوفهم من التعرض للضرب من المتواجدين، بسبب الشعور العام أنهم إذا لم يعاقبوا الجاني لن يعاقبه النظام.

قامت مجموعة بضرب أستاذ جامعي ضرب مبرح في مارس/آذار 2018 بعد ارتطامه بدراجة بخارية في «بنوم بن» وهروبه. قام المتواجدون بملاحقة السيارة وأخرجوه منها وضربوه.

يقول «نوان سيريبوس»، مدون سياسي ومساهم منتظم في مجموعة «بوليتيكوفي» الشابة: «إذا لم يهربوا سيقوم المتواجدون بضربهم في العلن، الشعب لا يؤمن بالنظام القضائي ولذلك يسعى للعدالة عن طريق معاقبة الجناة بنفسه».

يتفق سيريبوس على أن غياب العدالة الإجتماعية والإفلات من العقاب مازالت مشاكل كبيرة في كمبوديا، ولكنه يقول أن «حادثة ين مانا الأخيرة أوضحت أنه عندما يقع المواطن العادي ضحية الطبقة الغنية ذات النفوذ، يلجأ الناس للهون سين ويطلبوا تدخله».

ويضيف: «هو الأمل الأخير لهذا البلد عندما يواجه الفقراء المشاكل ولا يجدوا العدالة من السلطات المحلية».

قالت لجنة الحقوقيين الدولية في تقرير في 2017 أن «سيادة القانون شبه غائبة من نظام العدالة الكمبودي». وأضاف التقرير أن المشكلة الأكبر التي يواجهها النظام هي «غياب القضاة ووكلاء النيابة المحايدين والمستقلين».

يعني هذا أن الحزب الحاكم الذي يستطيع الاعتماد على المحاكم لدعم مصلحته. على سبيل المثال، حكم رئيس المحكمة الدستورية «ديث مونتي»، وهو عضو في اللجنة الدائمة المرموقة للحزب الحاكم، بحل «حزب الإنقاذ الوطني» المعارض وهو ما أفسح المجال للحزب الحاكم لدخول الانتخابات العامة العام الماضي بلا منافس. فاز «حزب الشعب الكمبودي» الحاكم بجميع مقاعد البرلمان وعددها 125 وهو ما جعل كمبوديا فعلياً بلد الحزب الواحد. بسبب سيطرة الحزب الحاكم على النظام القضائي، يقول المحللون أن ترقيات القضاة ووكلاء النيابة والمحققين كثيراً ما تعتمد على مدى ولائهم وليس كفاءتهم. كما يعني هذا أيضاً أن يتمكن الحزب من ترتيب أولوية القضايا طبقاً لأهوائه.

الإشاعات تنتشر بسرعة

الاهتمام الشعبي بقضية ين مانا لم ينتهي بتدخل هون سين. بعد تسليم ين لنفسها في قسم الشرطة وتوجيه الاتهامات لها، بدأت الإشاعات في الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، إشاعات بأنها في الحقيقة لم يقبض عليها أو أنها تم الإفراج عنها بشكل سريع، وعادت الشكوى من أن الأغنياء دائماً ما يهربون من العقاب.

كشفت الإشاعات، وأغلبها غير حقيقي، عن الغضب وانعدام الثقة تجاه النظام القضائي عند الكثير من الكمبوديين. قام «بيتش روس»
، رئيس حزب الشباب الكمبودي، وهو حليف قريب من الحزب الحاكم، بزيارة السجن الذي تم الاعلان عن احتجاز ين فيه ليؤكد عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن وجودها هناك بالفعل.

صورة لمستشفى الصداقة السوفيتية-الخمرية في بنوم بن حيث يتواجد الكثير من المساجين البارزين. صورة: AFP

ولكن الهجوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي استمر. ادعى البعض أن المسئولين يساعدوها على الهروب خارج البلاد وغضب آخرون بسبب نقلها لمستشفى الصداقة السوفيتية-الخمرية للعلاج.

قال المتحدث بإسم قطاع السجون بوزارة الداخلية للإعلام المحلي أنها كانت تعاني من الالتهاب الرئوي وبرر نقلها للمستشفى، قائلاً: «لا يتعلق الأمر بكونها من عائلة غنية. إنها مريضة جداً ولا يمكن أن نترك شخص يموت في وجود علاج لمرضه».

بالرغم من الضجة التي أثارتها القضية إلا أن الضغط عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحده لن يصلح النظام القضائي الفاسد ولن تحصل كل القضايا على اهتمام وضغط الرأي العام.

الشكوك تستمر

والمشكلة الأعمق هي أن في حالة تحرك النظام القضائي فقط عند وجود ضغط شعبي، يتطلب ذلك استمرار الضغط حتى نهاية العملية القضائية منذ القبض حتى الإدانة. إلا أن المرجح أن يخفت الاهتمام العام بالقضية في الأسابيع المقبلة وعندما يحين وقت مثول ين أمام القضاء لن يتبقى الكثير من الرقابو الشعبية على النتيجة.

يعتقد البعض أن ين لن تمثل للمحاكمة من الأساس خاصة بعدما دفعت عائلتها تعويض 70 ألف دولار لعائلة الضحية، التي كانت طلبت 200 ألف دولار.

في قضية مشابهة في 2015، استطاع عملاق العقارات «سوك بون» تفادي عقوبة الحبس مؤقتاً بعد دفع مبلغ تعويض. انتشر مقطع مصور لرجل الأعمال أثناء تهجمه على المذيعة «إك سوشيات»، المعروفة ب«مس ساسا» في إحدى الملاهي في بنوم بن.

انتشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي وتسبب في موجة من الغضب. اختبأ «سوك بون» في سنغافورة وعرض على الضحية مبلغ مالي مقابل إسقاط الاتهامات. في البداية رفضت «مس ساسا» وانتقدت محاولاته لشراء حريته. إلا أنها في النهاية أسقطت الاتهامات بعد حصولها على 100 ألف دولار في تسوية.

إلا أن الضغط الشعبي على الحكومة ومطالبات رئيس الوزراء هون سين بتحقيق العدالة أجبرت «سوك بون» على العودة لكمبوديا بعد شهور من الواقعة. ولكن حين جاء وقت محاكمة «سوك بون» كان الاهتمام الشعبي تلاشى، وبالرغم من الحكم عليه بثلاث سنوات، لم يقضي رجل الأعمال سوى عشرة أشهر في السجن.

قالت ممثلة عن منظمة حقوقية نسوية في هذا الوقت أن حكم المحكمة بمثابة «دعوة للعنف ضد المرأة في كمبوديا». يعتقد الكثيرون أن «سوك بون» قضى معظم عقوبته في غرفة خاصة داخل مستشفى يتلقى العلاج من شكوى في الكبد واكتئاب. لا يسمح القانون بنقل المساجين للمستشفى إلا في حالة إصابتهم بمرض يهدد الحياة.

أما في قضية ين مانا، كان هون سين محق حين قال «هذه المأساة لا تمس العائلتين فقط، فقد أثرت على كل المواطنين… أتمنى أن تبقى هذه التجربة في الذاكرة وأن نتعلم منها».