لن تُرى الحيوانات المفترسة بعد اليوم من نافذة منزل يحيى جمعة الملاصق لحديقة الحيوانات، ولن تُسمع أصوات الطيور في أرجاء الحديقة.
فبسبب الأوضاع الاقتصادية والبيئية غير المواتية، قام فريق من منظمة «فور باوز» النمساوية المعنية بشؤون الحيوانات والطيور المفترسة والجارحة لقطاع غزة” بإخلاء حيوانات وطيور من حدائق غير حكومية في غزة.

بوجه متجهم ونبرة حزينة، يقول مالك «حديقة رفح»، يحيى جمعة، لآسيا تايمز: «كانت الحيوانات والطيور جزء كبير من عائلتي، أقضي معظم وقتي معها، ولكن لم أعد قادرًا على رعايتها وتوفير نفقاتها».

يضيف جمعة الستيني أن رغم شعوره بالحزن لفراق الحيوانات والطيور التي يرعاها منذ 1999، إلا أنه سعيد لأنها ستحظى بحياة أفضل في محمية طبيعية.
عكف الفريق المكون من نحو سبعة أفراد من جنسياتٍ مختلفة لعدة أيام على نقل نحو 40 حيوان وطائر من الحديقة الوحيدة بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، التي تعتبر الأقدم في القطاع، عبر حاجز بيت حانون/ايرز إلى محمية طبيعية في الأردن. تشمل الحيوانات التي تم إنقاذها أسود وذئاب وضباع وقرود وثعالب وقطط وكلاب، بالإضافة لطيور منها نعام وبجع.

كان جمعة يأمل أن تقوم سلطات الفطاع بإقامة محمية طبيعية لتنقل كل حيوانات القطاع بها قبل أن تنفق أو تنقل إلى خارج المدينة.
تعرضت حديقة حيوان رفح في حي البرازيل للتجريف من قبل الجيش الإسرائيلي عام 2004، وإلى تدمير جزئي خلال حرب غزة 2008/2009، وكذلك خلال حرب 2012، وهو ما أثر على الحيوانات التي نفق عدد كبير منها. تفاقمت الأزمة بسبب سوء الوضع الاقتصادي وعزوف الزوار عن الحدائق، بحسب جمعة.

يوجد في قطاع غزة، عدد من حدائق الحيوان صغيرة التي أُنشئت غالبيتها خلال العشر سنوات الماضية وتم جلب الحيوانات النزيلة فيها عبر الأنفاق مع مصر، بحسب قائمين عليها.

اضطرت بعض الحدائق إلى غلق أبوابها، نتيجة الخسائر المادية، أو موت عدد كبير من حيواناتها بسبب الحصار، والغارات الإسرائيلية خاصة خلال الحروب الثلاثة التي استهدفت القطاع في الست سنوات الأخيرة.

وفقًا لإحصائيات رسمية لوزارة الزراعة الفلسطينية، فإن قيمة الخسائر في قطاع الثروة الحيوانية، بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة عام 2014، وصلت إلى 40 مليون دولار أمريكي.

من جانبه، قال مدير المشاريع في منظمة «فوز باوز» أمير خليل، الذي يمارس الطب البيطري، أنه يقوم بزيارات متكررة للقطاع مع فريقه لإنقاذ الحيوانات بسبب غياب البيئة المناسبة لها في القطاع.

وأوضح خليل أن المنظمة مهتمة بالحدائق في القطاع منذ 2004، وقد نجحت في السنوات الأخيرة، بالتعاون مع وزارة الزراعة والسلطات المحلية، في إخلاء حديقتي خان يونس وبيسان، وإخراج شبلي أسود من مخيم للاجئين برفح.

وأضاف لموقع آسيا تايمز: « تسببت الظروف التي تمر بها غزة، بجانب عدم توفر الأدوية اللازمة وفرق بيطرية مدربة، بنفوق حيوانات بحديقة رفح عدة مرات، آخرها قبل أشهر نفوق أربعة أشبال أسود بسبب البرد».

بالنسبة للحيوانات المتبقية في القطاع، يقول خليل أنه وفريقه اقترحوا إنشاء محمية طبيعية في غزة تعيش فيها الحيوانات البرية مؤكداً «أطفال القطاع يستحقون مشاهدة تلك الحيوانات في بيئة ملائمة وليس داخل أقفاص صغيرة كالسجن». يأمل خليل أيضاً أن تستخدم المحمية كمشروع تعليمي لتدريب الأطباء البيطريين.

ماذا عن البشر؟

أثارت أخبار إخلاء الحيوانات والطيور من قطاع غزة غضب أهالي القطاع المحاصر الذين لا يملكون فرصة مماثلة للمغادرة. يعاني ما يقارب 1.8 مليون فلسطيني من حصار بري وجوي وبحري فرضته إسرائيل على غزة منذ أكثر من 14 عامًا.

تقول علياء علي، 25، أن الكثير من الشباب الفلسطيني يحلم بالخروج من القطاع والسعي لحياة أفضل ورؤية العالم، إلا أنهم في حكم المحبوسين بسبب الإغلاق شبه المستمر للمعابر والتضييقات الإسرائيلية.

تقول علياء لآسيا تايمز: «رغم استيائنا عند رؤية الحيوانات تسافر بينما لا يستطيع البشر ذلك، إلا أن من الأفضل أن تؤخذ الحيوانات والطيور لمكان أفضل حيث تجد الرعاية التي تحتاجها».

أثار الخبر سخرية وأحياناً مرارة مستخدمي مواقع التواصل، الذين علق بعضهم قائلاً: «الحيوانات هنا تتمتع بحقوق أكثر من البشر». قال أحد المستخدمين: «تمنيت أن أكون قرد حتى أستطيع السفر». بينما قال آخر: «عندما تستطيع الحيوانات السفر ولا يستطيع البشر ذلك، حينها ندرك أننا الحيوانات وهم البشر».
جاءت عملية إخلاء الحيوانات بعد أسبوع من إحياء الفلسطينيين للذكرى الأولى لمسيرات العودة في 30 مارس/آذار عن طريق مسيرات حتى حدود الأراضي المحتلة.

واجه الجيش الإسرائيلي المسيرات الغفيرة التي انطلقت العام الماضي باستخدام الرصاص المطاطي وحتى الرصاص الحي، وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع وهو ما ترتب عنه مقتل العشرات وإصابة الآلاف بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.