بعد ثماني سنوات من اندلاع الصراع السوري، ما زالت الحكومة السورية تتابع أخبار السوريين اللاجئين في تركيا عبر شبكة من المخبرين، مستغلة وضعهم المحفوف بالمخاطر وخوفهم.

أحمد (إسم مستعار) شاب سوري قرر اللجوء بصحبة زوجته لتركيا منذ حوالي أربعة أعوام نتيجة سوء الأحوال المعيشية وفقدان الأمان في العاصمة دمشق، إلا أنهما أرادا تأمين وضعهما مع السلطات السورية قبل الرحيل.

يقول أحمد:«كنت من مؤيدي النظام السوري وكنت أريد ضمان إمكانية العودة لدمشق في يوم ما، لذا قررت وزوجتي قبل سفرنا إلى تركيا التواصل مع أحد أصدقائنا الذي يعمل في المخابرات السياسية، وأخبرناه أننا نريد أن نصبح مندوبين للمخابرات السورية في تركيا».
يستخدم أحمد بكلمة «مندوبين» بمعنى مخبرين سري.
بعد ترتيب لقاء بين أحمد وأحد الضباط المسؤولين في مدينة دمشق، ذهب مع زوجته لإسطنبول وبدأوا حياتهم الجديدة حاملين أجندة سرية.

أحاديث مكان العمل

وجد كل من أحمد وزوجته أميرة (إسم مستعار) عمل في إسطنبول سريعاً. مكنهم عملهم في مناطق فيها عدد كبير من السوريين من التعامل مع الكثير من أبناء بلدهم.
تقول أميرة: «أعلم أن النظام السوري مجرم، ولكن المعارضة السورية الحالية أيضاً ليست مقنعة، أستطيع القول بأنني رمادية وكنت أعلم أنني سأود العودة إلى دمشق يوماً ما، لذلك وافقت على العمل مع زوجي كمندوبة شفهية لدى الأمن»

استطاعت من خلال عملها التسامر مع سوريين ومعرفة معلومات قد تكون مفيدة لفرد الأمن الذي كانت على تواصل منتظم معه.
تقول:«كنت أجري مكالمة أسبوعية مع أحد الأشخاص في دمشق، وأخبره بمعظم تفاصيل الحياة في تركيا».

طورت أميرة ثقة تجاه فرد الأمن الذي كانت تتعامل معه إلى حد أنها بدأت تنقل له تأثير السياسات الحكومية على السوريين.
تقول: «كنت أخبره عن مشاكل النساء من أمهات المعتقلين وغيرها من المشاكل، إلى حد أصبحت أعتبره صديقاً لي».

قام أحمد، الذي كان يتعامل من خلال عمله مع رجال سوريين، بدور مشابه.

يحكي أحمد: «في كل شهر، كنت أجري اتصالاً هاتفياً مع شخص في مدينة دمشق، أراد معرفة تفاصيل حياة السوريين والمشاكل التي تواجههم في تركيا، كما كان مهتماُ بأسماء المنشقين عن قوات النظام المتواجدين في تركيا، حيث طلب مني إرسال قائمة بأسمائهم وأماكن سكنهم»،

يقول أحمد أنه أرسل المعلومات الخاصة بمنشق واحد فقط لإرضاء السلطات.

يدار النظام البعثي في سوريا، منذ إرسائه من قبل الرئيس الراحل حافظ الأسد في 1963، كنظام أمني، يرتكز على مجموعة أجهزة أمنية تتحكم في الأمن والسياسة والاقتصاد وتفاصيل الحياة اليومية. كانت ممارسات الجهاز الأمني من اعتقالات عشوائية وتعذيب أحد أسباب تفجر الحراك الثوري في أنحاء البلاد في 2011.
ولكن بعد اندلاع الحرب بثماني سنوات، مازال المسؤولون السوريون يتتبعون مواطنيهم في سوريا وفي الخارج.

رغم كونهم يعملون بشكل غير رسمي ولا يتلقون راتب، إلا أن أميرة وأحمد وآخرين ممن يقومون بنفس الدور يشكلون عنصر مهم في هذه الشبكة. فوجودهم يحجم السوريون في الخارج عن المشاركة في أي احتجاج على الحكومة أو انتقادها علناً، كما يساهموا في تفكيك المجتمع وهز الثقة بين أفراده، وبهذا تسهل السيطرة عليه.

معلومات للبيع

في مقابل المعلومات التي نقلوها، حصل الزوجان على خدمات ومساعدات قيمة من الحكومة السورية. منذ 2011، عانى نصف الشعب السوري من التهجير سواء داخلياً أو خارجياً، وهو ما خلق الكثير من الاحتياجات مثل التواصل مع الأهل الباقين في سوريا أو الحصول على أوراق مهمة مثل شهادات الميلاد والتعليم.

قرر كل من أحمد وأميرة بعد فترة الاستفادة من علاقتهما مع المخابرات السورية لتحقيق مكسب. الخدمة التي قدموها لغيرهم من اللاجئين هي المعلومات المؤكدة: سواء عن الوضع الأمني للمشاركين في الثورة الذين يريدون التأكد من عدم طلبهم من قبل الأمن قبل العودة لسوريا، أو معلومات عن المعتقلين.

كون والد أحمد يشغل منصب رفيع سوريا طمأن الكثير ممن طلبوا منه خدمات لكونه يتمتع بحماية إضافية وقدرية على الوصول للمعلومات والتأثير.

يقول أحمد: «منذ ذلك الوقت وأنا أعمل كسمسار بين المخابرات والمواطنين، وكان عناصر الأمن سعيدين بالحصول على معلومات حول السوريين المقيمين في إسطنبول، ولم يطلبوا مني أي مقابل مادي، إلا في الحالات التي تتطلب الإفراج عن معتقلين لقاء مبلغ مادي، فقد نجحت في إخراج معتقلين اثنين لقاء مبلغ ليس بكثير».

تقول أميرة أنها وزوجها كانا يطلبان مبالغ رمزية فقط مقابل خدماتهم.

تقول أميرة: «كنا نتقاضى 100 دولار على المعلومات التي نقوم بجلبها لصالح أشخاص ينوون العودة إلى دمشق ويريدون التحقق من كونهم غير مطلوبين للنظام».
إلا أن كل شيء تغير منذ القبض على والد أحمد العام الماضي. لم تستطيع العائلة تدبير المبلغ الذي طلبته السلطات الأمنية للإفراج عنه، وقطع الزوجان صلتهما بالأمن منذ ذلك الوقت.