يتمتع ملايين الآسيوين بمقومات حياتية أفضل بعد انتقالهم للطبقة المتوسطة، إلا أن أوروبا حذرت هذا الشهر من توقف توسع هذه الطبقة.

قالت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، وهي تضم أغنى بلاد العالم ومقرها باريس، أن العديد من البلاد الأعضاء شهدت «جمود أو انحدار لمستوى المعيشة بينما يستمر دخل وثروة الشرائح الأغنى في الارتفاع».

أزمة الطبقة الوسطى في الغرب أحبطت الآمال في استمرار تحسن الظروف المعيشية، مثلما حدث لمدة أربعة أو خمسة عقود بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن الفترة الحديثة شهدت ارتفاع صاروخي لنصيب ال10% الأغنى ليمثل نصف المتوسط الوطني، بحسب التقرير الجديد للمنظمة «تحت الضغط:الطبقة الوسطى المحاصرة» الذي يرسم صورة سوداء لثلث شعوب الدول الأعضاء التي وصفها التقرير بأنها «معرضة للخطر اقتصادياً».

كانت آسيا الصاعدة في العقود السابقة بمثابة محرك النمو الاقتصادي في العالم، حيث شهدت نمو لمتوسط الدخل في المنطقة، بعكس الغرب.

يقول جاريت ليثر، الاقتصادي المتخصص في آسيا في منظمة كابيتال إكونوميكس: «آسيا شهدت أفضل معدل لارتفاع الظروف المعيشية».

ولكن، بينما تواجه الاقتصادات الغربية مصاعب لتحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها الأصغر والأغنى، يتعين على الافتصادات الآسيوية الناشئة أن تتعامل مع عدد سكان هائل، ونسبة مرتفعة من الاقتصاد غير الرسمي تبلغ 47% من العمال في آسيا والمحيط الهاديء، بحسب تقديرات البنك الدولي.

بحسب تقرير المنظمة: «شهدت شهدت الطبقة الوسطى كان ارتفاع الدخل للطبقة المتوسطة في خلال ال30 عام الماضية طفيف أو منعدم في الدول الأعضاء. دعم هذا من الاعتقاد بأن النظام الاقتصادي الاجتماعي غير عادل وأن الطبقة الوسطى لم تستفيد من النمو الاقتصادي بدرجة متناسبة مع مساهمتها».

من المتوقع أن تزداد المخاطر والاستياء مع وجود توقعات باحتمالية استبدال واحد من كل خمسة أعمال طبقة وسطى بالميكنة، بحسب التقرير.

اندلع توتر اجتماعي وسياسي في بعض البلدان الغربية بسبب توجيه أصابع الاتهام للنخبة الغنية بالتسبب في أزمات اقتصادية متلاحقة، وتصدير العديد من الأعمال لآسيا بسبب التكلفة الأقل، وعدم الحد غير الكافي من حركة الهجرة في أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل كافي، وتزامن ارتفاع تكاليف المعيشة مع جمود المرتبات.

ساعدت المرتبات المنخفضة في الاقتصادات الآسيوية الصاعدة على اجتذاب الاستثمار الأجنبي في الصناعة والخدمات. إلا أن هذه الاستثمارات التي ساعدت في نمو الطبقة الوسطى قد لا تستمر حيث يطالب قادة غربيون مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشركات بإعادة أصولها لبلادها.

كانت مظاهرات السترات الصفراء في أنحاء فرنسا آخر تجليات الغضب تجاه العولمة والذي كان أيضاً أساس فوز ترامب الذي كان العنوان الأهم في أجندته هو «أمريكا أولاً»، وكان أيضاً الدافع وراء تصويت أغلبية البريطانيين في نفس العام لصالح الخروج من الإتحاد الأوروبي وهو ما صدم العالم.

حتى الآن، لم تتأثر اليابان وكوريا الشمالية، وكلاهما أعضاء في المنظمة، بالتوتر والاستقطاب الذي شهدته البلاد الغربية.

إلا أن نمو الاقتصاد الياباني توقف منذ ما يقارب العقدين، ويبلغ حجم الطبقة الوسطى فيها نصف متوسط الدول الأعضاء. فقط 54% من البيوت اليابانية تطابق تصنيف المنظمة للبيوت التي يتراوح دخلها بين 75% و200% من المتوسط الوطني.

يقول مايكل فورست، وهو اقتصادي بالمنظمة وأحد كتاب التقرير، في حوار مع «آسيا تايمز»: «من الصعب تعميم الأمر في آسيا إلا أن وضع الطبقة الوسطى أحلك مما تتخيل».

الطبقة الوسطى في بلاد مثل الصين والهند، الذين تم ذكرهم سريعاً في التقرير، محدودة مقارنة بالبلاد الأغنى من الأعضاء بالمنظمة.

تحت قيادة الصين، تمتعت غالبية آسيا بنمو اقتصادي سريع في العقدين الأخيرين، خاصة منذ الأيام الصعبة للأزمة المالية الآسيوية في التسعينات من القرن الماضي.

وصل العالم بالفعل، بقيادة آسيا، ل«نقطة التحول» بحسب منظمة «بروكينجز» الأمريكية التي تقدر أن أكثر من نصف سكان العالم الآن يعيشون في بيوت ذات دخل كافي لاعتبارها طبقة وسطى أو غنية.

في 2009، أصبح عدد أعضاء الطبقة الوسطى في العالم 1.8 مليار، بحسب تقديرات المنظمة. يتكونوا من 664 مليون أوروبي، 525 مليون آسيوي و338 مليون أمريكي شمالي.

إذا استمرت الصيحة الاقتصادية الحالية، وهو شيء غير مضمون، فسيصل عدد أعضاء الطبقة الوسطى في العالم عام 2030 ل4.9 مليار، منهم 66% من الآسيويين، وهو ضعف النسبة في 2009، وهي 28% بحسب المنظمة.

بالنسبة للأعمال المعتمدة على المستهلكين التي تأمل في نمو الطبقة الوسطى، فهي تراهن على استمرار النمو في آسيا بحيث يتحصل سكانها على أموال أكثر للصرف.

قال متحدث لشركة «إيون» اليابانية العملاقة في بريد إلكتروني ل«آسيا تايمز»: «بالنسبة للجنوب الشرقي بشكل عام كان هناك نمو اقتصادي سريع وسيستمر ذلك في المستقبل».

وصف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية العام الماضي آسيا، وجنوب شرق آسيا بالتحديد، بأنها نقطة نمو الاستثمار الدولي في العالم، حيث تمت استثمارات كبيرة في قطاعات استهلاكية تستهدف الطبقة الوسطى.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وثقت «منظمة الدول الجنوب شرق آسيوية» وصول الاستثمار الأجنبي لأعلى معدل له في 2017 وهو 137 مليار دولار.

إلا أن الدخول المنخفضة نسبياً في آسيا وعدد السكان الكبير يستلزم الحفاظ على معدل نمو مرتفع للاستمرار في التوسع في الطبقة الوسطى والحفاظ على استقرارها، وحل مشكلة وقوع دول غنية نسبيا مثل ماليزيا في فخ الدخل المتوسط.

يقول مايكل فورستر: “يجب تحقيق نمو اقتصادي أولاً قبل تحقيق نمو مستديم وشامل للطبقة الوسطى.”

بالرغم من توقع استمرار نمو أغلب الاقتصادات الصاعدة في آسيا خلال ال20 عام المقبلين، إلا أن هذا النمو قد يصبح أبطأ عن العقدين الماضيين وبذلك يتعطل نمو الطبقة الوسطى.

توقعت شركة الاستشارات الاقتصادية «كابيتال إكونوميكس» ومقرها بريطانيا، في وقت سابق من هذا العام، أن يهبط منسوب النمو في الصين ل2% في خلال عقد، وتوقع التقرير أن تحتفظ بلدان فقيرة مثل الهند بمعدل نمو ثابت 7% بينما يهبط المعدل في باقي آسيا الصاعدة.

يقول ليثر، الاقتصادي المتخصص في آسيا في منظمة «كابيتال إكونوميكس»: «نحن نتوقع تباطؤالنمو لأن العديد من البلدان مرت بالفعل بالمرحلة السهلة نسبياً من النمو الاقتصادي والمتمثلة في اللحاق بالركب».

من المتوقع أن تشهد آسيا، مثلما حد في الغرب، خاصة في البلاد التي تعاني تفاوت كبير في الدخول مثل الفلبين وإندونيسيا وتايلاندا، ضغوط سياسية واجتماعية بسبب النمو غير المتساوي.