عَلَتِ الأصوات في ثلاث محافظات عراقيّة للمطالبة بإجراء استفتاء شعبي يضمن لها التحوّل إلى أقاليم، تطبيقاً للقانون الفدرالي في العراق. تبدو البصرة الغنيّة بالنفط أعلى صوتاً من محافظتي ذي قار ونينوى، كما تبدو أكثر تنظيماً وتمسكاً بمطلبها.

حلم الإقليم

حلم التحوّل إلى إقليم لدى هذه المحافظات، وعلى وجه الخصوص البصرة، قديم، لكنه حلم جرى إجهاضه عدة مرات.

يشعر سكان محافظة البصرة بأنّها مستغلة، تدرّ نفطاً لجميع محافظات العراق وللحكومة الاتحادية ولا تحتفظ بشيء يذكر من مواردها.

أما في نينوى، فيشعر السكان أنهم مهملون من الحكومة الاتحاديّة، وبأن السلطات المحلية قادرة على إدارة المحافظة التي تتمتع بتنوع سكاني وأرض خصبة وبخرة تجارية، بالإضافة لمنفذها الحدودي مع تركيا. تتمتع محافظة ذي قار أيضاً بمقومات اقتصادية تشجعها على الانفصال فهي تمتلك آباراً نفطيّة وأراضٍ زراعيّة شاسعة.

في البصرة، العاصمة الاقتصادية لبلاد ما بين نهرين في أقصى جنوب العراق، صوّت 22 من 35 عضو في مجلس المحافظة مطلع الشهر الجاري على مشروع تحويل البصرة إلى إقليم، ومنذ ذلك الوقت، تخرج ارتال سيارات لمواطنين بين الحين والآخر وهي ترفع علم الإقليم.

في نينوى تم تداول المطلب على استحياء. فقد خرجت المحافظة تواً من حرب طاحنة دمرت بنيتها التحتية وتركت الكثير من أهلها إلى الآن في مخيمات نزوح. ذهب عدد من المنظمات المدنيّة إلى مفوضيّة الانتخابات لمطالبتها بإجراء باستفتاء شعبي للتحوّل إلى إقليم.

أما ذي قار، فلم يتعدّ الأمر فيها حتّى الآن تصريحات لسياسيين يدعون لتنفيذ هذا المطلب قانونياً.

الهيمنة المركزية

تشكو المحافظات الثلاثة، البصرة ونينوى وذي قار، من هيمنة الحكومة الاتحادية على قراراتها ومقدّراتها. تأتي سوء الخدمات واستشراء البطالة والفساد في مقدمة الأسباب وراء دعوات التحوّل إلى أقاليم.

بحسب المادة 119 من الدستور العراقي ، يحق لأي محافظة أو أكثر تكوين إقليم عبر طلب يقدمه عُشْر الناخبين في المحافظة ثم يخضع لاستفتاء في المحافظة.

تلتزم بغداد حتّى الآن الصمت بشأن هذه الدعوات. لم يعلق رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أو أي من قادة الأحزاب الرئيسة في البلاد على الأمر.

تسبب تجاهل الحكومات المركزية المتعاقبة لطلبات الإنفصال في استياء سكّان هذه المحافظات. قال محمد كامل أبو الهيل، وهو شيخ قبلي ونائب في البرلمان العراقي عن محافظة البصرة، لـ«آسيا تايمز»: «عدم التفات الحكومة الاتحادية إلى محافظة البصرة، وهي شريان العراق الاقتصادي، وانحدار مستوى الخدمات، ، أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بتحوّلها إلى إقليم».

«الحكومة الاتحادية لا توافق على تحوّل البصرة إلى إقليم، لأن إقليم البصرة يمكن أن يؤثر على الموازنة الاتحادية التي تعتمد بشكل أساسي على ثروات البصرة»، يقول أبو الهيل.

العراق يستخرج نحو 80 بالمئة من نفطه من البصرة، إضافة إلى أنها البوابة الوحيدة للعراق على الخليج وبها عدة موانيء.

خيارات مُرّة

يقود السياسيون المحليون في البصرة حملة التحول لإقليم إلا أن السكان يدعمون المطلب. يقول أبو الهيل: «الشعب يريد الإقليم، لكن القوى السياسية والأحزاب الرئيسة لا تريد ذلك»، مشيراً إلى أن القوى السياسية الرافضة مكونة من قيادات مقيمة في بغداد.

بالرغم من استيائه من إهمال البصرة إلا أن أبو الهيل لا يحبذ إقامة إقليم في هذه المرحلة، حيث يقول: «هناك مخاوف سياسيّة في حال تحوّلت البصرة إلى إقليم من ابتلاعها من دول الجوار».

الحكومة الاتحادية في بغداد تملك عرقلة محاولة البصرة كما فعلت في 2009 عندما أفشلت استفاء تحويل البصرة إلى إقليم.

حذّر ابو الهيل من تداعيات تجاهل الحكومة لإرادة سكان البصرة: «في حال رفضت الحكومة الاتحادية أو عرقلت تحوّل البصرة إلى إقليم فيمكن لسكّان البصرة بالفعل عرقلة العجلة الاقتصادية في العراق. يمكن لسكّان البصرة اللجوء إلى إيقاف العمل في آبار النفط، وإيقاف العمل في المنافذ الحدودية والموانئ من خلال الاحتجاجات.. هذه احتمالات واردة جدّاً، وخيارات متداولة في البصرة».

في ذي قار ونينوى.. ضغوط أقل

على عكس البصرة حيث يرغم الضغط الشعبي السياسيين على الحديث بحذر عن رأيهم في المطلب الانفصالي، يعبر السياسيون في ذي قار بشكل واضح عن رفضهم للفكرة ولا يترددون في التصريح بأنها ليست في أجندتهم في الوقت الحالي.

في نينوى، يخشى الكثير من السياسيين المجاهرة بفكرة الإقليم، فهم إلى الآن لم يسلموا من تهمة التواطؤ مع تنظيم «داعش» أثناء سيطرته على مدينتهم عام 2014، الأمر الذي يجعلهم في موضع دفاع مستمر عن أنفسهم، والشروع بالترويج للإقليم الآن قد يجر عليهم تهماً جديدة.

قال نايف الشمري، النائب عن محافظة نينوى في البرلمان العراقي لـ«آسيا تايمز»، وقد بدا غاضباً من سؤال عن تحوّل نينوى إلى إقليم، «لا يوجد أي نيّة لسياسيي أو سكّان نينوى في إنشاء إقليم نينوى»، مشدداً بالقول «لاسيما في الوقت الحاضر».

وبالرغم من أن الشمري يرى أن «الإقليم حقّ دستوري»، لكنه قال «التوقيت الآن ليس صحيح».

أما كاطع الركابي، النائب في البرلمان العراقي عن محافظة ذي قار هو يرفض فكرة الأقاليم من الأساس. قال الركابي في حديث لـ«آسيا تايمز» أن «موضوع الأقاليم لن يحدث لأننا نعتبر الأقاليم هي محاولة لتقسيم العراق».

هل الأقاليم هي حل؟

يتفق السياسيون من المحافظات الثلاثة على أن سوء الخدمات، والانحدار الاقتصادي هم الأسباب الرئيسية وراء مطالب الانفصال إلى أقاليم تسيطر على مواردها بمعزل عن نفوذ الحكومة المركزية.

لدى العراق تجربة واحدة مع الأقاليم، وهي تجربة إقليم كردستان. يعتبر الركابي هذه التجربة غير ناجحة، لأنّها تسببت في أزمة ممتدة منذ 2003 واجهتها الحكومات المتعاقبة.

شهدت الاتفاقات بين الطرفين، وخاصّة المالية منها، خلافات كثيرة عبر الأعوام. أحياناً يلجأ إقليم كردستان لتصدير النفط منفرداً بعيداً عن هيمنة بغداد، وتردّ الحكومة المركزية بقطع الأموال عنه.

يقول الركابي، ممثل ذي قار البرلماني: «لدينا إقليم واحد في العراق وهو إقليم كردستان ولدينا خلافات عديدة وكبيرة معه لم تحل، فكيف إذا ما تحولت عدد من المحافظات إلى أقاليم؟»

أبو الهيل، ممثل البصرة، أيضاً لا يجدّ في الإقليم حلاً لمشاكل المحافظات العراقيّة. «في حال تحولت البصرة إلى إقليم يمكن للفساد أن يزيد» يقول أبو الهيل، لافتاً إلى أن القوات المسلحة تسيطر على المنافذ الحدودية للبصرة والموانئ والكثير من آبار النفط، ويحذر: «في حال إقرار الإقليم ستتحوّل محافظة البصرة إلى اقطاعيات تنهب كل شيء».

ما الحل إذن أمام تفاقم الأوضاع؟ يشبه ابو الهيل رد فعل رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي تجاه التطورات المتسارعة ب«خطوات السلحفاة».

بالفعل، عبد المهدي يناور ببطء. استعان عبد المهدي بورقة سياسية أخيرة قبل حلول الصيف الذي يشهد أزمة كهرباء ومياه تهدد بخروج احتجاجات عارمة. منح عبد المهدي القيادي السابق في الحشد الشعبي، ورئيس إحدى أكبر الكتلتين في البرلمان العراقي، هادي العامري، صلاحيات وأرسله إلى البصرة للقيام بإصلاحات.

يعتقد ابو الهيل أن منح العامري صلاحيات واسعة تتيح له التصرف في موازنات الطوارئ والإشراف على المشاريع الكبرى حلاً وسطاً، ويأمل أن تحقق حملة الإعمار التي أعلن عنها والتي من المفترض أن تبدأ في الشهر الحالي تطور ملموس.

لكن تكليف العامري، وهو ليس من أهالي البصرة، لا يستجيب للمطلب الأساسي للأهالي، وهو الحكم الذاتي، وقد يجعل ذلك مهمته صعبة.

يصر سرمد الطائي، الكاتب العراقي المنحدر من البصرة والداعم لفكرة للإقليم، على أن الإقليم هو الحل للمشكلات المتفاقمة. ويعتقد أن الشباب المتظاهر سيجد حلاً في حال تسويف الحكومة الاتحادية لمطلبهم.

يمكن للصيف العراقي القائض الذي سيحل قريباً أن يكشف ما إذا كانت المحافظات العراقية التي تشهد احتجاجات ستتمكن من فرض الإقليم، أو إحداث الفوضى، أو أنها ستنهزم مجدداً حيل الحكومة المركزية.