وصل الارتباك السياسي في إسرائيل لذروته، فلأول مرة في تاريخ الدولة، يفشل رئيس الوزراء المكلف في تشكيل حكومة. بعد شهر ونصف من الانتخابات، تستعد البلاد لجولة ثانية، وتغرق أكثر في ظلام المجهول.

اقترب نتنياهو كثيراً من تشكيل الحكومة. فقد حصل قائد حزب الليكود على موافقة 60 عضو في الكنيست على الانضمام للائتلاف، بينما كان يحتاج 61 صوت لدعم حكومة أغلبية وتمرير القانون. في النهاية لم يستطيع نتنياهو تشكيل ائتلاف بحلول منتصف ليل أمس الأربعاء، وهو نهاية المهلة القانونية لذلك.

استمر نتنياهو حتى اللحظة الأخيرة في مناورات يائسة لتشكيل الائتلاف. في الأيام الأخيرة، حاول نتنياهو إغراء أعضاء حزب “أزرق وأبيض” بفرص عمل وتعديلات لقوانين مثيرة للجدل. قدم رئيس الوزراء أيضاً عرض مغري في اللحظة الأخيرة لمحاولة إغراء حزب العمل للإاضمام للإئتلاف إلا أنه لم يسفر عن نتيجة. “الملك بيبي” كما يطلق عليه فقد لمسته السحرية.

في النهاية، اضطر نتنياهو لمواجهة فشله ومرر قرار بحل الكنيست تم الموافقة عليه ب74 صوت مقابل 45، ما جعل تشكيل الكنيست ال21 هو الأقصر في تاريخه.

ساندت الأحزاب اليمينية والمتشددة القرار. لجأ نتنياهو لهذا الحل المكلف لتفادي البديل وهو الأسوأ له سياسياً. بحسب القانون، في حالة فشل رئيس الوزراء في تشكيل حكومة ائتلافية، للرئيس أن يختار عضو آخر من الكنيست لتشكيل الحكومة. كان من المرجح أن يكون هذا الشخص هو بيني جانتز، قائد المعارضة حالياً.

أراد نتنياهو تفادي ذلك حتى ولو كان الثمن هو فرض انتخابات جديدة على الشعب الإسرائيلي.

ليبرمان يطالب بالتجنيد

عندما احتفل نتنياهو بفوزه في الانتخابات، كان يعتقد أنه سيستطيع تشكيل حكومة ائتلافية بسهولة نسبية. كانت أحزاب اليمين، حلفاؤه الطبيعيون، حصلت على 65 مقعد وكان من المتوقع أن تنتهي المفاوضات المعهودة بتشكيل حكومة مستقرة ذات أغلبية متشددة.

لم يسبق لرئيس وزراء إسرائيلي أن  يفشل في تشكيل حكومة من قبل بعد فوزه في الانتخابات. لم يكن متوقع للسياسي المخضرم الذي شكل عدة حكومات من قبل أن يكون أول من يفشل في ذلك. إلا أن الأحداث لم تقع طبقاً للمخطط. ظهرت سريعاً مسألة تجنيد المتشديين في إسرائيل كنقطة خلافية.

أراد تحالف “يهودية التوراة المتحد” الحصول على استثناء لطلبة ياشيفا من الخدمة العسكرية كشرط للانضمام للائتلاف. إلا أن أفيجادور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” طالب بتجنيدهم طبقاً لتوصية وزارة الدفاع.

في البداية، بدا الخلاف جزء من الصراعات المعتادة التي تتضمنها المفاوضات والتي يتم في النهاية حلها عن طريق المساومات أو شراء أحد الأطراف. “إسرائيل بيتنا” يشغل خمسة مقاعد فقط في الكنيست وكان من المتوقع أن يتنازل أمام الأحزاب المتشددة الأكبر والأكثر تأثراً بالقرار.

مع اقتراب الموعد النهائي، بدا واضحاً أن ليبرمان غير مستعد للاستسلام لعملية الإقناع المعتادة، فقد تمسك بنسخته من قانون التجنيد ورفض أن يقدم أي تنازلات. أغضب ذلك حتى رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب الذي أكد عبر حسابه على تويتر على دعمه لنتنياهو.

http://

نظراً لأن مسألة تجنيد طلبة ياشيفا مسألة محورية بالنسبة للأحزاب المتشددة وداعميها، عادة ما تتنازل الأحزاب العلمانية فيما يخص الدين في مقابل الحصول على وزارات استراتيجية ولجان. ولكن وزير الدفاع السابق أثبت أنه الاستثناء لهذه القاعدة. في النهاية اضطر نتنياهو للتخلي عن محاولات تشكيل ائتلاف والتحضير لانتخابات جديدة.

ليس من الواضح ما إذا كان ليبرمان يقصد الزج بالبلاد إلى جولة انتخابات جديدة. البعض يعتقد أنه يسعى للانتقام من نتنياهو الذي أقاله من منصبه. آخرون يعتقدون أنه يحاول الفوز بمقاعد أكثر من خلال التحالف في الانتخابات الجديدة مع رئيس العدل السابق أيليت شاكيد، الذي لم يحصل حزبه على الأصوات الكافية لدخول الكنيست الحالي. تظهر الاستفتاءات الأولية أن أصوات ليبرمان سوف تتضاعف إذا انضم شاكيد لحزبه. تقابل الإثنان مرتين مؤخراً وقد يقرروا خوض الانتخابات معاً.

الاحتمال الأخير هو أن ليبرمان دخل في تحدي مع رئيس الوزراء ليحقق مكاسب في المفاوضات ووجد نفسه غير قادر على التراجع. في جميع الأحوال، لم يحدث سابقاً أن تسببت المصالح الضيقة لحزب صغير يشغل عدد مقاعد قليل في إفشال تكوين الحكومة.

اتهامات الفساد

تداعيات ما حدث بالنسبة لرئيس الوزراء الذي تحاوطه الأزمات قد تكون خطيرة. لم يستطيع نتنياهو تمرير مشروع قانون يمنحه الحصانة وهو الآن يواجه انتخابات جديدة بعد أربعة أشهر، تلحقها مباشرة جلسات الإستماع الخاصة بتهم الفساد التي يواجهها والتي ستقام في أكتوبر/تشرين الأول.

من الممكن ألا يتمكن نتنياهو من الاحتفاظ بسلطته في الانتخابات المقبلة. ولكن في حالة فوز حزب الليكود، سيستغرق شهر على الأقل لتشكيل الحكومة وقد يقابل نفس العقبات. بالإضافة لذلك، ستكون جلسات الاستماع الخاصة باتهامات الفساد قد بدأت.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (وسط) ووزير الدفاع أفيجادور ليبرمان في زيارة للموقع الذي دهس فيه فلسطيني مجموعة من الجنود الإسرائيليين في بداية 2017. صورة: Reuters / Ronen Zvulun

يتسبب هذا التسلسل الزمني في توتر لنتنياهو، ويقلل من فرص نجاحه في الاحتفاظ بالسلطة.

هل سيستمر الناخبون وأعضاء حزب الليكود في المشاهدة في صمت بينما يزج نتنياهو بالبلاد في اتجاه مضطرب من أجل سلطته وحريته؟ كانت قدرة بيبي الفائقة على المناورة دائماً هي مصدر قوته، وقد أكسبته طاعة عمياء داخل حزبه. ولكن فشله الأخير في تشكيل حكومة كشف ضعف كبير.

بدأ بعض أعضاء حزب الليكود بالفعل في الانقلاب على نتنياهو. عارض جيديون سار وأعضاء آخرون بالحزب مشروع القانون الذي دفع به رئيس الوزراء للحصول على الحصانة.

يقبل نتنياهو المنهك الآن على انتخابات لم يكن يريدها، ويشهد النظام السياسي الإسرائيلي اضطراب غير مسبوق.