لماذا لا تثير عروض المساعدات الغذائية من كوريا الجنوبية اهتمام جارتها الشمالية، بالرغم من توجه وفد من الشمال للصين في مهمة لطلب المساعدة بسبب ما أسماه إعلام الدولة هذا الأسبوع “أسوأ جفاف واجهته البلاد في آخر قرن”؟

الإجابة هي: كيم يونج يرحب بالمساعدات الغذائية ولكن فقط في حالة ألا تكلفه شيء أو تتعارض مع خطته الكبرى. فجوع المواطنين في نهاية الأمر ليس على قائمة أولوياته، الحفاظ على نظام عائلة كيم هو هدفه الأسمى، وبالتالي فهو يحتاج للتركيز على ذلك في علاقاته مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة ليساعدوه على ذلك، لا أن يقضي وقته في خدمة المواطنين العاديين.

إلا أنه لا يمانع في مشاركة باقي العالم بالمساعدات للتعامل مع أزمة حقيقة من الجفاف ونقص الطعام، بحسب ما أعلنه المتحدثون بإسم الحكومة ووافقت عليه المنظمات الدولية.

واحد من خمسة أطفال يعاني

قد يفاقم الجفاف الفصلي المبكر في الشمال هذا العام من «مشاكل الصحة والجوع وسوء التغذية لآلاف الأطفال والسيدات الحوامل والمرضعات»، بحسب تصريح منظمة الصليب الأحمر الأسبوع الماضي.

حتى قبل هذا الجفاف، عانى واحد من كل خمسة أطفال من تعطل النمو بسبب سوء التغذية، وصرحت المنظمة عن قلقها «أن هؤلاء الأطفال لن يستطيعوا تحمل أي ضغط إضافي على أجسامهم».
نقلت وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية KCNA أن وفد من«مجتمع الصليب الأحمر بكوريا الشمالية» توجه للصين في 14 مايو/أيار. لم يوضح الخبر تفاصيل أخرى في ظل تكهنات بأن الوفد يحاول تأمين مساعدات غذائية.

هبط معدل الأمطار والثلوج في كوريا الشمالية هذا العام لأقل نسبة في ال37 عام الأخيرة، بحسب الإعلام الرسمي وعبرت الأمم المتحدة في وقت سابق عن «قلق شديد» إزاء نقص الغذاء. تعاني الدولة المعزولة والفقيرة والتي تتعرض لعقوبات دولية بسبب برنامجها النووي، من قصور غذائي مزمن.

منذ شهر يناير/كانون الثاني حتى شهر مايو/أيار هذا العام، لم يتعدى معدل الأمطار والثلوج في كوريا الشمالية 54.4 مم، وهي النسبة الأقل في هذا الوقت من السنة منذ عام 1982، بحسب الإعلام الرسمي الذي وصف الوضع ب«الجفاف الشديد».

قال كل من برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الطعام والزراعة التابعتين للأمم المتحدة في بيان مشترك الشهر الماضي أن محصول كوريا الشمالية العام الماضي سجل أقل معدل منذ 2008 وأن 10 ملايين شخص، 40% من السكان، في حاجة ماسة للطعام، بحسب تقديرات المنظمة.

يحذر التقرير:«من الممكن أن يتدهور الوضع أكثر في موسم انخفاض المحاصيل من مايو/أيار لسبتمبر/أيلول إذا لم تتم تحركات إنسانية عاجلة».

كان رئيس برنامج الأغذية في سول هذا الأسبوع وعبر عن «قلق شديد» بشأن وضع الطعام في كوريا الشمالية أثناء اجتماعه مع وزير التوحيد الكوري الجنوبي كيم يوم شول. قال مسؤول من الوزارة أن من الضروري إرسال مساعدات غذائية للشمال في الفترة بين مايو وسبتمبر، مثلما يوصي تقرير منظمة الطعام.

إلا أن البعض يشكك في تصريحات كوريا الشمالية. فقد قام النظام بشكل مشابه بإعلان أن البلد تمر ب«أسوأ جفاف في العقد الماضي» منذ أربع سنوات.

قالت رئاسة كوريا الجنوبية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعم خطة الحكومة لتوفير مساعدات غذائية للشمال. تنوي كوريا الجنوبية توفير مساعدات غذائية بقيمة 8مليون دولار للشمال ويقوم الرئيس مون جاي-إن بمحاولات لإنقاذ الجهود الدبلوماسية المتعسرة بين حكومة كوريا الشمالية والولايات المتحدة بعد انهيار قمة هانوي.

أظهرت كوريا الشمالية بوضوح أنها لا تقدر هذه العروض.
قالت مقالة رأي في مجلة «مايري» الكورية الشمالية أن الجنوب: «يقوم بعمل ضجة عن كون مشاريع التعاون الإنساني قد تساهم في تحسن كبير في العلاقات بين الكوريتين. هذا خداع للعامة وهو تصرف بلا احترام أو عقل ضد نفس العرق».

اتهمت المجلة الجنوب بالقيام ب«تصريحات فارغة» والحصول على المديح على ذلك، بينما تقوم بتجاهل «المشاكل الجوهرية» بين الكوريتين. اعتبر المقال ذلك «بمثابة استهزاء بتوجه الأمة ورغبتها في كتابة تاريخ جديد للعلاقات بين الكوريتين». من ضمن قائمة طلبات كوريا الشمالية: تخفيف العقوبات الأمريكية والدولية، ما يتضمن إعادة فتح المنطقة الصناعية «كايزونج» التي كانت مقر للمشاريع الاقتصادية المشتركة بين الكوريتين.

قررت وزارة التوحيد أن تعطي إذن لمجموعة من رجال الأعمال الكوريين الجنوبيين لزيارة مقر «كايزونج» الذي كان مصدر دخل كبير لكوريا الجنوبية- للمرة الأولى منذ إغلاقه في 2016.

المزاج السياسي في كوريا الجنوبية يتحرك لصالح الشمال تحت الحكومة اليسارية للرئيس مون جاي-إن، ولكن قد يتغير ذلك، والقائد الشمالي يدرك أن وقته محدود لتحريك الأحداث لصالحه. قضى مون سنتين من مدته البالغة خمس سنوات غير قابلة للتجديد.

تزداد نسبة الكوريين الجنوبيين الذين يفضلون التعايش السالم مع جارتهم المسلحة بأسلحة نووية عن إعادة توحيد شبه الجزيرة، بحسب استطلاع رأي حديث.

يؤكد مون دائماً أن التوحيد هو الهدف النهائي، إلا أن الوضع في الحقيقة أكرتعقيداً بكثير، بحسب الاستطلاع الذي قامت به مؤسسة التوحيد القومي الكورية الجنوبية. رأى 66% من الكوريين الجنوبيين أن التوحيد ضروري، هبوطاً من نسبة70.7% العام الماضي بعد تعطل التعاون بين الكوريتين والمحادثات بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

عند عرض بديل، فضل 49.5% من الجنوبيين التعايش السلمي مع الشمال واختار 28.8% فقط التوحيد.

الاختلافات أكبر بين الشباب، حيث قضى ذوو ال20 عام حياتهم البالغة كلها في ظل البرنامج النووي في الشمال وتهديده.

صراع الطبقات على الطعام
فيما يخص الطعام في الشمال، موقع المواطن في التدرج الطبقي هو الحكم. نقلت قناة ديلي يإن كي الإخبارية بسول أحد الأمثلة المرعبة لذلك في أحد أسوأ معسكرات الاعتقال في الشمال: معسكر العمل الإصلاحي رقم 12 في مقاطعة هامجيونج الشمالية.

روى مصدر من المنطقة للقناة: «وصلت سيدة شابة التي تم إعادة توطينها من الخارج قصراً للسجن في حالة سوء تغذية. تم نقلها لكافيتريا السجن ولكن لم تكن قادرة على الأكل. فقالوا لها أن تستنشق الأكل ليعطيها طاقة. في النهاية ماتت لأن السلطات ببساطة لم تهتم».

نقلت القناة: «أصيبت المسجونة أيضاً بحرق من جراء لمس وعاء ساخن من عصيدة الشوفان لدرجة أن جلدها انفصل عن العظم. برغم اصابتها بسوء تغذية وحرق شديد إلا أنها لم تحصل على العناية الطبية اللازمة وتوفت بعد يومين».

هذه القصة ليست استثناء. أظهر بحث علاقة قوية بين التهميش الاجتماعي الذي يقره النظام رسمياً وسوء التغذية.

بالنسبة للذين يعيشون في العاصمة بيونج يانج، وأغلبهم مصنفون كموالين، فالطعام متوفر بشكل معقول، باستثناء في أسوأ أوقات المجاعة في منتصف التسعينات. أما من تم نفيهم للجبال الشمالية بسبب انحدارهم من نسل أحد إقطاعيي النظام القديم، ففرصهم في التغذية الجيدة ضعيفة. أما بالنسبة لقاطني المعسكرات والسجون، ففرصهم معدومة.