أصبحت جوخة الحارثي الأسبوع الماضي أول عربية تفوز بجائزة “مان بوكر الدولية” عن روايتها “سيدات القمر”. تقوم حارثي، وهي من مواليد 1978، في روايتها بتوثيق التغيرات التي طرأت على المجتمع العماني منذ بداية القرن العشرين حتى الوقت الحالي. تروي الحارثي القصة من منظور عائلة عمانية على مدار ثلاثة أجيال وتتطرق للموضوعات الممنوعة، من العبودية للخيانة الزوجية.

قبل ترشيحها للجائزة لم تحظى الحارثي بشهرة كبيرة في العالم العربي، حيث يسيطر الكتاب السعوديون والكويتيون على المشهد الأدبي الخليجي.

في بداية تأسيس جائزة “مان بوكر” منذ نصف قرن، والتي كان أول فائز بها هو ب.ه. نيوبي عن روايته التي تجري أحداثها في مصر، كانت الجائزة مقتصرة على الكتاب من إنجلترا ودول الكومنولث، أيرلندا وزيمبابوي.

تم تأسيس النسخة الدولية من الجائزة في 2005 لإتاحة المجال للكتاب خارج هذه البلاد. في 2016، اقتصرت الترشيحات على الأعمال المترجمة للإنجليزية من لغة أجنبية. هذا العام، تضمنت قائمة الترشيحات روايات مترجمة من الفرنسية والألمانية والبولندية والأسبانية، وفي حالة حارثي، العربية.

حاور شريف عبد الصمد المساهم في “آسيا تايمز” الكاتبة قبل أسابيع من حصولها على الجائزة.

عبد الصمد: لماذا تجاهل النقاد العرب والغربيين الأدب العماني في العقود الأخيرة؟

حارثي: بدأت الرواية العمانية في وقت متأخر نسبياً. ربما في الستينيات مع الأديب العماني عبدالله التقي (1924-1973). في الثمانينات والتسعينيات بدأ القليل من الكتاب العمانيين في نشر أعمالهم. من الممكن القول أن الرواية العمانية انتعشت في الألفية الجديدة.  كان الشعر مسيطر على الدوائر الأدبية. كان جدي شاعر معروف وكان يدعو أصدقائه لمنزله، حيث يلقون الشعر العربي القديم للمتنبي (915-965) وأبو العلا المعري (973-1057). كنت طفلة في ذلك الوقت وأتذكر كم كان مخزي بالنسبة للرجال ألا يتمكنوا من سرد الشعر القديم عن ظهر قلب. فتخيل، بالنسبة لروائي، كان عليك أن تنافس المتنبي والمعري. لقد تغير هذا في الوقت الحالي. يفضل العمانيون الآن الرواية. ولكن للأسف لا تسوق الكثير من المؤسسات العمانية لهذا النوع. كما أن العديد من النقاد العرب ما زالوا يعتبرون أن مصر ولبنان هم قلب عالم النشر، وهو ما يعني أن القليلين فقط يلتفتون لعمان. نفس الشيء بالنسبة للمترجمين.

عبد الصمد: نشرت روايتك “سيدات القمر” في 2010 بالعربية. لماذا تمت ترجمتها للإنجليزية العام الماضي فقط؟

حارثي: فازت سيدات القمر بجائزة أفضل رواية عمانية، وتم الاتفاق على قيام ماريلين بوث بترجمتها للإنجليزية. أعتقد أنها انتهت من الترجمة في 2015، واستغرق الأمر ثلاثة سنوات بعد ذلك حتى تم نشرها. كانت بوث قد حلت محل أحد المشرفين على رسالة الدكتوراة الخاصة بي (حصلت حارثي على دكتوراة في الأدب العربي القديم من جامعة إدنبرة) وكانت قرأت روايتي وأعجبت بها. ولكن ثماني سنوات ليس وقت طويل في عالم ترجمة الروايات (تضحك). هناك كاتبة سويدية على القائمة القصيرة (سارة ستريدسبرج) نشرت روايتها في 2006.

عبد الصمد: تتعامل روايتك مع مواضيع حساسة، مثل العبودية في عمان. إحدى شخصياتك الرئيسية، ظريفة، كانت مستعبدة.

حارثي: الكتابة عن العبودية في عمان تتطلب شجاعة كبيرة، حيث ما زال الموضوع يعتبر ممنوع. إلا أنه يؤثر في الكثير من الناس في مجتمعنا. يوجد أبناء عبيد يعيشون في هذا المجتمع. كان هذا موضوع مهم جداً بالنسبة لي لفهم الديناميكيات المحركة لمجتمعنا. لقد بحثت كثيراً، لكني لم أجد مستندات كثيرة في عمان. ما ساعدني كثيراً هو المكتبة البريطانية وأرشيف جامعة أدنبرة. اكتشفت هناك كيف كان يتم بيع العبيد وارسالهم لعمان. كما حاورت العديد من المسنين الذين  يتذكرون قصص كثيرة. بالطبع هناك وجهات نظر مختلفة. في الرواية مثلاً تحتفظ ظريفة التي كانت عبدة بعلاقة قريبة من العائلة التي امتلكتها بينما يريد ابنها الغاضب التخلص من قيود العبودية.

عبد الصمد: تتطرق الرواية أيضاً لحياة النساء، والخيانة والحياة الزوجية، كيف تم استقبال ذلك في عمان؟

حارثي: للأسف النقد الأخلاقي ما زال موجود ليس فقط في عمان ولكن في بلدان عربية أخرى وجدت أن كتابي متحرر أكثر من اللازم. بصراحة لم ألقي اهتماماً لهذه الأصوات. ليس لدي مشكلة في اعتراض الناس على كتاباتي. لكن تحجيم الأدب يعرضه للخطر، يجب للفن أن يحظى بمساحة ليتنفس.

عبد الصمد: معظم الشخصيات في روايتك تعاني بشكل غير مباشر من السلطة الأبوية في العائلة. وخاصة النساء اللاتي تبقين مقيدات باستثناء البطلة الصغيرة، التي تسمى لندن، التي تحصل على حقوق وحريات غير مسبوقة.

حارثي: في عمان بقيت القواعد والتقاليد الأبوية مغروسة في المجتمع لقرون. فكرت كثيراً في كيفية حياة الناس في القرون ال18 وال19، وحتى في بداية القرن ال20 عاشوا على نهج مماثل. تغير الوضع ببطء شديد، قبل اكتشاف النفط. ومع النفط جاءت التكنولوجيا. لذلك اضطر الناس الذين عاشوا حياة بسيطة جداً لقرون فجأة للتغير. والتغير ليس سهل.

ما كان يبدو غير معقول في الستينات والسبعينات عندما كان عبدالله، الشخصية الرئيسية، طفلاً، قد تغير في الثمانينات. ثم تغير مجدداً في الألفية الجديدة. ولكن ما زالت هناك عائلات تحتفظ بالنظام الأبوي وأخرى تنتهج ديناميكيات أخرى في علاقاتها. من السهل امتلاك سيارة أو هاتف، ولكن ليس من السهل تحويل علاقتي مع والدي أو زوجي. وهذا هو المهم. لدي طفلة صغيرة. لذلك أحاول مجاراة الأشياء التي تمتلكها، لأنها جديدة علي. تخيل كيف كان يشعر آباؤنا. أنا درست بالخارج ومن المفترض أن يكون التأقلم أسهل بالنسبة لي.

عبد الصمد: لماذا اخترتي عنوان “سيدات القمر” للنسخة العربية بالرغم من أن عبد الله، والد لندن، هو الشخصية المحورية في الرواية.

حارثي: تلعب النساء دور مهيمن في الرواية بالرغم من كتابة الجزء الخاص بعبدالله بصوت الراوي، بينما يروي مجهول قصص النساء. تتمحور الرواية حول علاقة عبدالله بإبنته لندن وزوجته وخادمته. هل تعتقد أني كان يجب علي تسمية الرواية سيدات القمر وعبد الله؟ (تضحك). كان لدي قائمة بالعناوين المحتملة وقد استبعدتهم واحد تلو الآخر حتى بقى هذا العنوان.

عبد الصمد: تفاجأت أثناء قراءة روايتك من انتقالك في الوقت قفزاً للأمام وللوراء في صفحة واحدة بدون التأثير على انسيابية الرواية. بعكس الرواية الخطية الكلاسيكسية، تظهري للقاريء كيف تغيرت حياة الشخصيات وتحاولي توضيح السبب.

حارثي: بالنسبة لي، الوقت له تأثير دائري، لا يمكن التمييز بين الحاضر والماضي. الماضي يتم فلترته عبر ذاكرتنا وهو عرضة لجميع الاحتمالات مثل المستقبل. لذلك لا يمكن نزع الشخصيات عن ماضيهم. الماضي يحولهم وهو يحولون الماضي. لا توجد نهاية حقيقية للوقت، بالرغم من أن الماضي يبدو خلفنا.