اصطدم السوريون الذين يبحثون عن دعم نفسي للتعافي من جروح السنوات الثماني الماضية من الحرب والتهجير بشكل جديد من الظلم: الأطباء النفسيون المزيفون الذين يسعون للتربح من آلامهم.

في السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة المعالجين النفسيين الذين يمارسون المهنة بدون تصريح أو تدريب أو شهادة. وجد العديد من اللاجئين الشباب الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة والقلق المزمن أنفسهم فريسة سهلة للأطباء المزيفين.

تقول دلال، 27 عام، وهي شابة سورية مقيمة في إسطنبول منذ 2016، أنها صدمت عند اكتشاف أن طبيبها النفسي ما هو إلا منتحل شخصية غير مؤهل.

تقول دلال ل«آسيا تايمز»: «للمرة الأولى في حياتي قررت زيارة طبيب نفسي بسبب معاناتي من اكتئاب شديد، وبعد عدة جلسات لدى الطبيب، شعرت براحة كبيرة».
أقنع المعالج المزيف دلال بترك خطيبها، الذي ادعى أنه السبب في معاناتها النفسية، ثم عرض على دلال العمل في مكتبه، وبدأ التحرش بها.

تحكي دلال: «بعد تركي لخطيبي مباشرة، غيرّ الطبيب معاملته لي، وبدأ يلمح لي بأشياء جنسية ولفظية سيئة، وأحياناً يضع يده على ساقي من باب المزاح».

تغاضت دلال عن التحرش بسبب اقتناعها بفاعلية العلاج، حتى اكتشفت خداعه من خلال حديثه مع أحد أصدقائه الذي حضر للعيادة وشاركه شرب الكحول. بدأ معالجها في التفاخر بنجاحه في ممارسة الطب النفسي بدون أي دراسة وقال أنه درب نفسه من خلال القراءة.

تقول دلال: «لقد صعقت عند سماعي ذلك. حتى أنه أهداني أحد الكتب التي قرأها وأخبرني أني من الممكن أن أصبح طبيبة مثله».

قررت دلال بعد اكتشافها الصادم أن تصادق المرضى المترددين على العيادة لتعرف أكثر عن ممارسات «طبيبها». اكتشفت دلال أنه يصف نفس الدواء المضاد للإكتئاب، لوسترال، وهو يمكن الحصول عليه في الصيدليات بدون توصية طبيب، لجميع الحالات.

تقول دلال: «أكثر ما أزعجني هو كوني اقتنعت به كطبيب في البداية، فهو متحدث جيد مع النساء وأغلب مرضاه من النساء».

زار مراسل «آسيا تايمز» وإثنين من أصدقائه طبيب دلال للتحقق من روايتها. بعد جلسة واحدة مع كل منهم مدتها 45 دقيقة كلفت 100 ليرا (17 دولار) وصف الطبيب بالفعل دواء اللوسترال لهم جميعاً بالرغم من وصف كل منهم لأعراض مختلفة. أهدى ال«طبيب» للزائرة التي شاركت في التجربة عدة علب من السجائر. شخص «الطبيب» الزائرين الثلاثة بالقلق المزمن.

عانت شيرين، وهي شابة سورية أخرى تبلغ من العمر 35 عاماً  وتقيم في إسطنبول منذ أربعة أعوام، كثيراً على يد الأطباء النفسيين المزيفين.

وجدت شيرين في البداية العلاج الذي وصفه لها الطبيب الذي زارته في إسطنبول ناجح، لكن بعد فترة من استخدامها للدواء الذي وصفه لها بدأت تصاب بتشنجات جسدية. عند زيارتها لطبيب آخر، حذرها أن الأدوية التي كانت تستخدمها غير ملائمة لها ومن الممكن أن تسبب مضاعفات خطيرة.

بعدها، اكتشفت شيرين تحذيرات من طبيبها السابق عبر صفحة على فيسبوك خاصة بالسوريين في تركيا، اتهمه فيها رواد الصفحة بالتسبب في تفاقم متاعبهم النفسية.

جروح غير مرئية

كان للحرب المستمرة في سورية آثار حادة طالت نفسية شعبها وخاصة الأطفال والشباب. وجدت دراسة لمنظمة «أنقذوا الطفولة» بعنوان «جروح غير مرئية» في 2017 أن 84% من الأطفال السوريين يعانون من الضغط العصبي، و 81% منهم أصبحوا أكثر عدوانية، فيما يعاني 71% منهم من التبول اللاإرادي.

وجدت دراسة لجامعة «مرمرة» التركية في 2018 أن 60% من الأطفال اللاجئين في تركيا يعانون نفسياً نتيجة تعرضهم لصدمات في سوريا، تظهر في إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب. أوضحت الدراسة أن البالغين أيضاً يعانون من متاعب نفسية.

وصفت المعالجة النفسية آية مهنا خدمات العلاج النفسي في تركيا بال«كارثية»، وأكدت انتشار ظاهرة انتحال صفة الطبيب النفسي بهدف التربح، وهي ظاهرة منتشرة في مدينة عينتاب واسطنبول وكلس، بحسب مهنا. تضيف المعالجة:

«المشكلة الأكبر التي نتعرض لها حالياً هي أن أغلب الأطباء النفسيين، دائماً ما يشخصون أي مريض سوري بأنه مصاب باضطراب ما بعد الصدمة، مع أنّ هنالك أمراضاً أخرى قد يعاني منها المريض».

تقول مهنا، وهي توفر تدريب للشباب السوريين على توفير الرعاية المبدئية للأشخاص الذين يعانون من الصدمة، أنها اكتشفت أن شابين من الذين تدربوا معها حولوا هذه المعرفة المحدودة لمشروع ربحي. افتتح الشابان، رغم افتقادهما للدراسة أو التدريب المطلوب، مركز للعلاج النفسي ومنع الانتحار، وبدأوا في الدعاية له عبر صفحات الفيسبوك. تقول مهنا أن الشابان بدآ أيضاً في تدريب متطوعين على العلاج النفسي.

تعامل بدر الدين الأحمر، وهو مرشد نفسي في فريق أمان التطوعي الذي يوفر خدمات نفسية في إسطنبول، أيضاً مع العديد من المعالجين النفسيين المزيفين في تركيا.
يقول الأحمر: «أحد هؤلاء الأشخاص قام بافتتاح مركزين للعلاج النفسي في اسطنبول رغم أنه لا يملك أي خبرة في هذا المجال، لكن يبدو أنّ لديه قدرة كبيرة على التحايل على الناس».

حتى الآن استطاعت هذه العيادات التي يديرها أشخاص غير مؤهلون من العمل بدون تدخل الحكومة التركية.

يقول الأحمر: «لم تتخذ الحكومة التركية أي إجراء ضد هؤلاء، وهو ما زاد من عددهم».

يضيف الأحمر أن النساء تواجه خطر مضاعف، حيث، بجانب الضرر الناتج عن العلاج الخاطئ، الكثيرات يتعرضن للتحرش الجنسي على يد الأطباء المزيفين. .