أحدثت  فرقتان شبابيتان كوريتان ضجة كبيرة في الساحة الموسيقية العالمية:  فرقة “بي تي أس” المكونة من شباب وفرقة “بلاكبينك” النسائية. تفجرت شهرة الفرقتين مؤخراً بعد تحقيقهما أرقام قياسية في عدد المشاهدات على موقع يوتيوب في ال24 ساعة الأولى.

حققت فرقة “بلاكبينك” رقم قياسي أولاً بأغنية “اقتل هذا الحب” التي حققت 56.7 مليون مشاهدة في يوم واحد، ثم حطمت “بي تي إس” هذا الرقم بعد يوم واحد بأغنية “أولاد مع الحب” التي تخطتها ب20 مليون مشاهدة إضافية. قدمت الفرقتان عروض في محافل أمريكية مهمة: أدت “بي تي إس” في برنامج “ساترداي نايت لايف” الشهير، واعتلت “بلاكبينك” مسرح مهرجان “كوتشيللا” الموسيقي.

هل أصبح البوب الكوري، الذي شهد توسع في السنوات الماضية زأصبح يعرف بال”كي بوب”، نوع موسيقي عالمي؟ أم أن العالم ببساطة انبهر بفرقة “بي تي أس” واستفادت “بلاكبينك” من هذا الاهتمام؟

مع الاعتذار ل”بلاك بينك”، ولكن…

تشأت الفرقتان من نفس المكان وكثيراً ما يتم ذكرهما معاً. ولكن بالنسبة لأرقام المبيعات، فالفرق بينهما كبير.

في 2019، أصبح  ألبوم “بلاكبينك” الأعلى مبيعاً في يوم واحد لفرقة نسائية في يوم واحد، ب78 275 نسخة، بحسب جدول هانتيو، الذي يصنف الأغاني الأعلى مبيعاً في البوب الكوري. أما “بي تي أس”، فقد باعت 2.6 مليون نسخة من ألبومها الأخير مقدماً قبل طرحه في الأسواق، بحسب تصنيف “بيلبورد” الأمريكي.

بالإضافة لذلك، ف”بي تي أس” تشكل ظاهرة في حين لا يمكن قول نفس الشيء عن “بلاكبينك.”

قامت “بي تي أس” الشهر الماضي، في ظهور ببرنامج حواري أمريكي يستضيفه المذيع ستيفن كولبرت، بتأدية أغاني لفرقة “بيتلز” الأيقونية، والتي تم مقارنتهم بها كثيراً من حيث تأثيرهم على معجبيهم وبصمتهم الكبيرة على ساحة البوب. كان أداءهم مقارب عن قصد لعرض فرقة “فاب فور” الذي هز العالم في 1964 في برنامج المذيع إد سوليفان.

فرقة “بلاكبينك” حصدت ملايين المشاهدات على يوتيوب واستطاعت ملء قاعات حفلاتها بعشرات الآلاف  من المشاهدين، إلا أن من الصعب مقارنتها بالضجة التي أثارتها “بي تي أس”، التي تعتبر أكبر فرقة موسيقية في العالم اليوم وأهم فرقة  ترفيهية آسيوية على الإطلاق في التاريخ الحديث.

في ما يخص النظرة النمطية للجندر، لا تملك “بلاكبينك” مساحة كبيرة لتغيير الوضع، بعكس “بي تي أس” وفرق كورية شبابية أخرى، والتي تقلب الأفكار النمطية عن الذكورة في آسيا والعالم رأساً على عقب.

صورة جديدة للذكورة

يسأل مايكل هورت، أستاذ الدراسات الثقافية في جامعة “هانكوك” للدراسات الخارجية في سول: “كيف نحرك الأنماط الجندرية؟” ويجيب: “أحد السبل لذلك هو أن ترتدي النساء ملابس رجولية، ولكن هذا ليس جديد.على العكس، تقوم آسيا بابتكار تعريف جديد للجاذبية الجنسية للرجال.”

في عصر التواصل الاجتماعي الحالي، حيث أصبح الحياد الجندري والمرونة في الهوية الجندرية مواضيع تحظى باهتمام كبير، تعيد فرق الشباب الكورية تعريف الذكورة بمفهوم “فتى الورد”، وهو تعبير انتشر في عالم الترفيه الكوري في السنوات الماضية ويشير للرجل الذي يملك صفات عادة ما يتم ربطها بالأنوثة، كالجمال والنقاء والرقة.الرجال في مجال البوب الكوري يقومون بأشياء مرتبطة منذ زمن بعيد بالأنوثة: مثل ارتداء الفساتين والتزين والتصرف بدلال وإظهار مشاعرهم.

عند بعض الرجال الغربيين، يتم تصنيف هذا النوع من الذكورة بالمثلية. إلا أن من الواضح أن لهذه النسخة من الرجولة الكثير من المعجبات.

وكما قال المدون الذي يستخدم إسم “إسأل كوري”، هناك عشرات الآلاف من الفتيات والنساء اللاتي يصرخن بأسماء أعضاء الفرق الكورية أثناء حفلاتهم، فكيف يمكن نعتهم بنقص الذكورة؟

يعتبر هورت صيحة “فتى الورد” نوع جديد من “الذكورة المفرطة” ويقارنها بعرض أزياء: ترتدي العارضات في عروض الأزياء ملابس ليست مصممة للاستخدام العادي، إلا أنها سوف تحدد الصيحات والحديث في العالم الحقيقي.

في مقابل تقديم الفرق الشبابية لصورة مختلفة من الذكورة، مازالت الفرق النسائية حبيسة النظرة الجنسية الموجودة منذ الأزل. الشباب يتحدون السائد، والفتيات يعززوه.

يقول هورت: “عرض البنات الجميلات الراقصات هي وصفة قديمة، لقد تم استنزاف قدرة الجسد النسائي على تحقيق الربح”.

بالفعل، لقد استُنفذت هذه الوصفة. بجانب عجزهم هن تغيير الصورة الجنسية عن المرفهات، تتعرض نجمات البوب في منازلهن لضغط لا يتعرض له أقرانهن من الصبية.

يقول جون لي، الأستاذ في قسم الإجتماع بجامعة يو سي بيركلي، لآسيا تايمز: “بلاكبينك أصعب في تسويقها عن بي تي أس. فرق الشباب تعكس صورة توحي بأنهم ذوو بنيان قوي وأنهم شباب رومانسي ولطيف. وهو عكس حقيقة المجتمع الكوري الجنوبي، الذي يحمل في جوهره ذكورية وتحيز للرجال.”

لذلك بينما تجلب فرق الشباب الجديد، تبقى فرق البنات عالقة.

يكمل لي: “بينما تحيد الفرق الشبابية عن الثقافة الكورية السائدة، تبقى الفرق النسائية أقرب لانعكاس للمجتمع الكوري. في البوب الكوري، النساء رقيقة، جذابة، خانعة. ليس هناك تعارض بين الصورة التي يتم تقديمها وتوقعات المجتمع الكوري الجنوبي لتصرفات النساء”.

بالرغم من صورتهم العامة الرقيقة، في استطاعة “فتية الورد” أن يرتكبوا أفعال سيئة جداً. يشير لي لأن الفضيحة التي تنكشف الآن عن تورط عدة نجوب للبوب الكوري في شبكة اتجار جنسي ومخدرات ورشوة تتمركز في نادي “بورنينج سن” الليلي في مقاطعة جانجنام الرائجة، يكشف عن النفاق في الصورة المثالية لبعص نجوم هذا النوع الموسيقي.

ولكن من المرجح ألا تؤثر الفضيحة في شعبية هذا النوع الموسيقي بشكل عام. في النهاية، فالفرق الأهم مثل “بي تي أس” و”بلاكبينك” ليست متورطة في الفضيحة. السؤال الآن هو، ما الذي سيدفع هذا النوع الموسيقي للأمام؟

من مؤدين لفنانين

بحسب برني شو، الذي يعمل بوكالة توزيع البوب الكوري “دي إف إي بي كوليكتيف” بسول، مستقبل هذا النوع الموسيقي لا يتوقف على مسائل الجندر، ولكن على قدرته على أن يصبح عالمي بحق. من هذا المنطلق، يعتبر كل من “بي تي أس و”بلاكبينك” خطوة في اتجاه مستقبل جديد.

يقول تشو: ” أعضاء بي تي أس يستطيعون الغناء، تأدية الراب والحديث بطلاقة بالكورية والإنجليزية واليابانية، بلاكبينك لديها أعضاء يستطيعون التواصل بالصينية والتايلاندية أيضاً. علاوة على ذلك، بعكس معظم الموسيقى الآسيوية، عادة ما يتم كتابة أسماء الفنانين والأغاني في البوب الكوري باللغتين الكورية والإنجليزية”.

بالنسبة للمسئولين في صناعة الموسيقى، يمثل كل من “بي تي أس” و”بلاكبينك” نوع جديد من البوب الكوري لا يعتمد فقط على وجود مغنيين وراقصين مدربين على مستوى عالي. “بي تي أس”، بحسب شو، “فنانين حقيقيين يلعبون دور مهم في كتابة الكلمات وتأليف وإنتاج أغانيهم الناجحة”. و”بلاكبينك” أيضاً، يتعدون حدود الفرق التي سبقتهم والتي تعتمد على جمال الفتيات بشكل أساسي.

مقارنة بفناني البوب الكوري السابقين لهم الذين كانوا بمثابة منتجات يتم صنعها بحرفية في عملية تشبه خط الإنتاج، “بي تي أس” و”بلاكبينك” يبينون أن الأمر الآن يتمحور حول كون النجوم فنانين وليس مؤديين فقط.