من ربة منزل لعاملة توصيل، من معلمة لعاملة في صالون تجميل، من فنانة لتاجرة مخدرات، هذه بعض الاختيارات الصعبة التي أجبرت عليها نساء سوريات بعد انتقالهن لتركيا وانقطاع سبل المعيشة.

بعد انتقالها لاسطنبول، وجدت حلا*، التي درست الفنون الجميلة في دمشق، صعوبة في تدبير إيجار الغرفة التي تقيم فيها في شقة مشتركة.

تقول حلا، 30 عام: “كانت الحياة صعبة جداً، في بداية الامر عملت كبائعة ثم كنادلة في أحد المطاعم، لكنني، بسبب كوني سورية، تعرّضت لكثير من التحرش دفعني للتوقف عن العمل والبحث عن مصدر رزق آخر”.

بعد تخبط دام لمدة عام ونصف، قررت حلا استثمار علاقاتها الواسعة بالسوريين في اسطنبول والانخراط في مهنة خطيرة: بيع الماريجوانا.

تحكي حلا: “كان هنالك شاب تركي لطيف في المنزل الذي أسكن به، وكان يدخن الماريجوانا، سألته عن سعرها واكتشفت أنه يشتريها بسعر أرخص من باقي أصدقائي، فقررت أن أشتري منه القليل كي أوزعها على أصدقائي، على أمل الحصول على مبلغ بسيط من المال يمكنني من دفع إيجار غرفتي”.

تقوم حلا بتخبئة الماريجوانا في ملابسها الداخلية أثناء التوصيل. في البداية كانت تتنقل مشياً على الأقدام لتوفير تكلفة المواصلات إلا أنها الآن تستخدم دراجة.

تقول: “لا أحقق أرباح كبيرة ، فمعظم زبائني هم أصدقائي ولا أبيع لأي شخص لاأعرفه”.

بجانب خوفها من القبض عليها من قبل الشرطة التركية والزج بها في السجن، تشعر حلا بالرعب من أن يعلم والداها في دمشق عن تحولها للتجارة في المخدرات بعد تخرجها من الجامعة.

تقول حلا: “مع بداية كل يوم يراودني حزن كبير على مستقبلي وحياتي، لم أتوقع أنني يوماً ما سأكون بائعة مخدرات في إسطنبول، كان هدفي أن أكون رسامة سورية يعرفها الجميع”.

تعيش حلا في رعب مستمر، تصفه قائلة: “في كل مرة أخرج فيها من المنزل وأنا أحمل كمية من الماريجوانا في ثيابي الداخلية، أشعر بأن الدنيا كلها تلاحقني، ومع كل يوم أدعو الله أن أترك هذا العمل وأعود للوحاتي وحياتي الطبيعية، لا أعلم إن كنت يوماً ما سأخبر أطفالي بأنني عملت كبائعة مخدرات”.

فقدان المعيل

بين 3.5 مليون لاجيء سوري في تركيا هناك عدد كبير من النساء اللاتي فقدن أزواجهن   الذين قتلوا أو اعتقلوا أو اختفوا أثناء الحرب. تتركز غالبيتهن في اسطنبول والمدن الحدودية كغازي عينتاب وأورفا والريحانية.

حصل السوريون على حق العمل في تركيا نتيجة الحماية المؤقتة التي منحتها لهم الحكومة  التركية.

اقتحمت اللاجئات مجالات كثيرة لتامين قوتهن وقوت أولادهن، من عاملات في المصانع والمعامل، لموظفات في المطاعم والمحلات، لمقدمات خدمات مثل تنظيف المنازل أو الطبيخ المنزلي، كما افتتحت بعضهن مشاريع خاصة مثل التجارة الالكترونية.

أم أبراهيم*، سورية تبلغ 55 عام وتعيش في اسطنبول مع إبنتها منذ 2015، اضطرت للعمل لأول مرة في حياتها بعد تركها سوريا. منذ حصوولها على إقامة سياحية، تسافر أم إبراهيم لدمشق عبر بيروت بشكل متكرر حاملة حقيبتين كبيرتين من البضائع التي تنقلها كخدمة مدفوعة تغطي تكلفة التذكرة التي تحتاجها لزيارة إبنها في العاصمة السورية.

تقول أم إبراهيم: “الحمد لله الناس هنا في إسطنبول تحبني وتثق فيّ كثيرًا، لذلك بات العديد منهم يتعاملون معي، ويقومون بإرسال الثياب والهدايا لعوائلهم وأحبتهم في دمشق”.

ترتدي أم إبراهيم نظارتها الطبية وتقوم بلصق بطاقات صغيرة على كل قطعة بإسم صاحبها لضمان تسليمها بدون أخطاء.

من مدرسة لمدلكة

نور* شابة سورية تبلغ من العمر 34 عام، وكانت قد تخرجت من جامعة دمشق وعملت كمدرّسة للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الإعدادية في العاصمة دمشق قبيل قدومها إلى تركيا في 2015. واجهت نور العديد من المصاعب في بلاد اللجوء ولم تأت شهادتها الجامعية بأي نفع عليها كما تقول:

” كنت أعمل كمدرسة والجميع يحترمني،وكان معظم طلابي من المتفوقين، لكنني لم أتمكن من العثور على أي عمل مناسب في إسطنبول”.

اتجهت نور للعمل كمدلكة في مجمع جواهر الشهير. تقول: “لا أنكر أنّ الموضوع يزعجني كثيراُ، ففي بعض الأحيان أشعر بالدونية نتيجة معاملة بعض الزبائن لي، ولكنهم لا يعلمون أن تحصيلي العلمي أفضل من غالبيتهم، لكنّ الظروف هي من وضعتني هنا”.

كانت نور قد هربت من سوريا بعد قيام أحد العناصر العسكرية بالتحرش بها وتهديدها بالاعتقال ما لم تستجيب لرغباته، بحسب روايتها.

تقول نور: “لم أخبر عائلتي بأنن أعمل في المساج،بل أخبرتهم بأنني أصبحت أفضل مدرّسة للغة الإنكليزية في تركيا كلها”.

*تم تغيير أسماء صاحبات القصص بناء على طلبهن.