تواجه السلطات في ماليزيا ضغطًا من الرأي العام لاتخاذ خطوات ضد الداعية المتطرف ذاكر نايك، وهو داعية إسلامي هارب من الهند إثر اتهامات بالتطرف وغسيل الأموال. وبدأت الضغوطات على السلطات الماليزية بعدما اقترح نايك أن يتم طرد المواطنين الماليزيين ذوي الأصول الصينية من ماليزيا، وهم أقلية بالبلاد.

ادعى نايك خلال حديثه في فعالية في ولاية كيلانتان يوم الثامن من أغسطس/آب، أن الأقلية الهندوس بماليزيا تتمتع بـ 100 ضعف الحقوق التي يتمتع بها الأقلية المسلمة بالهند، لكن الأخيرة أكثر دعمًا لرئيس وزراء بلادها من الهندوس لمثيله الماليزي.

ثم تطرق نايك في حديثه إلى  ذوي الأصول الصينية بماليزيا، والذين يمثلون 21 بالمئة من السكان، داعيًا إلى ترحيلهم، ما أثار حفيظة ماليزيين تزايدت مطالبتهم بترحيله هو من ماليزيا، حيث يقيم بشكل دائم رغم مطالبات الهند بتسليمه.  

“أتعلمون، وصفني أحدهم بالضيف. لذلك رددت بأن الصينيين من قبلي كانوا ضيوفًا أيضًا،. إذا أردتم أن يذهب الضيف الجديد أولًا، اطلبوا من الضيف القديم الرحيل”، كما قال نايك. “الصينيون لم يولدوا هنا، في أغلبهم. ربما يكون هذا صحيحًا فيما يخص الأجيال الجديدة، نعم”.

لكن لاحقًا زعم الداعية المتطرف، البالغ من العمر 53 عامًا، أن كلامه لم ينقل بدقة، وذلك بالرغم من وجود تسجيلات صوتية لتعليقاته. كما هدد نايك أن يقاضي منتقديه بتهمة القذف.

منذ ذلك الحين، منعت الشرطة الداعية الهندي من إلقاء خطاباتٍ عامة، معللة قرارها بضرورات  الأمن الوطني والحفاظ على التناغم العرقي. ويتم التحقيق حاليًا فيما إذا كانت آراء نايك تمثل إنتهاكًا للقوانين المحلية أو تعتبر إهاناتٍ تمثل “خرقًا للسلام”. إذا ثبت الأمر قد يواجه نايك عقوبة تصل إلى السجن عامين.

رئيس مؤسسة البحوث الإسلامية ومؤسس قناة السلام، ذاكر نايك، خلال حوار صحفي في إسطنبول، تركيا، بتاريخ 23 مارس/آذار 2017.
AFP Forum via Andalou Agency/Salih Zeki Fazlioglu

ويعد الحديث عن العرق والدين أمرًا ذا حساسية في ماليزيا، التي تتكون من أعراق متعددة. واعتبر الرأي العام بماليزيا أن تعليقات الداعية الهارب تهدف إلى إثارة الخلاف بين الأعراق المختلفة. وتوجه غضب الرأي العام رئيس الوزراء مهاتير محمد بتساؤلٍ عن كيفية التعامل مع هذا الأمر، الذي قد توظفه المعارضة اليمينية لإظهار أن حكومة مهاتير متعددة الأعراق لم تدافع عن الإسلام بشكل كافٍ.

“يمكن لدُعاة الدين أن يعظوا، لكن نايك لم يكن يعظ بل  كان يتحدث عن إعادة ذوي الأصول الصينية إلى الصين، وذوي الأصول الهندية إلى الهند.هذه ليست عظة بل هي موقف سياسي”، حسب قول مهاتير في مؤتمر صحفي بتاريخ 18 أغسطس/آب. “ما قاله أمرًا سيئًا. الناس هنا يحاولون جاهدين ألا يقولوا تلك الأشياء. حتى أنا لا أجرؤ أن أقول أمرًامماثلًا”.

وحذر رئيس الوزراء البالغ من العمر 94 عامًا في وقت سابق من أن نايك قد يقتل إذا أعيد إلى بلده. وكان مهاتير قد أشار في أوقات مختلفة إلى أن نايك يمكنه الإقامة في ماليزيا طالما احترم القوانين المحلية. وكانت كوالالامبور – العاصمة الماليزية – قد رفضت في وقت سابق تسليم الداعية الهندي إلى بلاده بعد طلبات متكررة من الهند بتسليمه.  وعللت ماليزيا رفضها تسليم الداعية بأن لديها شكوكًا في إمكانية تلقيه محاكمة عادلة.

ذلك أنه في الهند زادت مؤخرًا جرائم الكراهية ضد الأقليات وعدم التسامح الديني، خاصة تجاه المسلمين، تحت حكم حزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا)، ممثلًا من خلال رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وفشل نايك في مطالباته بضمانات مكتوبة من السلطات الهندية بألا يتم حبسه أثناء محاكمته في حال عودته إلى بلاده.

ويوم 20 أغسطس/آب، أصدر الداعية اعتذارًا عن أي أذىً تعرض له غير المسلمين من جراء خطابه، ونفى إتهامه بالعنصرية، كما وصف نفسه بأنه في “مهمة لنشر السلام في العالم”. لكن يعتقد المحللون والمراقبون أن السلطات في ماليزيا تميل إلى اتخاذ إجراءٍ ضده بعد الغضب العارم الذي تسببت فيه آراء نايك.

“يبدو أن هنالك تغييرًا في موقف رئيس الوزراء عن مواقفه السابقة”، بحسب قول المحامي سياهردزن جوهان. “داخل مجلس الوزراء، تأتي الأصوات ضد نايك، . أعتقد أن الاتجاه العام لم يعد في صالحه”.

رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد يلقي خطبة خارج كوالالمبور في 7 يناير/كانون الثاني 2018. صورة: AFP/Mohd Rasfan

وتلقى سياهردزن – وهو مساعد ليم كيت سيانگ، السياسي في حزب الحراك الديمقراطي – تهديدًا بالقتل بسبب اقتراحه سحب الإقامة الدائمة من نايك، وذلك بحسب تصريحه لآسيا تايمز. وألقت الشرطة القبض على شاب يبلغ من العمر 28 عامًا بسبب شكوك حول علاقته بذلك التهديد. ويتم التحقيق حاليًا مع الشاب المحتجز في تهمة الترهيب الإجرامي.

وأضاف سياهردزن لآسيا تايمز إنه “فيما يتعلق بالحديث عن ذلك الأمر، فلن أسمح بمنعي من إبداء رأيي”. “يوجد تخوف من أن نايك قد لا يتلقى محاكمة منصفة في الهند. ولا أقول إنه لن يتمكن من تلقي محاكمة عادلة، لكننا لا نريد أن نكون في موقف حيث تسلم الحكومة الماليزية نايك إلى مكان يكون أمنه الشخصي فيه مهددًا”.

“كي يتم تجنب هذا الأمر، اقترحت أنه ما يمكننا فعله هو سحب إقامته الدائمة وإعطائه الخيار فيما يتعلق بأي بلد يتوجه إليه بعد ذلك”.

وانتشر هذا الاقتراح فيما بعد خاصة بين المسؤولين الحكوميين الذين يطالبون بإعادة النظر في وضع نايك.

وتصل خطابات الوعظ التي يلقيها نايك باللغة الإنكليزية إلى أكثر من 17 مليون متابع على موقع فايسبوك، وهي أيضًا واسعة الإنتشار بين مسلمي ماليزيا. ويقول النقاد والمراقبون فيالمجتمع المدني إن الداعية الهندي ينقل تفسيرًا حصريًا للإسلام، يعرف بإسم السلفية، وهو ما يتناقض مع تعاليم وممارسات الإسلام التقليدية في ماليزيا.

ويواجه نايك اتهامًا بالترويج لآراء سلبية عن: غير المسلمين، ومناهضي إعدام المثليين ، والمسلمين الذين يغيرون دينهم، ، بالإضافة إلى ترويج آراء أصولية أخرى.

وفي خطة وعظ عام 2006/ ادعى نايك أنه إذا كان أسامة بن لادن – الذي توفي لاحقًا – يرهب أمريكا وهي الإرهابي الأكبر، “إذًا أنا معه…وعلى كل مسلم أن يكون إرهابيًا”.

وبينما ندد نايك بتنظيم الدولة الإسلامية، المعروف باسم داعش، ادعت تقارير صحفية أن أحد أتباع الداعية الهندي كان من بين  منفذي هجوم مسلح لداعش عام 2016 – على مخبز في دكا عاصمة بنغلاديش أدى حينها إلى مقتل عدة أشخاص أغلبهم من المغتربين.

كما حجبت سريلانكا قناة تليفزيونية أنشأها نايك بإسم تلفزيون السلام، وذلك في أعقاب تفجير نُفذ في أحد الفصح، كانت داعش قد أعلنت مسؤوليتها عنه في وقت سابق من العام الحالي.

وحصل نايك على الإقامة الدائمة في ماليزيا عام 2015 من قبل إدارة رئيس الوزراء السابق نجيب رزاق، وهو ما اعتبره الرأي العام وقتها علامة على تمكين الإسلام السياسي على يد هذه الإدارة.

وبينما اعترضت الأقلية الهندية – التي تمثل 5.7 بالمئة من السكان – على وجود نايك، استقبله بحفاوة وقتها المسؤولون الماليزيون والباحثون الإسلاميون. وقابل نجيب بنفسه الداعية الهندي فيما أعلن أعضاء حزبه – كما تلقى نايك وقتها دعم الحزب الحاكم، حزب المنظمة المالاوية القومية المتحدة (أمنو).

Malaysia's Prime Minister Najib Razak gestures as he speaks during a rally against US President Donald Trump's decision to recognize Jerusalem as the capital of Israel, in Putrajaya, Malaysia December 22, 2017. Photo: Reuters/Lai Seng Sin

رئيس وزراء ماليزيا السابق رزاق نجيب في مسيرة ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. الصورة بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2017. المصدر: تويتر.

كما برز الحزب الإسلامي لعموم ماليزيا – وهو حزب يسعى إلى تحويل ماليزيا إلى دولة إسلامية – كأحد أكبر داعمي نايك. وأصبح الحزبان الآن في تحالف فضفاض يعارض مهاتير محمد ويتهم إدارته بالفشل في حماية حقوق المسلمين الملاويين وفي الدفاع عن الإسلام.

وقال سياهردزن إن الحكومة “ترغب في التعامل مع الموقف بأكبر قدر ممكن من الحساسية، لأنهم يدركون أن هذا الرجل له أتباع كثر، وأن هنالك بُعدًا سياسيًا لتلك القضية “، مضيفًا أنه “كلما ظهروا بأنهم يتخذون موقفًا من نايك أو حتى يظهرون أي مشاعر سلبية تجاهه، كلما استخدم حزبا المعارضة هذا الموقف كدليل على أن الإسلام مهدد”.

“ويدعم  حزبا المعارضة ذاكر نايك ليس  اقتناعًا بما يقول لكن كرمز”، حسبما ادعى سياهردزن. “إذا تم سحب إقامته الدائمة، أؤكد أن أحزاب المعارضة، ومنظمات المالاويين المسلمين سوف يوظفون هذا الأمر في معركتهم مع الحكومة. بالتأكيد ستواجه الحكومة تصديًا لمثل هكذا قرار.”.

ويعتقد مصطفى عز الدين، وهو محلل سياسي في معهد دراسات جنوب آسيا التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، أن الحكومة سوف تتعامل مع الداعية بحذر شديد. بينما توجد آراء مختلفة حول معضلة نايك، إلا أن القرار الأخير – فيما يتعلق بطرده – بيد رئيس الوزراء الماليزي. 

“الموضوع يعود إلى  مهاتير، وبالتالي مستقبل ذاكر نايك في ماليزيا بيده. ليس مفاجئًا إذًا أن نايك تراجع وأعتذر، حيث يفضل أن يظل بماليزيا محتفظًا بإقامته الدائمة”، بحسب عز الدين الذي أضاف: “تحول الأمر إلى أنه ظل بماليزيا أكثر من المفترض”.

“إذا كان الاحتفاظ بنايك أمرًا ذا منفعة سياسية، فلن تتخذ الحكومة موقفًا حاسمًا”.

Members of the United Malays National Organization (UMNO) listen to a speech by Malaysia's Prime Minister Najib Razak during its general assembly in Kuala Lumpur, Malaysia December 7, 2017. REUTERS/Lai Seng Sin

أعضاء حزب المنظمة الملايوية القومية المتحدة (أمنو) يستمعون لرئيس الوزراء السابق رزاق نجيب في كوالالمبور بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 2017. المصدر: فايسبوك.

لكن إذا قررت الحكومة أن الداعية الإسلامي قد استنفذ منفعته السياسية “سوف يضطر لترك ماليزيا أو على الأقل سوف تسحب إقامته الدائمة”، بحسب قول عز الدين.

قد يهدد هذا الأمر الداعية، وربما لا يمثل له تهديدًا،لكن يقال إن نايك حصل على الجنسية السعودية عام 2017، وحتى الآن تمكن من الهروب من السلطات الهندية، منذ أن بدأت التقصي عنه وعن مؤسسته غير الهادفة للربح – مؤسسة البحوث الإسلامية – بسبب إدعاءات بالترويج للإرهاب عام 2016.

ولم يُصدر الإنتربول نشرة حمراء ضد نايك حتى الآن، وذلك على الرغم من محاولات الهند الدفع بأن  يتم اعتبارههاربًا دوليًا. وبالتالي، لا يزال نايك يمكنه السفر إذا غادر ماليزيا أو إذا تم سحب إقامته الدائمة بها.