في قلب وادي بنجشير في أفغانستان وأمام آلاف من متابعي أبيه، قدم أحمد مسعود نفسه الأسبوع الماضي باعتباره الشخصية القادرة على توحيد الشعب الأفغاني في مواجهة صعود حركة طالبان.

“في هذه اللحظة طالبان ثملون. هم يعتقدون أنهم منتصرون”، قال مسعود البالغ من العمر 30 عامًا لآسيا تايمز يوم الخميس الماضي قبل بدء التجمع.

“يحتاج أحدهم أن يفيقهم من الثمالة، ويعيدهم إلى الواقع، فالأمر لم يعد لصالحهم ولن يكون أبدًا”.

ويبدو أن الطالبان الذين أطاحوا بحكومة أحمد شاه مسعود عام 1996 قبل أن تتم الإطاحة بهم بعد واقعة 11 سبتمبر/أيلول، يشهدون لحظات جديدة من الانتصار.

وصرحت واشنطن بداية الشهر الحالي أنها على عتبات التوصل إلى اتفاق مع الطالبان بعد عقدين من الحروب، بالرغم من زيادة الهجمات المسلحة للحركة الإسلامية في كافة أنحاء البلاد.

إلا أن أيامًا بعد خطاب أحمد مسعود الإبن، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انهيار المحادثات مع طالبان بسبب قيامهم بهجمات مسلحة، ما اعتبره محاولة منهم لتقوية موقعهم التفاوضي خلال لقائهم المرتقب معه، والذي تم إلغائه.

وكان من المتوقع أن تتم المحادثات في اللقاء الذي تم الغاؤه حول  الاتفاقية التي انهارت والتي كانت تتضمن سحب الولايات المتحدة 15 ألف جندي من البلاد. وفي المقابل، على الطالبان أن تتوعد بعدم السماح لتنظيم القاعدة باستخدام أفغانستان كقاعدة لانطلاق هجمات مستقبلية ضد أمريكا.

وبينما تم تهميش الحكومة الأفغانية من المشاركة في المحادثات، وأثناء استعداد الطالبان لإنسحاب القوات الأمريكية، دخل مسعود إلى المشهد السياسي ليطرح نفسه كبديل عن الحركة المسلحة.

حشد من مؤيدي أحمد شاه مسعود أتى ليعلن دعمه لأحمد مسعود الإبن في وادي بنجشير بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 2019. Ali Nazary

طلب للقيادة

كان مسعود يبلغ 12 عامًا عندما تم اغتيال والده يوم 9 سبتمبر/أيلول 2001، من قبل مسلحّين تونسييّن يعتقد أنهما كانا يتبعان أوامر أسامة بن لادن.

في هذا الوقت، حُصِر في شمال البلاد التحالف الشمالي الذي كان يضم الفصائل المسلحة المعادية لطالبان والقاعدة بقيادة مسعود الأب.

حتى في هذه السن الصغيرة، كان مسعود الإبن واعٍ بإيمان الناس بأبيه.

“أتذكر في وادي بنجشير، حتى ونحن تحت حصارطالبان، وهم على بعد 100 كيلومترًا، كان الناس هادئين. كانوا يحمدون الله على وجود القائد مسعود”. ويردف أحمد أن الناس كانت لديها ثقة كبيرة في أبيه.

وتحسر أحمد مسعود على غياب مثل هذه الثقة في أفغانستان اليوم.

ويوجد شكوك حول الانتخابات الرئاسية المقبلة في أفغانستان المقرر انعقادها يوم 28 سبتمبر/أيلول، وسط تهديدات من طالبان واحتمالات بانسحاب المنافس الرئيسي. ووُصِمت الانتخابات السابقة بتقارير عن انتهاكات منها سرقة الأصوات وتهديدات للناخبين.

في المقابل، أحمد شاه مسعود الأب له وضعية الزعيم وصورته الحاضرة في أذهان الناس هي واحدة تمثل النزاهة والوطنية.

رياضي يرتدي تي شيرت عليه صورة لأحمد شاه مسعود، المعروف بإسم أسد بنجشير . الصورة في نادي رياضي في كابول في أفغانستان بتاريخ 4 مايو/آيار 2019.
Wakil Kohsar / AFP

إنه ذلك الحب الوطني “لأسد بنجشير” كما كان يُعرف، الذي يجعل داعمي الإبن يتوقعون منه أن يساهم في انتشار مؤيديه، في مشهد سياسي شديد الانقسام. 

ولتضحية والده تأثير كبير على مسعود فيما يتعلق بقراره خوض رهان سياسي محفوف بالمخاطر، على حد قوله لآسيا تايمز.

“رأيت جسمه المشرذم بعد الهجوم، ودائمًا أتذكر أنه تقبل الموت – توديع العالم – بسبب معتقداته وإيمانه. وأنا أشاركه هذه المعتقدات”.

عندما سئل عن حلفائه، رفض مسعود أن يحدد أسماءً بعينها، لكنه قال إن أشخاصًا مؤثرين  من خلفيات مختلفة تواصلوا معه.

“هم أشخاص كبار جدًا من خلفيات عرقية مختلفة، ويشاركونني القناعة بأن أفغانستان تمر بوضع غاية في الخطورة والحساسية – وهو الأمر الذي يتطلب جيلًا جديدًا من الناس كي يعالجوا الجروح القديمة”.

ويقول عبد الله أنس، وهو جهادي أفغاني قديم حارب مع مسعود الأب، إن الإبن يواجه مخاطر عديدة، إلا أن إرث أبيه يمنحه صورة إيجابية.

“لا يجرؤ أحد على معارضة أحمد مسعود علانيًة. تمثل معارضته عبئًا سياسيًا حيث تعني في أذهان الناس معارضة أبيه أيضًا”، بحسب ما قاله أنس لآسيا تايمز.

“لكن الدعم الحقيقي، والمساندة الحقيقية…ذلك ما سوف نشهده في المستقبل”.

بينما يبدو مسعود شابًا يافعًا ، إلا أن عبدالله يشير إلى أن والده كان أصغر منه عندما بدء حربه مع الاتحاد السوفيتي في السبعينيات من القرن الماضي. كما أن هذه ليست المرة الأولى التي تتسلط فيها الأضواء على أحمد مسعود، حيث قدم أول خطاب له في عمر 13 عام في ذكرى وفاة أبيه.

اكتسب أحمد مسعود خبرات في المنطقة وأوروبا، حيث أكمل تعليمه الثانوي في إيران قبل ذهابه للدراسة في أكاديمية ساندهرست العسكرية في بريطانيا.

ويقول أنس: “عندما بدأ والده، لم يكن مدركًا لما يحدث خارج أفغانستان.لكن أحمد يبدأ حركته الآن وهو على علم بإيران والعالم العربي. ودرس في لندن، ويتحدث لغة أخرى”، مضيفًا: “أعتقد أنه مستعد”.

على يمين الصورة أحمد شاه مسعود يوم 5 أبريل/نيسان 2001 في ستراسبورغ، وعلى اليسار أحمد مسعود الإبن يوم 25 أغسطس/آب 2019 في كابول.
Wakil Kohsar and Franck Fife / AFP

الفائز يحصل على كل شئ

عندما أتم زلماي خليل زاد، المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان، الدورة التاسعة من المحادثات مع طالبان في بداية الشهر الحالي، أعلنت الحركة مسؤوليتها عن هجمات مميتة في كابول، آخرها مصرع 10 أشخاص بعد تفجير سيارة مفخخة.

وبعد انتهاء المحادثات في الدوحة، كان من المقرر أن يسافر خليل زاد إلى كابول لإجراء مباحثات.

وقال خليل زاد في هذا الوقت إنهم على عتبات التوصل إلى اتفاق من شأنه الحد من العنف وفتح الباب للأفغان كي يجلسوا سويًا للتفاوض بسلام، للتوصل إلى دولة موحدة لها سيادة ولا تهدد الولايات المتحدة ولا حلفائها أو أي دولة أخرى.

وقال مسعود، قبيل انهيار المحادثات بين طالبان وواشنطن، إن المحادثات التي يصفها خليل زاد بأنها على وشك تحقيق اتفاق، لا تفيد التصالح على المستوى المحلي، لكنها على العكس.. تضع طالبان في وضع أقوى. 

ويرى مسعود أن الولايات المتحدة، باقصائها للحكومة الأفغانية والفصائل الأخرى عن المشاركة في تلك المحادثات فإنها فعليًا تجهز طالبان لأن تكون السلطة الرئيسية، وتغير موازين القوى لصالحهم في المحادثات المستقبلية مع الأطراف الأفغانية الأخرى.

“لا يهم كم الشروط التي يطلبون من طالبان الالتزام بها… فمجرد صدور أي صورة لأعضاء حركة طالبان مع أي مسؤول أمريكي يخرج طالبان منتصرين، وسوف يطلقون على أنفسهم المجاهدين الحقيقيين، والمقاومة التي انتصرت في الحرب”.

الجدير بالذكر، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن انهيار المحادثات مع طالبان بسبب قيامهم بهجمات مسلحة لما اعتبره محاولة منهم لتقوية موقعهم التفاوضي خلال لقائهم معه، والذي تم إلغائه.

ويعتقد مسعود أن تصور حصول الفائز على كل شيء هو معضلة تاريخية.

في مذكرات عبد الله أنس، واحد من رفقاء الأب، يحكي أحد أكثر القصص تعبيرًا عن اليوم الذي سلمت فيه الحكومة المدعومة من الاتحاد السوفيتي نفسها إلى المجاهدين المنتصرين، مطالبة فقط أن يتم السماح للأحزاب السياسية الأخرى بالمشاركة السياسية في الدولة الجديدة، حتى الشيوعيين، وهو الطلب الذي تجاهله مسعود الأب. ويحكي أنس أنه بالنظر للأمر الآن يدرك أن ذلك كان خطئًا 

ويشارك مسعود الإبن، رفيق أبيه في انتقاداته للماضي.

“عندما تحدثنا إلى السوفييت مباشرةً، لم نهتم بحكومة نجيب الله، ولم نهتم بالآخرين – كنا المنتصرين”.

لكن الفرق بين مجاهدين مسعود الأب وحركة طالبان هو أن الأخيرة تهدف إلى فرض تصور متطرف للإسلام على البلاد. 

أحمد مسعود يخاطب حشد من مؤيدي أبيه في بنجشير بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 2019.
Ali Nazary.

وقال أحمد مسعود في خطابه الخميس الماضي أمام الحشد الذي أتى ليسمعه في بنجشير إن أكبر مشكلة واجهتها أفغانستان على مدار القرنين الماضيين هي تركز النظام السياسي، حيث “تتمركز السلطة والثراء في يد شخص واحد ومدينة واحدة”.

ويعتقد مسعود أن اللامركزية قد تسمح بمزيد من العدالة في البلاد، كما يؤمن أحمد مسعود بالإسلام الوسطي والتسامح مع الآراء المخالفة.

لكن الأهم في اعتقاد مسعود أن الأفغان يتمنون شخصية قادرة على توحيدهم وإعطائهم الأمل، بغض النظر عن نتيجة محادثات السلام. وفي الفترة المقبلة يأمل أحمد مسعود أن يكتسب ثقة الشعب الأفغاني.