لاقت مشاهد لموظفة في متجر كوستكو الأمريكي، بعدما افتتح فرعه في الصين انتشارًا واسعًا الشهر الماضي، حيث ظهرت الموظفة مشدوهة وهي تنادي على المستهلكين بأن يلتزموا الهدوء. وكان يحيطها عددٌ كبير من المستهلكين يحاولون طلب الدجاج الروستو.

وانتشرت مشاهد مشابهة من داخل المتجر الاستهلاكي الضخم، الذي افتتح أبوابه في الصين بتاريخ 24 أغسطس/آب الماضي.

وسرعان ما امتلأت عربات التسوق بما كانت تحمله الأرفف من دمى الدببة العملاقة ومنتجات إلكترونية أيضًا.

كان محيط المتجر في أحد ضواحي مدينة شنغهاي مزدحمًا حتى أغلق أبوابه في المساء.

“بسبب الإزدحام في المتجر، وحتى نتمكن من خدمتكم بشكل أفضل، سوف يغلق كوستكو أبوابه مؤقتًا عصر يوم 27 أغسطس/آب. نرجو منكم تجنب زيارة المتجر في ذلك التوقيت”، بحسب بيان لكوستكو على موقعهم.

مبيعات التجزئة

بالمصادفة، أصدر مجلس الدولة في الصين إجراءات عديدة في نفس اليوم بهدف دفع مبيعات التجزئة التي تشهد تباطؤًا، وذلك خلال اجتماع دوري على مستوى مجلس الوزراء.

كان على رأس أولويات جدول الاجتماع، تباطؤ الاستهلاك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

تحاول بكين أن تجد حلًا طويل المدى لارتفاع الديون الشخصية في خضم حرب التجارة مع الولايات المتحدة. لكن في نفس الوقت، تسعى إدارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ إلى توجيه النموذج الاقتصادي نحو الصناعات والخدمات المعتمدة على التكنولوجيات الحديثة.

لكن تحقيق ذلك التوازن بشكل مناسب يأخذ أهميته من إعلان  مجلس الدولة عن ورقة سياسات، توصي الورقة بتحديث المجمعات التجارية المتهاوية وتحسين التسوق في أماكن المشاة وتشجيع شركات التجارة الالكترونية للعمل مع المصانع على المنتجات حسب الطلب.

المشترون يحاولون الوصول إلى منفذ الأكل بمتجر كوستكو لشراء الدجاج الروستو AFP / Hector Retamal

تهدف ورقة السياسات إلى تحفيز الإنفاق والتوسع في الأسواق الليلية وتحويل المصانع القديمة والمراكز الرياضية إلى أسواق ضخمة أو مجمعات ترفيه.

كما أشارت الورقة أيضًا إلى التخلص من القيود على مبيعات السيارات، والتي واصلت الانخفاض  في شهر يوليو/تموز للشهر الثالث عشر على التوالي.

“الصين وصلت إلى مرحلة مهمة تحتاج فيها إلى التحديث والتحول”، بحسب دونغ شيمياو، الباحث في المعهد الوطني للتمويل والتنمية، الذي تديره الدولة.

“يدخل الاستهلاك المحلي في مرحلة جديدة مدفوعة بالتكنولوجيا وارتفاع الجودة والخدمات. وأصبح الجيل الذي ولد في الثمانينيات والتسعينيات القوة الرئيسية للاستهلاك، وسوف ينضم إليهم أولئك الذين ولدوا في الألفينات”، على حد قول دونغ.

ويواجه الاقتصاد الصيني صعوبات تثير قلق العالم لتأثيره على النمو العالمي. كما تعاني دول الجوار أيضًا مثل سنغافورة.

إنتاج المصانع

وتظهر بيانات الجهاز القومي للإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي للصين حقق معدل نمو قدره 6.2 بالمئة في الربع الثاني، وهو أقل معدل نمو في الصين منذ بدايات التسعينيات.

وانخفض أيضًا إنتاج المصانع. ففي شهر يوليو/تموز تضاءل الإنتاج إلى أقل مستوى في 17 عامًا، بينما عانت مبيعات التجزئة بسبب وصول الأزمة إلى المستهلكين. وأضاف إلى تلك الصورة القاتمة انحسار الاستيراد إثر حرب التجارة بين الصين والهند.

“من المرجح أن تظهر بيانات الصين الضعيفة في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول. كما من المنتظر أن يتوجه صانعو القرار إلى الدفع باتجاه تيسير نقدي حاد” بحسب ما ذكره بنك ميريل لينش الأمريكي في مذكرة بحثية في شهر أغسطس/آب.

تواجه الطبقة الوسطى هذا التراجع والتي يقدر عددها بحوالي 400 مليون نسمة، أو – بحسب تصنيف الدخل السنوي – الأسر التي يتراوح دخلها بين 25،000 يوان (3،640 دولار) و250،000 يوان (36,400 دولار) سنويًا.

وقدر تقرير صادر عن البنك السويسري الأول “يو بي إس” وشركة برايس وتر هاوس كوبرز، أن الطبقة التي يتراوح دخلها السنوي بين 50,000 دولار و500,000 دولار يصل عددها إلى 109 مليون مستهلك.

لكن الزيادة في الاستهلاك يقابلها زيادة في الديّن الشخصي. ويقدر بنك التسويات الدولية أن ديون الأفراد سوف تصل إلى 6.8 تريليون دولار بنهاية العام الحالي، وهي زيادة 4 تريليون دولار مقارنة بعام 2016. يذكر أن التمويل العقاري استحوذ على نسبة كبيرة من هذه الزيادة.

“عادةً  ما تمر ديون الأسر الصينية دون أن تلاحظ، ولا يجب أن يكون هذا هو الوضع”، بحسب تقرير لشركة التصنيف الائتماني موديز صدر في ديسمبر/كانون الأول.

ويدفع التوجه العام حاليا باتجاه نمو  مبيعات التجزئة، على خلاف النموذج القديم الذي اعتمد على رفع الإنفاق على البنية التحتية، وهو الأمر الذي يثقل الحكومات بمديونيات ضخمة.

ومن المرجح أن يزيد الاهتمام بإنعاش الاقتصاد خلال النصف الثاني من عام 2019 والسنوات القادمة.

النمو الاقتصادي

“يظل الاستهلاك هو الدافع الأساسي، حيث مثل 60.1 بالمئة من النمو الاقتصادي في الصين خلال النصف الأول من العام”،حسب قول تانغ جيانوي، كبير الباحثين في مركز البحوث المالية في بنك الاتصالات، نقلًا عن صحيفة الصين اليومية المملوكة للدولة.

وأضاف تانغ: “المهم هو اللجوء إلى إجراءات تقوي الأجزاء الضعيفة وتحسن من دخول الناس. من المؤكد أنه يوجد مساحة كبيرة للنمو في الاستهلاك”.

وتابع تانغ: “أولًا تحتاج الدخول إلى أن ترتفع. ثانيًا، استهلاك الأسر والطلب على منتجات ذات جودة مرتفعة في زيادة وكذلك الطلب على الخدمات. لكن لا يزال الإنتاج المحلي للسلع عالية الجودة أقل من أن يغطي الطلب عليها”.

وسارعت الماركات العالمية إلى تغطية هذه الفجوة، وذلك في ظل استمرار بكين في سياسة “الانفتاح والإصلاح”. لكن في بعض الأوقات، انتهى بهم الأمر محصورين في متاهة البيروقراطية وغير قادرين على مواكبة الثقافة الصينية.

“لا يمكننا أن نترك رؤساء الشركات الأوروبية في الصين يعملون على أمل أن الإصلاح سوف يأتي”، على حد قول كارلو دييغو أندريا ، رئيس غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في شنغهاي، بنهاية العام الماضي.

ويساعد الحد من تلك القيود في إنعاش الاستهلاك لعديد من السلع، وليس فقط في دمى الدبب الضخمة والدجاج الروستو الطازج.