وجه طفولي، ابتسامة مشرقة، عينان لامعتان، هذه هي الطفلة المصرية جنة (5 أعوام) في صورة لها تبادلها آلاف المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة، لكن حياة الطفلة لم تكن بجمال صورتها، فالألم الذي تعرضت له لا يمكن أن يتخيله حتى أمهر كتاب أفلام الرعب، إذ اغتصبها خالها بحسب اتهامات بعض أفراد أسرتها، وعذبتها جدتها بطريقة بشعة بحسب ما توصلت إليه التحقيقات، فدخلت الطفلة المستشفى في حالة سيئة، قبل أن تفارق الحياة اليوم 28 أيلول/سبتمبر.

بعد ساعات حرجة قضتها “جنة” بين أيدي أطباء مستشفى المنصورة الدولي بمحافظة الدقهلية، توفيت الفتاة، وفق ما أكده سعد مكي وكيل وزارة الصحة في المحافظة، في اتصال هاتفي مع رصيف22.

وبحسب مكي، فإن سبب وفاة الطفلة التي عذبتها جدتها بحرقها بواسطة آلة حادة في أنحاء متفرقة من جسدها وفي أعضائها التناسلية، هو توقف عضلة القلب بينما كانت الطفلة داخل العناية المركزة، مؤكداً أن أطباء المستشفى حاولوا إنقاذها بإجراء عملية بتر لقدمها اليسرى من أعلى الركبة يوم 25 أيلول/سبتمبر الجاري، بسبب إصابتها بـ “غرغرينا” وتورم في القدم، جراء تعذيب تعرضت له، ومنع العلاج والرعاية الطبية عنها فترة طويلة.

وكانت تحريات الأمن المصري قد توصلت إلى أن جدة الطفلة، وتدعى “صفاء”، قد عذبتها بحرقها، وتبين من الكشف الطبي المبدئي للطفلة فور وصولها للمستشفى أنها تعاني من جلطة بالطرف السفلي، ووجود آثار سحجات في الظهر والبطن، كما تبين إصابتها بغرغرينا في القدم إثر كسر في الساق وتركها مدة طويلة من دون علاج، وهذا ما أدى إلى ضرورة بتر القدم و إجراء عملية بتر الساق اليسرى ووضعها بالعناية المركزة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة صباح يوم 28 أيلول/سبتمبر.

ويقول مكي إن النيابة والطب الشرعي يحققان مع أفراد من أهل الأم، مؤكداً أنه حتى هذه اللحظة لم يخرج تقرير رسمي يثبت أمر الاغتصاب، مضيفاً أن النيابة هي المسؤولة عن التحقيق في هذا الأمر، وليس وزارة الصحة.

وكانت أماني سمير، عمة الطفلة، قد صرحت أن جنة تعرضت للاغتصاب من قبل خالها، وقالت: “البنت قالت لأبيها، خالي كان بيكتفني وبيعمل فيا كذا وكذا اللي هو يغتصبها يعني، وجدها وأمها كانوا بيسبوه ومدارين عليه”.

وقالت سمير إن جنة توفيت في الساعة الواحدة صباح 28 ايلول/سبتمبر، مبينة أنَّها كانت تقيم معها بالمستشفى، وروت أن حالة الطفلة تدهورت بعد بتر ساقها اليسرى، وتمّ منع الزيارة عنها والطعام، ليستمر وضعها على الأجهزة والمحاليل، قبل أنَّ تنهار وتفارق الحياة بعد توقف عضلة القلب متأثرة بآلامها، مضيفةً أن والدتها لم تأتِ لزيارتها إطلاقاً حتى بعد الوفاة “كأنها كلبة وراحت بالنسبة لها”.

ويقول والد الطفلة، وهو كفيف، إنه ارتبط بزوجته قبل عدة سنوات وأنجب منها طفلتين هما أماني (6 سنوات)، وجنة (5 سنوات). لاحقاً وقعت مشاكل مع زوجته وأسرتها فقررا الانفصال بعد سنتين من الزواج، مشيراً إلى أن محكمة الأسرة قضت بضم الطفلتين لجدتهما، والدة الأم، منذ عدة أشهر، وأن الجدة اعتادت تعذيبهما أمام طليقته التي لم تتخذ أي موقف من التعذيب.

في المقابل، نفت أسرة أم الطفلة هذه الاتهامات، مرجعةً الحروق إلى سقوط جنة في قِدر من الزيت المغلي أثناء لهوها مع شقيقتها، لكن لم تفسر الأسرة سبب وجود آثار تعذيب بآلة حادة على جسدها، أو سبب عدم تقديم الرعاية الطبية لها، وهذا ما تسبب بتدهور حالتها الصحية.

عقوبة غليظة في انتظار الجدة والخال

بحسب المحامي المصري هاني هلال، أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل، فإن تقرير الطب الشرعي هو الفيصل في كل الادعاءات المتبادلة بين الطرفين لوجود نزاع أسري بينهما، موضحاً أنه طبقاً لتعديلات قانون الطفل عام 2018 توجد عقوبات غليظة لهذه الواقعة إذا تأكد تعذيب الطفلة واغتصابها.

ونقلت وسائل إعلام عن هلال قوله إنه في حالة ثبوت أن الخال كان يغتصب الطفلة والجدة تعذبها، فيُدرج هذا تحت بند القائمين على رعاية الطفل أي أولياء أمور، وهو ما يغلظ العقوبة عليهما، والحبس لمدة 10 أعوام، على أن تكون المدة مفتوحة وفقاً لرؤية القاضي.

وأضاف هلال أنه فيما يخص التعذيب الذي أدى إلى عاهة مستديمة للطفلة، فيستعين القاضي بقانون العقوبات كون فعل التعذيب يعد جناية، وهنا ستصل العقوبة إلى الحبس 15 عاماً.

ويقول المحامي المصري فؤاد توفيق لرصيف22 إن قضية الطفلة جنة فضحت ملفاً مسكوتاً عنه في المجتمع المصري، وهو تعذيب الأهالي لأطفالهم، مؤكداً أن هناك حالات كثيرة من هذا النوع لا تخرج لوسائل الإعلام، كاشفاً أنه خلال عمله في مجال المحاماة، لاحظ انتشار حالات اغتصاب أهالٍ لأطفال من أقاربهم.

وفي السنوات الأخيرة نشرت وسائل إعلام محلية أخباراً عن محاكمة أهالٍ بتهمة تعذيب أطفالهم، في حين ظلت قضية اغتصاب أطفال من قبل أقارب تابوهاً تخشى العائلات ووسائل الإعلام الحديث عنه.

ووفق توفيق، فإنه يوجد قصور في توفير الحماية للأطفال في مصر، متعجباً من أن خط نجدة الطفل الذي يقول إن مهمته حماية الأطفال لم يتحرك في قضية جنة حتى الآن، وإن كل ما قام به هو أنه نعى الطفلة.

وتواصل رصيف22 مع خط نجدة الطفل الذي أطلقته الحكومة المصرية قبل سنوات، فقالت عزة العشماوي، الأمينة العام للمجلس القومى للطفولة والأمومة التابع له الخط، إنهم يتابعون القضية عن كثب، ويطالبون بإنزال أقصى عقوبة على الجناة باعتبار أن الجريمة قتل متعمد مع سبق الإصرار، وفقاً لحكم المادة 230، 231 من قانون العقوبات المصري وهي الإعدام.

وتابعت العشماوي أن المجلس يعمل حالياً على توفير دعم نفسي لشقيقة جنة بعد أن ثبت للمجلس أنها تعرضت هي الأخرى للتعذيب من قبل جدتها، مضيفةً أنهم سيتقدمون بتقرير حالة للنيابة العامة لضمان وجود الشقيقة في مكان آمن.

*نشر هذا المقال في موقع رصيف 22 بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2019.