بعد انتهاء مباراة كرة القدم بين أكبر ناديين رياضيين في مصر مساء الجمعة، خرج المشجعون إلى الشوارع ليهتفوا. لكن الهتافات لم تكن تأييدًا لناديهم إنما مطالبة برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي.

خرج مئات المصريين إلى الشوارع في أكثر من 10 مدن مصرية للتظاهر بعدما دعى المقاول والممثل المصري محمد علي، المقيم في إسبانيا، المواطنين في بلده مصر إلى الاحتجاج ضد فساد السلطة وقيادات بالجيش المصري.

وقد يوحي مشهد مئات الأشخاص في مظاهرات متفرقة بأنها مظاهرات محدودة، مقارنًة بتلك التي شهدتها البلاد في عامي 2011 و2013 عندما أدت احتجاجات مئات الآلاف من المصريين إلى عزل حسني مبارك ومحمد مرسي. لكن غياب أي شكل من أشكال الاحتجاج السياسي على مدار سنوات حكم السيسي يجعل من تظاهر هذا العدد المحدود أمرًا صادمًا، خاصًة في ظل تجريم المظاهرات التي عادةًا ما يتم التعامل معها بعنف من قبل قوات الأمن.

وشهدت القاهرة أكبر هذه التظاهرات، ولحقتها الإسكندرية والمنصورة والمحلة والسويس، إلا أن الأخيرة شهدت استمرار المظاهرات لليوم التالي في ميدان الأربعين. كما تخطت أعداد التفاعلات على مواقع السوشيال ميديا مئات الآلاف.

ودعى علي المواطنين إلى التظاهر من خلال سلسلة من الفيديوهات، كشف فيها عن وقائع فساد زعم أنه شهدها من خلال تعاقدات شركته أملاك مع هيئات للجيش في مشاريع مقاولات. واتهم علي قيادات في الجيش والرئيس المصري بالفساد وإهدار المال العام في مشاريع تحسينات وبناء قصور رئاسية.

لقطة من تقرير إخباري على تلفزيون فرانس 24 لمتظاهرين في القاهرة في مصر بتاريخ الجمعة 20 سبتمبر/أيلول 2019.

وأتى غضب الناس كرد فعل بعدما أكد الرئيس في مؤتمر الشباب الأسبوع الماضي أنه سوف يستمر في بناء القصور الرئاسية، في بلدٍ يعاني اقتصادها من آثار سنوات من التقشف المالي الذي أدى إلى انخفاض المستوى المعيشي لملايين المصريين. وقد أظهر تقرير حديث للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أنه قد تم إفقار مئات الآلاف من المصريين خلال سنوات التقشف حيث وصلت نسبة الفقر إلى ثلث السكان.

السيسي وعلي

بدأ المقاول محمد علي في نشر فيديوهاته على موقع يوتيوب منذ أسبوعين. وفي أول فيديو اتهم وزير النقل الحالي والرئيس السابق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، كامل الوزير، ورئيس المشاريع الكبرى بالهيئة الهندسية عصام الخولي بالفساد. وذكر علي مشروع بناء فندق فاخر في التجمع الخامس في أطراف القاهرة الكبرى. وسرعان ما أنتشر الفيديو على نطاق واسع، ورغم أنه قد تم حجب الروابط الأولى  للفيديو المنشور إلا أن بعض الفيديوهات التي تم إعادة نشرها شاهدها أكثر من مليون شخص.

 

لم تكن الفيديوهات تمثل فقط اتهامات علنية للسلطة في مصر، إنما مثلت أيضًا صوتًا مخالفًا للخطاب الرسمي على غير المعتاد، بسبب السيطرة الحالية على الإعلام المصري.

واتضح كم تأثير هذه الفيديوهات على السلطة عندما قرر الرئيس يوم 14 سبتمبر/أيلول أن يرد على تلك الاتهامات بشكل مباشر. وقال السيسي في مؤتمر مفاجئ إن أجهزة الدولة ترجته بألا يتحدث في هذا الموضوع إلا أنه أصر حفاظًا على ثقة الناس به.

وأضاف السيسي: “كادوا [الأجهزة] يبوسوا إيدي، والنبي ما تعمل كده. قلت إن اللي بيني وبين الناس الثقة. هُمّا مصدقيني، ولمّا حد يلعب في الحتة دي، ده أخطر حاجة في الدنيا”.

“أنا عامل قصور رئاسية وهعمل، هي ليَّا؟ أنا بعمل دولة جديدة. انتوا فاكرين لما تتكلموا بالباطل هتخوفوني؟ لا. أنا هاعمل وأعمل بس ده مش ليَّا، مفيش حاجة باسمي، ده باسم مصر”.

حملة أمنية

بعد سفر السيسي إلى نيويورك في الولايات المتحدة لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، اندلعت الاحتجاجات في غيابه.

في بداية المظاهرات يوم الجمعة نشر البعض أن تعامل الأمن لم يكن عنيفًا، لكن سرعان ما تحول الأمر وبدأت قوات الأمن في التعامل بقنابل غاز ورصاص، بحسب تقارير إعلامية عن شهود عيان.

واعتقلت الشرطة مئات المتظاهرين يوم الجمعة في عدد كبير من المدن المصرية. وبحسب حصر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصل عدد المحتجزين على خلفية احتجاجات يوم الجمعة إلى 356 شخصًا. 

وفي الأيام التالية تم إلقاء القبض على المحامية ماهينور المصري بعد حضورها تحقيقات مع محتجزين في نيابة أمن الدولة. كما احتجزت الشرطة قيادات حزبية منهم نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عبد الناصر إسماعيل ونائب رئيس حزب تيار الكرامة عبد العزيز الحسيني.

القوى السياسية

جاءت الاحتجاجات يوم الجمعة مفاجئة للقوى السياسية التي كانت قد تراجعت عن المشهد السياسي في السنوات الأخيرة.

لكن الحركة المدنية الديمقراطية أصدرت بيانًا صباح اليوم الإثنين تطالب فيه بالتغير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية كحل للخروج من الأزمة. وحددت الحركة التي تتضمن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وتيار الكرامة والدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي وحزب الإصلاح والتنمية وحزب العيش والحرية ( تحت التأسيس) وحزب مصر الحرية، سبعة مطالب تشمل تحقيقات في وقائع الفساد المذكورة والإفراج عن السجناء ورفع الحجب عن المواقع الإعلامية.

وقبل بيان القوى المدنية، كان المشهد السياسي أكثر ضبابية حيث نشرت صفحة على موقع فيسبوك تزعم أنها تابعة لرئيس الأركان الأسبق في القوات المسلحة سامي عنان، بيانًا يدعو فيه المواطنين إلى التظاهر  وعزل الحاكم بدون ذكر إسم. لكن محامي عنان وابنه نفيا علمهما بالصفحة أو البيان، نقلًا عن موقع مدى مصر.

وأكد بيان الحركة المدنية على “تقدير الدور العظيم للقوات المسلحة فى الدفاع عن الوطن ووحدة وقدسية أراضيه وعدم الزج بها فى مواضع شبهات وفى تجاذبات السياسة والاقتصاد تاكيدًا لمكانتها والتفاف الشعب حولها”.