“ابن الرئيس السيسي”…هذا الاسم لوحده كفيل بخلق ضجة، فما بالك لو أعلن إعلامي عن ظهور ابن السيسي “بعد لحظات” مباشرة على الهواء؟ لكن ابن السيسي لم يظهر، بل كان طُعماً رماه إعلامي مصري بارز محسوب على النظام في ظرف سياسي دقيق تعيشه مصر.

خدعة الإعلامي المصري عمرو أديب خلال حلقة برنامجه “الحكاية” الذي يبث عبر قناة “إم بي سي مصر”، مساء 22 أيلول/سبتمبر، بدأت بالتنويه باستضافة “محمود عبد الفتاح السيسي”، لتسارع العديد من الصحف والقنوات الموالية للنظام المصري كما المعارضة له بالترويج لـ “ظهور أول مرتقب لنجل الرئيس المصري”.
وقال أديب في التنويه: “سنتكلم عن بيزنس الجيش ومفيش على راسنا بطحه (لسنا خائفين) وسنبين كل حاجة بالورق، وسوف نرد على ما يقال عن الرئيس السيسي ونجله محمود”، مردفاً “هبتدي بكلام عن صيدليات 19011 والشخصيات النافذة التي قيل إنها تديرها”.
وبعدما تداولت الحسابات ووسائل الإعلام المعارضة للنظام المصري نبأ الظهور المرتقب لنجل السيسي، روجت له وسائل الإعلام التابعة للنظام أيضاً، ليتضح بعدها أن الضيف الذي ظهر مع أديب هو محمود حمدي عبدالفتاح السيسي، العضو المنتدب لصيدليات “1911” التي أثارت الجدل في البلاد في الآونة الأخيرة وليس نجل الرئيس.

ماذا يريد أديب؟

استطاع أديب عبر تقديم ضيفه بتلك الديباجة، أن يضرب عدة عصافير بحجر واحد، بداية حقق متابعة ومشاهدة عاليتين لبرنامجه واستطاع تصدر الترند، لكن هدفه كان أبعد من ذلك.
أراد الإعلامي المدافع بقوة عن النظام أن يوصل رسالة إلى الرأي العام المصري مفادها أنه لا شيء أسهل من نشر الإشاعة وتداولها على أنها أخبار حقيقية، لا سيما حين يتعلق الأمر بالقنوات “المعادية لمصر” على حد وصفه والتي تتبنى معارضة النظام الحالي.
أديب قال خلال الحلقة: “هاشتاغات زي ميدان التحرير وغيرها مدفوعة ومغرضة. إحنا مضحوك علينا (نحن مخدوعون). هل تصدقون الترند؟ يريدوننا أن نشعر بالإحباط”.
كما سخر من انخداع الإعلامي المحسوب على الإخوان محمد ناصر بخبر استضافة “نجل السيسي المزعوم” قائلاً “عادةً لا أحب أن أفعل ذلك، لكني سأدعكم تشاهدون بأنفسكم وتضحكوا”، متناولاً ما ذكره ناصر.
وجاءت استضافة الطبيب محمود السيسي في هذا التوقيت بغرض “توضيح حقيقة عدم وجود أي صلة قرابة” بين هذا الشخص الذي يمتلك سلسلة صيدليات 19011 وبين الرئيس الحالي ونفي ما تردد عن ملكية “نجل الرئيس” لهذه الصيدليات.
وأثيرت في مصر عدة شائعات مؤخراً بعد إقدام السلطات على شطب وإغلاق سلسلتي صيدليات شهيرتين (رشدي والعزبي)، ما اضطر الجيش المصري للخروج في بيان، في آب/أغسطس، لنفي امتلاكه أو اعتزامه امتلاك أي صيدليات أو المنافسة في سوق الدواء. في تلك الأثناء انتشرت أحاديث عن مساعي نجل الرئيس للسيطرة على هذه السوق.
ورغم أن أديب شدد على أن ضيفه لا تربطه أي صلة قرابة بالرئيس المصري الحالي بعرض وثيقة “الفيش الجنائي” الخاصة به (الصحيفة الجنائية)، شكك بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي في قدرة 7 صيادلة شباب على تأسيس سلسلة من 100 صيدلية في أنحاء البلاد وإنشاء مصنع دواء خاص خلال سنوات قليلة.
ودشن مغردون وسم #قاطعوا_صيدليات_19011 فتصدر قائمة الأعلى تداولاً في مصر خلال ساعات قليلة.

من انخدع بحيلة أديب؟

وفيما امتدحت الحسابات والشخصيات الموالية للنظام الحالي حيلة أديب للكشف عن “انسياق الإعلام التابع لجماعة الإخوان المسلمين (المحظورة في البلاد) وراء أي معلومة من دون التأكد منها”، دعمت لميس الحديدي زوجها بتغريدة عبر تويتر كتبت فيها “ملعوبة (ذكية) يا مورا يا حريف”.
واستفاض الإعلام الموالي للنظام المصري في تمجيد ما فعله أديب بـ “إثبات عدم مهنية إعلامي قنوات الإخوان التي تبث من تركيا، باشتغالة (خدعة) بسيطة كشف بها وانسياقهم خلف كل معلومة، دون انتظار التحقق منها لمجرد عثورهم على فرصة للهجوم على مصر”.
لكن هذه الصحف تناست أن الخدعة انطلت عليها هي الأخرى فزعمت من دون التثبت، بأن “نجل الرئيس” سيظهر على الشاشات “للمرة الأولى”، وظنت أن قيامها بحذف أخبارها تلك أو تعديلها سيمحي حقيقة انخداعها أيضاً.
وعلق نشطاء وصحافيون مصريون على ذلك باعتبار أن “عمرو أديب عرى الإعلام المصري كله، الموالي للنظام والمعارض له” مشيرين إلى أن “الغوغائية وافتقار المهنية والاستسهال” باتت أزمة الأداء في الوسط الإعلامي المصري.
لكن آخرين اعترفوا له بـ”الذكاء الإعلامي” في جمع الملايين إلى مائدته وإجبارهم على الانتباه إلى شرحه لتشابه الأسماء، معتبرين أنه نجح بالفعل في جرهم لمتابعته رغم علمهم بموقفه الداعم للنظام.

تسليط الضوء على نجل السيسي

أمر آخر هام نبه إليه بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وهو “خطورة” تسليط أديب الضوء على نجل الرئيس السيسي، محمود، الذي نادراً ما ظهر إعلامياً والذي راجت بشأنه عدة شكوك واتهامات في الآونة الأخيرة.
ونجل الرئيس الذي يعمل ضابطاً في المخابرات العامة، ويوصف أحياناً برئيسها الفعلي، لا يعرفه كثيرون من العامة، حتى تحدث عنه أديب، وهذا ما جعل مغردين يقولون إن تسليط أديب الضوء عليه سيدفع الأشخاص للبحث عن معلومات حوله وأن هذا ليس في صالحه مع الشائعات التي أثيرت عنه مؤخراً، خصوصاً مع زعم المقاول الشاب محمد علي عن فساد الرئيس وأسرته.
وفي 16 أيلول/سبتمبر، اتهم الناشط السيناوي وممثل سيناء في لجنة الخمسين لكتابة الدستور في عام 2013 مسعد أبو فجر محمود نجل الرئيس المصري بالفساد مشدداً على أن جميع عمليات التهريب التي تذهب إلى غزة تجري لصالحه.
وعاد في وقت لاحق لاتهام الرئيس المصري ونجله برعاية الإرهاب في المنطقة.
وبالتزامن مع ذلك، اتهمه الناشط البارز في ثورة 25 يناير عام 2011، وائل غنيم بالوقوف خلف اعتقال شقيقه طبيب الأسنان حازم، وتفتيش منزله بالقوة وسرقة مبالغ مالية كبيرة من والدته، وهو ما يستمر في تكراره عبر حساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح غنيم أن اعتقال شقيقه يأتي عقاباً له على رفضه “الصمت” أو “التعاون مع النظام الحالي”.
*نشر هذا المقال في موقع رصيف 22 يوم 23 سبتمبر/أيلول 2019.