عاد الحجاج اليمنيون إلى بلدهم خلال الأسابيع الأخيرة، بعد انتهائهم من أداء مناسك الحج في السعودية، وهي رحلة العمر بالنسبة لمعظم المسلمين في العالم. 

حوالي 25،000 يمنيًا سافروا إلى السعودية هذا العام لأداء مناسك الحج في مكة وهي المدينة الأكثر قدسية لدى مسلمي العالم، ، ويمثل هذا العدد من الحجاج اليمنيين  الحد الأقصى المسموح به لليمن، بحسب قاعدة “ألف حاج لكل مليون مواطن مسلم” وفقًا لمسؤولين حكوميين في اليمن ويبلغ عدد السكان في اليمن 25 مليون نسمة.

وأنفق حجاج اليمن – أفقر الدول العربية – 50 مليون دولار على الحج هذا العام، أو ما يعادل في المتوسط 2،000 دولار لكل شخص، بحسب وزير الأوقاف والإرشاد في اليمن. 

ويأتي سعي الحجاج اليمنيين لإستكمال أحد أركان الإسلام الخمسة هذا العام في خضم حرب بين تحالف عسكري تقوده السعودية والمتمردين الحوثيين في اليمن. وهي الحرب المستمرة منذ 4 سنوات متسببة فيما وصفته الأمم المتحدة بأسوء أزمة إنسانية في العالم. 

“اليمنيون متدينون بطبيعتهم، ويسعون إلى أداء الركن الخامس في الإسلام بأي كلفة”، بحسب قول الوزير، أحمد عطية، لآسيا تايمز في مكة.

A Yemeni man carries his child who is suffering from malnutrition into a treatment center at a hospital in the capital Sanaa on October 6, 2018. Photo: Mohammed Huwais / AFP
رجل يمني يحمل طفله الذي يعاني من سوء تغذية داخل مستشفى في العاصمة صنعاء بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2019. Mohammed Huwais / AFP

بيع المزرعة

ويعد طقس الحج للغالبية في اليمن التي تعيش على أقل من دولار يوميًا كالكعكة في السماء. 

فالحجاج اليمنيون الذين تمكنوا من الوصول إلى مكة هذا العام ظلوا يدخرون المال لعدة سنوات،كي يتمكنوا من تجميع الحد الأدنى من مصروفات الرحلة – والتي تقدر بنحو 8,100 ريالًا سعوديًا على الأقل،   (2،160 دولار) – وهو المبلغ الذي يغطي الإقامة وأقل وسائل السفر تكلفة وهي الحافلة، ، بحسب ما قاله أحد الحجاج لآسيا تايمز.

واضطر كبار السن أن يبيعوا ممتلكاتهم كي يجمعوا الأموال سريعًا لأداء المناسك المقدسة.

أثناء استعداده للعودة إلى بيته، قال الحاج صالح خميس لآسيا تايمز، من برج يستضيف الحجاج اليمنيين في شارع منصور في مكة، إنه ادخر نفقات الحج مع زوجته وإبنه على مدار عامين. ويبلغ خميس، الذي تقاعد من وظيفته الحكومية، 69 عامًا. 

صالح خميس جابر البالغ من العمر 69 عامًا. Saeed Al Batati for Asia Times

“كلما أتتني بعض النقود، كنت أقوم بتحويلها إلى ريالات سعودية وإضافتها إلى مدخرات الحج، أيًا كان التغير في قيمة العملة”، بحسب جابر، حاج يمني آخر.

لكن حتى هذه المدخرات لم تكن كافية لتغطية نفقات الرحلة إلى مكة هذا العام، وهو الأمر الذي دفع الحاج جابر أن يطلب من زوجته بيع مصوغاتها الذهبية.

“نسينا همومنا عندما وصلنا إلى المكان المقدس هنا. إنه أحد أركان الإسلام وقمنا به الحمد لله”.

ولجأ سعيد بشاته البالغ من العمر 58 عامًا إلى خطوات أكثر تطرفًا للوصول إلى مكة، حيث باع بيته الذي ورثه عن أجداده ليغطي نفقات الرحلة.

“اضطررنا أن نبيع بيتنا القديم عندما أدركت أنه يمكنني أن أظل سنوات أدخر في تكلفة الحج”، بحسب بشاته، الحاج اليمني.

سعيد بشاته البالغ من العمر 58 عامًا. Saeed Al Batati for Asia Times

وتقول شركات الحج في اليمن إن الكثير من فقراء البلد المكلوم بالحرب يبيعون ممتلكاتهم الثمينة مثل الأراضي والبيوت والذهب لتغطية تكلفة الرحلة، حتى وهم يدركون أنهم سوف يعودون إلى بيوتهم فارغي الأيدي.

وقال عبد الله بماطرف لآسيا تايمز، وهو يدير شركة سياحة، إن “الناس تبذل مجهودًا كبيرًا لجمع أموال الحج”.

تجاوز الحرب

بالنسبة لليمنيين القليلين الذين يتمكنون من جمع أموال الحج، فإن أعوامًا من الحرب جعلت الرحلة أصعب، حيث أن التغير المستمر لجبهات المعارك وهشاشة التحالفات بين الأطراف العديدة تجعل من الحركة داخل البلد أمرًا شديد الصعوبة.

وقال حجاج إن أصعب جزء من الرحلة هو الانتقال من بيوتهم إلى حدود اليمن مع السعودية، حيث يمرون بعدة نقاط تفتيش لفصائل قتالية مختلفة.

وينقسم اليمن حاليًا بين الحوثيين الذين يسيطرون على الشمال وفصائل أخرى موالية للحكومة المعترف بها دوليًا.

ومر عبدو، الحاج اليمني القادم من العاصمة صنعاء التي تخضع لسيطرة الحوثيين، برحلة مؤلمة كي يصل إلى عدن الجنوبية التي تتخذها الحكومة عاصمة مؤقتة لها، وذلك كي يسافر إلى السعودية بالطائرة، حيث يوجد مطار عامل في تلك المدينة.

“اضطررت أن أقود على طريق تعز لأتجنب الأماكن المزدحمة”، بحسب قول عبدو لآسيا تايمز في مكة، مضيفًا أنه وجد راحة في المكوث ببلدٍ يعيش في سلام، وتمنى أن يظل فيها فترة أطول.

وتفرض السعودية منذ سنوات حصارًا أرضيًا وجويًا وبحريًا على اليمن، كي تمنع وصول الأسلحة إلى الحوثيين من إيران. 

وأغلقت على مدار سنوات الحرب – المستمرة حتى الآن – مطارات في العاصمة وأماكن أخرى بسبب الحصار أو ظروف الحرب، إلا أن طائرات قليلة تغادر – من مدينة سيئون في وسط اليمن ومدينة عدن الجنوبية – متجهة إلى السعودية. ويعد السفر بالطائرة وسيلة تنقل صعبة بالنسبة لليمنيين.

وقال الوزير أحمد عطية لآسيا تايمز إن الحجاج عبروا الحدود إلى المملكة من الشرق، مردفًا أن الحج هذه السنة كان أقل صعوبة من السنوات السابقة، حيث أضافت السعودية المزيد من نقاط التفتيش على الحدود، وقام عشرات المتطوعين من جهة اليمن بتوفير مسكن ووجبات طعام  ومياه للمقبلين على الحج.

“يرجع  الدور الأكبر لتسهيل رحلة الحجاج إلى إخواننا في السعودية” بحسب عطية.

مقاتلون انفصاليون في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في خور كسار بشمال عدن بتاريخ 30 يناير/كانون الثاني 2018.
Saleh al-Obeidi / AFP

السياسة على جبل عرفات

من المعتاد توجيه النصيحة إلى الحجاج اليمنيين بتجنب السياسة والتركيز في العبادة أثناء الحج.

لكن هذه السنة وأثناء استقرار الحجاج على جبل عرفات، وهو أهم شعائر الحج، كانت المعارك في عدن تشتعل بين قوات الحكومة والانفصاليين.

ووصلت أصداء المعارك إلى مكة حيث لم يستطع الحجاج اليمنيون منع أنفسهم من متابعة الموقف في عدن. ولجأ العديد إلى هواتفهم لقراءة الأخبار والتواصل مع الأصدقاء.

“أدعم المجلس الإنتقالي وأرغب في أن يتولوا زمام الأمور بالبلاد”، بحسب قول أحد الحجاج، مشيرًا إلى الانفصاليين الجنوبيين الذين تدعمهم الإمارات ويشاركون في المجلس الانتقالي الذي يسيطر على عدن.

ورأى حاج يمني آخر أن “الوضع مقلق وقد يخلق مشاكل أكثر”، وأردف الحاج الجديد قائلًا إنه قلق على مستقبل البلاد من التفتت.