بدأ العراقيون الحشد في ميدان التحرير وسط العاصمة بغداد مساء الخميس استعدادًا للإستجابة لدعوات التظاهر في محافظات وسط وجنوب البلاد يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول للاحتجاج على تفشّي الفساد، وتردّي الواقع الخدمي، واتساع رقعة البطالة. وتجري دعوات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي للنزول إلى الشوارع وتحشيد أكبر عدد ممكن من المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقيّة بغداد.

وتأتي الدعوة إلى التظاهر غداة قمع الحكومة العراقيّة لمتظاهرين مطلع الشهر الجاري، الأمر الذي أدّى إلى مقتل أكثر من مئة شخص وإصابة أكثر من 6 آلاف آخرين بإصابات متفاوتة.

غضب مكتوم

وبالرغم من أن الحكومة العراقيّة أصدرت ثلاث حزم قرارات على التوالي تستهدف إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل وفتح باب الإقراض للمشاريع الصغيرة والمتوسّطة في محاولة منها لإحلال الهدوء في البلاد ولدفع العراقيين إلى عدم التظاهر، إلا أن مساعيها للتهدئة يبدو أنها باءت بالفشل.

وتشهد العاصمة بغداد بشكل خاص غضباً مكتوماً، ويأخذ الحديث عن المشاركة في تظاهرات 25 أكتوبر / تشرين الأول من عدمها مساحة واسعة من أحاديث العراقيين اليومية.

وقد أدّى قمع الحكومة للمتظاهرين العزل مطلع الشهر الجاري إلى فقدان الشارع الثقة بالحكومة والأحزاب السياسية التي تحكم البلاد منذ أكثر من عقد ونيّف.

وشكّلت الحكومة لجنة تحقيق للوقوف على المسؤولين الذين أعطوا أوامر باستعمال العنف ضد المتظاهرين ومن ثم محاكمتهم، إلا أن نتائج التحقيق زادت من غضب الشارع لأنّها حمّلت المتظاهرين مسؤولية كبيرة في انفلات الأمن، فضلاً عن برأت الجهات العليا من مسؤولية القمع المنظم للمتظاهرين.

وأكد مصدر برلماني قبيل صدور التقرير لـ”آسيا تايمر” أن “هناك خلافات سياسيّة بشأن إظهار نتائج التحقيق”، بيد أنه لم يعلن تفاصيل الخلاف.

وتدور أنباء عن إشراف عسكريين إيرانيين على قمع المتظاهرين، فضلاً مشاركة بعض الفصائل العراقية المسلحة المقربّة من إيران بالتدخل بشكل مباشر لقتل وضرب المتظاهرين.

وأثارت أنباء تدخّل إيران في قمع التظاهرات غضباً عراقيّاً واضحاً، لا سيما وأن واحدة من الأمور التي تثير حنق العراقيين على الأحزاب السياسية هي التماهي مع الموقف الإيراني، علاوة على السماح لإيران بالتدخل بالشؤون الداخليّة للعراق.

واستهدف قناصون متظاهرين في بغداد بطلقات حيّة في منطقة الرأس. وأنكرت الحكومة إشراك القناصين في قمع التظاهرات، وقالت أنها تحقّق بأمرهم.

وقال مصدران أمنيان من العراق لوكالة رويترز للأنباء، منتصف الشهر الجاري، إن ميليشيا تابعة لإيران قررت من طلقاء نفسها أن تساعد في وقف المظاهرات في العراق.

وقد صرخ المتظاهرون مطلع الشهر الجاري في عدد من المحافظات بشعارات تدين إيران منها شعار “إيران برا برا.. بغداد ستبقى حرة”.

وشنّت الحكومة موجة اعتقالات طالت ناشطين مدنيين. ولم يتم الإفراج إلى الآن عن عدد منهم، بينما تتحفّظ الجهات الرسمية على اسم الجهة التي قامت باعتقالهم.

وفرّ عدد من الصحفيين إلى إقليم كردستان شمالي البلاد، بعد أن وصلتهم تهديدات من جهات مجهولة.

متظاهر عراقي في بغداد بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 2019. AHMAD AL-RUBAYE / AFP

تفاوت الأهداف

حتّى الآن، ليس هناك قيادات واضحة للتظاهرات في العراق؛ إلا أن هناك عدد من التنسيقيات التي تصدر بيانات ذات مطالب متفاوتة.

وينقسم الشارع العراقي بين المطالبة بإسقاط العمليّة السياسيّة التي تأسست تحت إشراف الاحتلال الأميركي عام 2003، وبين السعي إلى إحداث إصلاحات عميقة في بنية النظام القائم.

ويرى المطالبون بإسقاط العمليّة السياسية بأن الواقع السياسي وصل إلى طريق مسدود ولم يعد من الممكن إصلاحه، وعلى هذا الأساس هم يطالبون بحلول راديكالية منها تأسيس نظام سياسي جديد يحظر عمل الأحزاب السياسيّة التي شاركت في الحكومات العراقية على مدى الأعوام الـ(15) الماضية.

بالمقابل، يطالب قسم الآخر من المتظاهرين بتقديم المتورطين الكبار بالفساد إلى القضاء، وإجراء تعديلات على الدستور، وإقرار قانون انتخابي جديد يضمن وصول الأحزاب الصغيرة إلى البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدوليّة.

وتسيطر فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عاماً على التظاهرات، علماً أن العراق يعد واحداً من البلدان الشابة، إذ أن نحو 50 بالمئة من سكّانه هم من فئة الشباب.

وتثير الدعوات إلى التظاهر الخوف في الأوساط السياسية العراقية من تصاعد غضب الشارع ضد الطبقة الحاكمة. واتهم أكثر من سياسي عراقي المتظاهرين بالسعي إلى إسقاط العمليّة الديمقراطية في العراق، فضلاً عن اتهام قيادات تظاهرات بتنفيذ أجندات أميركية وإسرائيلية وسعودية لخلخلة الوضع الأمني في البلاد.

الصدر على الخط

لقد أدى دخول رجل الدين الشاب مقتدى الصدر على خط التظاهرات إلى حصول انقسام في صفوف الشبّان الساعين إلى التظاهر.

ويعدّ الصدر أحّد أكثر السياسيين مثاراً للجدل في العراق، وذلك بسبب مشاركته في الحكومة والمعارضة في آن واحد.

Iraqi Shiite cleric Moqtada al-Sadr speaks during a media conference with Iraqi Defense Minister Arfan al-Hayali and Iraq's Interior Minister Qasim al-Araji (not pictured) in Najaf, Iraq  May 3, 2017. Photo: Reuters/Alaa Al-Marjani
صورة أرشيفية لمقتدى الصدر بتاريخ 3 مايو/آيار 2017. Reuters/Alaa Al-Marjani

يمتلك الصدر أكثر من 50 مقعداً في البرلمان، وعشرات المدراء العامين في مؤسسات الدولة، لكنه يظل يتهم الحكومة والبرلمان بالتقصير، بالرغم من أن كتلته السياسيّة ساهمت بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية عام  2018.

وإثر قمع الحكومة للمتظاهرين مطلع الشهر الجاري، دعا الصدر نوابه إلى مقاطعة أعمال البرلمان، الأمر الذي وُصِف بالخطوة غير الكافية من قبل المتظاهرين.

لكن الصدر، الذي يمتلك قاعدة شعبيّة كبيرة، بدأ بمغازلة الشبان الغاضبين بالتأكيد على حقّهم في التظاهر. 

وفي 19 أكتوبر، أصدر الصدر بياناً داعماً للتظاهرات، وقال إن “كل السياسيين والحكوميين يعيشون في حال رعب وهستيريا من المد الشعبي”. وأشار الصدر أيضاً إلى أن الطبقة السياسية في العراق تحاول “تدارك الأمور”، غير أنه لفت إلى أنه “فات الأوان”.

في الوقع، حقّق الصدر مكسباً سياسياً كبيراً إثر مشاركة أنصاره في تظاهرات عام 2015. واتُهم الصدر آنذاك بأنه استغل موجة التظاهرات لأغراض سياسية.

واليوم تعود القصّة ذاتها، إذ يخشى المتظاهرون من أن يستغل الصدر الحراك الشعبي لتحقيق مكاسب سياسية، وبالتالي لن تحقّق التظاهرات مطالبها.

في كل الأحوال، وبمشاركة الصدر أو من دونهم، فإن الحراك الاحتجاجي بات يتخذ زخماً كبيراً، والدعوات إلى التظاهر على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع آخذة بالاتساع.

توقعات بالقمع

بمقابل موجة الحشد للتظاهر، برزت أصوات فصائل مسلّحة تؤكد عدم سماحها بقيام تظاهرات في العراق، بينما شكلّت الحكومة “قوّات حفظ القانون” المتكوّنة من عدد من المؤسسات الأمنية تقول أن مهمتها “حماية الفعاليات الاجتماعية”، لكن مصدر أكد لـ”آسيا تايمز” أن “مهمة هذه القوّات هي السيطرة على الاحتجاجات وحتّى قمعها إذا توجّب ذلك”.

الانقسام بشأن مشاركة انصار الصدر، بحسب ما يؤكد متظاهرون، سيخفّف من بطش السلطات وذلك لخوف الأخيرة من قوّة الصدر الاجتماعية وحتّى العسكرية.

لكن الشبّان الساعين إلى التظاهر لا يعوّلون على أي قوّة سياسيّة لدعمهم. 

وتبدو الشعارات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي راديكالية على العكس من التظاهرات السابقة التي جرت في أعوام ٢٠١٥ و٢٠١٨، الأمر الذي يشرح حجم التحدي الذي سيخوضونه في الشوارع. من تلك الشعارات “منتصراً أو شهيداً”. 

وتبدو مهمّة الحكومة بإقناع المتظاهرين عن العدول عن التظاهرات أو الحدّ من غضبهم شبه مستحيلة. تم تداول عدد من الخطوات التي ستقوم بها الأحزاب السياسية مثل إقالة الحكومة، غير أن المتظاهرين رأوا أنها خطوة غير كافية.

ويقول مراقبون أن على الأحزاب السياسية تقديم تنازلات كبيرة للشارع لتجنب المجهول الذي قد تؤدي إليه التظاهرات مثل تقديم المتورطين الكبار بالفساد إلى القضاء، وإقرار قانون انتخابي جديد، وإجراء انتخابات مبكرة.

بالمقابل، لا يبدو أن الأحزاب السياسية مستعدة لسيناريو تقديم تنازلات كهذه، ما يرجّح تصاعد حدّة المواجهة بين الأحزاب السياسية والمتظاهرين في الأيام المقبلة.