أتت المظاهرات الشعبية في الشوارع من بيروت إلى بغداد لتمثل تحديًا للتحالفات الإقليمية الحالية في ظل غليان المنطقة بسبب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

وأدت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي يطلق عليها “أقصى ضغط” والتي تهدف إلى الحد من نفوذ إيران، إلى زعزعة الخليج الفارسي خلال الصيف. وبعثت طهران برسالة إلى دول الجوار في الخليج عبر تفجيرات لناقلات النفط وتفجير معملين حيويين في شركة أرامكو السعودية، بأن مصالحهم في خطر ما داموا يدعمون السياسة الأمريكية.

لكن في شهر أكتوبر، أولُا في العراق ثم في لبنان، اندلعت احتجاجات كبيرة في الشوارع منددة بسوء الأحوال الاقتصادية وفساد النخب السياسية الطائفية.

في كلا الدولتين، حلفاء إيران يلعبون دورًا نافذًا في الحكومة بينما الولايات المتحدة لها تأثير كبير على الجيوش والدوائر السياسية.

“لا يمكن الفصل بين المظاهرات الشعبية في الشرق الأوسط والمواجهة الحالية بين هاتين القوتين”، على حد قول نوعام ريدان، محللة جيوسياسية تعمل مع كليبر داتا من بغداد.

انسحبت إدارة ترامب في مايو من العام الماضي من الاتفاق النووي مع إيران، في خطوة أدت لاحقًا إلى إعادة العقوبات الاقتصادية على طهران بهدف خفض صادراتها البترولية إلى صفر.

وأضافت ريدان، في حوارها مع آسيا تايمز: “لا يمكننا أن ننسى الضغط الذي يوضع على إيران الآن”.

هذه اللقطة بتاريخ 20 يوليو/تموز 2019، من وكالة فارس للأنباء تظهر سفن إيرانية تحيط بالناقلة البريطانية ستيلا إمبرو

أقصى ضغط

بينما تهدد المظاهرات التي أتت بدون قيادات في لبنان والعراق بأن تتحول إلى انتفاضة سياسية مطولة، انطلقت أجراس الإنذار في طهران. وتقول ريدان إن طهران لا يمكنها تحمل “خسارة ما اكتسبته على مدار السنوات الماضية”.

وللعراق أهمية أعظم، وذلك لا يعود فقط لكونها على الحدود وعضوة في منظمة الدول المصدرة للنفط، لكن والأهم، بسبب امتلاكها لاستثناء من العقوبات المفروضة على إيران ما يمكنها من استيراد موارد الطاقة الإيرانية.

ويقول محمد بزي، محاضر في جامعة نيويورك وصحفي، إنه “لا يمكننا أن ننسى، السياسيين الإيرانيين والقادة اليوم شكلوا جميعهم من الحرب الإيرانية العراقية. يريد الساسة الإيرانيون ضمان أن العراق لا تمثل هذا النوع من التهديد مجددًا”.

وطالبت إدارة ترامب خلال زيارة وزير خارجيتها مايك بومبيو لرئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، في مايو الماضي، من الحكومة العراقية أن تكبح جماح الميليشيا المدعومة من إيران.

وهاجم المتظاهرون العراقيون الأسبوع الماضي مواقع عدد من القوات شبه العسكرية المدعومة من إيران في المحافظات الجنوبية، ما أثار اتهامات موجهة للولايات المتحدة وأطلق شرارة الإنتقام. وفي بعض المحافظات، نادى المتظاهرون من خلال هتافاتهم برحيل إيران عن السياسة الداخلية.

ويتم اتهام تلك القوات شبه العسكرية بالمساهمة في قمع المتظاهرين، والذي أودى بحياة أكثر من 250 شخص في شهر أكتوبر فقط، بحسب المفوضية العراقية لحقوق الانسان. لكن محاولات قمع المظاهرات بالعنف من خلال ذخيرة حية وقنابل مسيلة للدموع تم إطلاقها على رؤوس الناس أدت إلى زيادة أعداد المتظاهرين، وبمشاركة متزايدة من النساء وتلاميذ المدارس.

وقال آيات الله الخامنئي، في تغريدة على موقع تويتر، الأسبوع الماضي، إن “الناس لديها مطالب مشروعة، لكن عليهم إدراك أن مطالبهم يمكن تلبيتها فقط من خلال البنية القانونية لبلادهم”.

كان يتحدث ليس فقط عن العراق، حيث يواجه رئيس الوزراء ضغط للاستقالة، لكن أيضًا عن لبنان.

متظاهرون عراقيون في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 2019. AFP

حلفاء حزب الله مهددون

في لبنان، بأول ليلة من المظاهرات في شهر أكتوبر، قام أشخاص من الطبقة العاملة بالبلاد بقطع الطرقات مستخدمين إطارات سيارات محرقة، في تعبير عن الغضب من فرض ضرائب جديدة على الوقود والمكالمات المجانية على الانترنت.

وتقول أمل سعد، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لبنان، إن “الشيعة كانوا في مقدمة المظاهرات الأولى”.

وتضيف سعد، التي تحضر كتابًا عن تطور دور حزب الله ليصبح قوة مؤثرة في المنطقة، إن خوف المجموعة السياسية الإسلامية، نابع من إمكانية تحول المظاهرات الحالية إلى احتجاجات مناهضة لأجندة حزب الله – خاصًة مستهدفين تسليحها.

في شهر مايو الماضي، سافر مايك بومبيو إلى بيروت – واقفًا جنبًا إلى جنب مع نظيره الحليف لحزب الله، جبران باسيل – ووقتها اعتبر حزب الله تهديدًا للبنان ونادى الشعب اللبناني بالنهوض ضده.

بعدها بأربعة شهور، عندما سافر باسيل إلى واشنطن لحضور الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لم يجد أي مسؤول من الإدارة لديه الاستعداد للقائه.

وعندما اندلعت مظاهرات حاشدة في لبنان في النصف الثاني من الشهر الماضي، كانت واحدة من أول الهتافات التي انتشرت بشكل واسع هي تلك الموجهة ضد باسيل.

وتعتبر سعد أنه من منظور حزب الله، استغلت الولايات المتحدة اللحظة للضغط على باسيل، النجم الصاعد لحزب الرئيس ميشيل عون، وذلك كي يترك الحكومة. عندما رفض عون، اضطر رئيس الوزراء سعد الحريري إلى الاستقالة من الحكومة. ويعتقد أن عودة الحريري مرهونة برحيل باسيل.

وتقول سعد إن “باسيل هو الشخص الذي أراد الأمريكان أن يتخلصوا منه”، مضيفتًا لآسيا تايمز: “كوزير خارجية هو يقوم بدور مندوب حزب الله”.

بتركيبة تمثيل باسيل لدائرة مسيحية قومية، مع الحريري الذي يتقرب من الغرب ودول الخليج، تصبح الصورة واحدة تضفي “غطاءًا سياسيًا لحزب الله – وحتى شرعية دولية”، بحسب سعد.

وكان يمكن للتخلي عن باسيل أن يهدد، بالنسبة لحزب الله، تحالف قائم منذ أكثر من عقد من الزمن. وفي نفس التوقيت، يحتاج حزب الله إلى الحريري في صفه لتجنب نبذ لبنان إقليميًا ودوليًا.

ويذكر بزي، الذي يعمل حاليًا على كتاب عن حروب الوكالة في المنطقة، أن الحريري يقدم غطاءًا سياسيًا لحزب الله، بينما مدافع قوي مثل باسيل قد يكون صعب إستبداله.

وتنوه سعد في هذا السياق إلى أن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، “يواجه موقف غاية في الحساسية لأنه إذا تجاوز الحريري بالكامل وحاول تشكيل حكومة بدونه قد يواجه عقوبات أمريكية”.

إمرأة لبنانية ترتدي اللون البرتقالي، الذي يمثل دعم لميشيل عون الذي كان بذلك الوقت معارضًا خلال مسيرة في ضواحي بيروت بتاريخ 14 أغسطس/آب 2009. Ramzi Haidar / AFP

لا إنقاذ في الأفق

في هذه الأثناء، تضغط إسرائيل على الولايات المتحدة من أجل منع أي تواجد في المستقبل لخصمها الشيعي في الحكومة اللبنانية، وتطالب بوقف أي مساعدات للبنان “طالما حزب الله جزء من الحكومة اللبنانية”.

وكشف الصحفي باراك رافيد من خلال قناة 13 الإسرائيلية أن “إسرائيل متخوفة من أن حزب الله سوف تطور الإمكانيات الصناعية لتصنيع الصواريخ الدقيقة، ما قد يمثل تهديدًا جوهريًا للقواعد العسكرية والمناطق الاستراتيجية”.

بينما يظهر ترامب نفورًا من التزاما

ت تجاه الشرق الأوسط، تستخدم إدارته العقوبات الاقتصادية كأداة حرب.

ومن المزعم أن الولايات المتحدة حاليًا تحجب 105 مليون دولار من المساعدات الأمنية إلى لبنان، بحسب ما نقلته وكالة رويترز للأنباء.

وبالفعل، اقتصاد لبنان يواجه أزمة مالية حيث اعتمد البنك المركزي خلال السنوات الماضية على “الهندسة المالية” لجذب العملة الصعبة من القطاع البنكي، مقابل أرباح آنية بالعملة المحلية بفوائد مرتفعة.

وحققت البنوك أرباحًا بالمليارات منذ 2016 من خلال هذه الآلية التي يدفع ثمنها المواطنون من خلال تزايد الدين العام.

ويبدو أن الممولين التقليديين للبنان، وهما السعودية والولايات المتحدة، ينتظرون أن تصبح البلاد على شفا الانهيار قبل التدخل للتفاوض على تنازلات.

وأعلن عون عن أنه سوف يتم تشكيل حكومة تكنوقراط بلا ولاءات سياسية، في إستجابة لمطالب المتظاهرين، ما أدى إلى فتح البنوك لأول مرة بعد أسبوعين من المظاهرات. وتم تنفيذ التحويلات الدولية لحالات فردية بحسب التاريخ البنكي للعميل.