وافق نواب البرلمان العراقي، اليوم الخميس، على إستقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وذلك خلال بضع دقائق من إنعقاد أولى جلساته منذ إعلان الاستقالة.

وكانت ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد قد شهدت فرحة عارمة  فور إعلان رئيس مجلس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، يوم الجمعة الماضي، عزمه تقديم كتاب استقالة حكومته إلى البرلمان.

وتشهد العراق تظاهرات واسعة واعتصامًا مركزيًا في ساحة التحرير منذ ٢٥ تشرين الأوّل / أكتوبر الماضي.

وأطلق المتظاهرون، يوم الجمعة، الألعاب النارية في الهواء وعلت أصوات الأغاني الحماسية وانفتحت حلقات رقص، فيما سارع متظاهرون آخرين للوقوف إلى جانب الأماكن التي شهدت سقوط قتلى وأشعلوا الشموع وأجهشوا في البكاء في ذكرى رحيل رفاقهم الذين قتلوا على يد الأجهزة الأمنية والفصائل المسلّحة التابعة للأحزاب.

وقد تكّلف المتظاهرون في تسع محافظات عراقيّة أكثر من ٤٠٠ قتيل و٢٠ ألف جريح، لتقتنع المرجعيّة الشيعية الدينية في محافظة النجف بضرورة الدعوة لاستقالة حكومة عادل عبد المهدي. 

أحداث دامية

وشهدت محافظتي ذي قار والنجف، جنوبي العراق، أحداثاً دامية منذ ليلة الأربعاء الماضي تسبّبت بمقتل أكثر من ٥٣ متظاهراً، الأمر الذي زاد من موجة الغضب في الشارع العراقي، وزاد من التحشيد للتظاهر والاعتصامات في محافظات عراقيّة عديدة منها المحافظات ذات الغالبيّة السنية التي لم تشارك في التظاهر من قبل.

وأحرق المحتجون، ليل الأربعاء، القنصلية الإيرانية في النجف، وذلك ردّاً على تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي ما انفكت تشكّك بالمتظاهرين العراقيين وتكيل التهم لهم بتنفيذ أجندات غربيّة. فيما سيطر المتظاهرون في ذي قار على عدد من المقار الأمنيّة ردّاً على استعمال القوّة المفرطة من جانب القوات الأمنية ضدّهم.

وأدت هذه الأحداث إلى استعمال الرصاص الحي ضد المتظاهرين في ذي قار والنجف ما جعل مستشفيات المحافظتين تغصّ بالقتلى والجرحى. 

ويدور الحديث في شوارع النجف عن أن المتسببين بقتل المتظاهرين هي ميليشيا بدر بقيادة هادي العامري الذي يقود تحالفاً برلمانياً باسم “الفتح” يمتلك نحو ٤٧ مقعداً برلمانياً، فيما يتم اتهام جهة أخرى هي “سرايا عاشوراء” التابعة لرجل الدين الشاب عمّار الحكيم والذي يقود أيضاً كتلة برلمانية باسم “تيار الحكمة” ويمتلك ١٩ مقعداً برلمانياً.

ونفت الكتلتين مسؤوليتهما عن هذه الأحداث.

وقد دانت ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت أحداث العنف التي شهدتها محافظتي ذي قار والنجف، وقالت في تغريدة على موقع تويتر “الأعداد المتزايدة من الضحايا والإصابات وصلت لمستويات لا يمكن التسامح معها”، بالمقابل أعرب الأمين العام للمتحدة أنطونيو غوتيريش عن “قلقه العميق من استخدام الذخيرة ضد المتظاهرين” ودعا من سماها “كل الجهات الفاعلة” إلى “ضبط النفس”.

عبد المهدي يستقيل

وبدا أن الأمور في ذي قار والنجف ستتطوّر وتذهب إلى صدام مسلّح بين المتظاهرين والقوّات الأمنية، إلا أن المرجعيّة الشيعية العليا في النجف الأشرف استشعرت هذا الخطر يوم الجمعة، ودعت البرلمان إلى إقالة الحكومة.

واستبق عبد المهدي إجراءات إقالته في البرلمان بنشر بيان أعلن فيه عزمه تقديم كتاب استقالته إذعاناً لطلب المرجعيّة، فيما أهمل تماماً الحديث عن أي أخطاء تسبّبت فيها حكومته في سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.

ومنذ اندلاع موجة الاحتجاجات الأولى في تشرين الأول / أكتوبر، طالب المتظاهرون المرجع الأعلى للشيعة في العراق علي السيستاني، والذي يستمع السياسيون إلى توجيهاته، بالتدخل لدفع السياسيين إلى إجراء الإصلاحات المرجوّة، إلا أن السيستاني ظلّ يصدر التعليمات من خلال خطب وكلائه في كربلاء والنجف بضرورة إجراء تعديلات لا ترقى إلى مطالب المتظاهرين.

وقد برزت أصوات، وخاصّة بين الأجيال الأصغر سناً من المتظاهرين، تنتقد السيستاني لأنه لم يقدم على التدخل مباشرة لإقالة الحكومة وإجراء إصلاح شامل.

إلا أن دعوة السيستاني، الجمعة الماضي، أعادت ثقة الشارع الشيعي بخطواته.

بدوره، لم يتوانَ مجلس القضاء الأعلى في العراق عن تسمية ما ارتكب بحق المتظاهرين بـ”الجريمة”، حيث طالب “المصابين أو ذويهم وذوي الشهداء من المتظاهرين إلى مراجعة الهيئات التحقيقية في محافظتي ذي قار والنجف الأشرف لتسجيل إفاداتهم بخصوص الجرائم التي ارتُكبت بحقهم خلال المظاهرات”.

وأكد مجلس القضاء الأعلى، بحسب بيان وزّع على وسائل الإعلام: “سوف تتم معاقبة من اعتدى على المتظاهرين السلميين، وفق القانون بأشد العقوبات”.

الاستقالة لا تكفي

وبالنسبة للمتظاهرين، فإن استقالة حكومة عبد المهدي ليست كافيّة، ولا تحقّق طموحهم في إجراء تغيير شامل على العمليّة السياسية التي شهدت تفشٍ كبير للفساد، وانعدام الخدمات الأساسية في قطاعات مثل الطاقة والمياه الصالحة للشرب وتهاوي المستشفيات ونقص كبير في عدد المدارس، علاوة على اتساع رقعة البطالة والفقر بين الأعمار الأصغر سنّاً التي تشكّل نحو نصف المجتمع العراقي.

وقد جرى نقاشاً في ساحات التظاهر عن ضرورة الاستمرار في الاحتجاجات والاعتصام في بغداد والمحافظات حتّى تحقيق جميع المطالب ومنها محاكمة عبد المهدي بسبب ارتكاب حكومته انتهاكات ضد حريّة التعبير أدت إلى قتل متظاهرين عزل.

ويطالب المتظاهرون في العراق بإجراء إصلاحات شاملة تشمل إجراء تعديلات واسعة على الدستور الذي أقرّ عام ٢٠٠٥، ومنع الأحزاب التي شاركت في إدارة السلطة منذ عام ٢٠٠٣ وإلى اليوم من المشاركة في العمل السياسي، فضلاً عن إقرار قانون انتخابات يضمن وصول الأحزاب الصغيرة والمرشحين الفرديين إلى البرلمان.

بالمقابل، فإن الأحزاب المشاركة في السلطة لم تقدم حتى الأن على خطوات جديّة من شأنها تهدئة الشارع العراقي الذي لم يشهد احتجاجات مماثلة بهذا الحجم والتضامن بين الطوائف العراقيّة منذ احتلال بغداد في نيسان / أبريل عام ٢٠٠٣.

الاستقالة.. أمل للشارع وتخبط للسياسيين

وقد منحت استقالة عبد المهدي جرعة أمل كبيرة للمتظاهرين في تحقيق مطالبهم.

وأعلنت قطاعات واسعة من المجتمع، منهم الطلاب الذي أضربوا عن الدوام، عن الاستمرار في الإضراب والتظاهر والاعتصام. وزادت دعوات المحافظات السنية التي تحرّرت مؤخراً من تنظيم “داعش” في المشاركة في التظاهرات من مساحة الأمل لدى المحتجين.

وعدّت الاستقالة من قبل المتظاهرين انتصاراً أوّلاً في طريق التغيير الشامل الذين يطالبون به. وقال أحد قيادات التظاهر في حديث لـ”آسيا تايمز” إن “الاستقالة تزيد من قوّتنا.. إنها سقوط أول حجر دومينو سيؤدي إلى سقوط بقيّة القيادات السياسية التي تقف سدّاً أمام تحقيق المطالب”.

وهناك خشية لدى قيادات التظاهر من إعلان اسمائهم علانية خوفاً من الملاحقة والاعتقال، ولذلك فضّل القيادي في التظاهرات عدم الكشف عن اسمه. 

وأوضح القيادي “ننسق مع المحافظات لإجراء خطوات تصعيدية منها إيقاف عمل الموانئ وحقول النفط وغلق الطرق الرابطة بين المحافظات.. هذا سيؤلم الأحزاب السياسية الحاكمة كثيراً”.

وقد عمدت التظاهرات بالفعل إلى إيقاف عمل الموانئ وحقول النفط في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق، ووجه المتظاهرون بعنف كبير إثر تلك الخطوة.

ويعتمد العراق بشكل كامل على وارادات النفط لتسيير أموره المالية.

وفي الوقت الذي يبدي فيه المتظاهرون عزماً على تحقيق مطالبهم إثر استقالة حكومة عبد المهدي، إلا أن هذا أدّى إلى ارتباك واضح لدى الأحزاب السياسيّة، وخاصّة الشيعية منها، إذ أن عليها الآن البحث عن بديل توافقي لعبد المهدي توافق عليه جميع الأطراف المشاركة في العمليّة السياسية، فضلاً عن أنه يجب أن يحظى بتوافق إيراني – أميركي، وهو أمر في غاية الصعوبة.

وقد أكد أكثر من مصدر سياسي أن دعوة السيستاني لإقالة حكومة عبد المهدي كانت مفاجأة، وأن الكتل السياسية لم تضع أي مرشح بديل في حسبانها.

ووفقاً للدستور العراقي، فإن استقالة الحكومة تعني تولي رئيس الجمهورية مهام المنصب وتشكيل حكومة انتقالية، أو تكليف الكتلة الأكبر في البرلمان بهذه المهمة.

ويرفض المتظاهرون هذه الصيغة، ويطالبون بإجراء انتخابات وفق قانون انتخابي جديد وعادل. 

وقد رفع متظاهرون لافتات: “يسقط رئيس الوزراء القادم”.

ويبدو أن الأوضاع في العراق ستظلّ على ما هي عليه لفترة طويلة وسط تخبّط سياسي وإصرار من قبل المتظاهرين على تحقيق مطالبهم.