بعد سنين طويلة من النزوح، اضطرت العديد من العائلات السورية للانتقال والعيش في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة تنظيمات متطرفة مثل هيئة تحرير الشام. وباعتبار أن بعض هذه العائلات من خلفيات غير محافظة إسلامياً، لجأت بعض الفتيات السوريات للخروج من إدلب باتجاه تركيا بعد سلوك طرق التهريب المحفوفة بالمخاطر.

لكن رفض الأهل خروج بناتهنّ وحيدات، دفع العديد منهن إلى إيجاد زوج وهمي في تركيا، فقط لمساعدتهن على بدء حياة جديدة بدون قيود، إلا أنّ بعض هذه الزيجات انتهت بحالة كارثية.

رولا 31 عاماً من محافظة اللاذقية، كانت قد تخرّجت من كلية الفنون الجميلة في دمشق، لكن ظروفها الصعبة اضطرتها للسفر إلى إدلب برفقة عائلتها.

وتقول رولا لآسيا تايمز: “كنت أعيش وعائلتي في اللاذقية، حيث كنت أقوم بتعليم الأطفال الصغار مادة الرسم، لكن وبعد اعتقال أخي عام 2016 من قبل الأمن السوري، اضطررنا لبيع المنزل من أجل دفع المال كرشوة، مقابل إخراجه من السجن، وحين تمّ الإفراج عنه شعرنا بالخوف من اعتقاله مرة أخرى فقررنا التوجه إلى إدلب”.

عقب وصولهم إلى محافظة إدلب، صدمت عائلة رولا بعمليات التضييق على النساء، فقد فُرض عليها ووالدتها ارتداء العباءة السوداء ومن هنا بدأت معاناة رولا، حيث ذكرت أنها لدى وصولها إلى أول حاجز عسكري تابع لهيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، قام العناصر بسؤالها والتحقق من خلفيتها الدينية.

وتحكي رولا أن حياتها تغيرت “كليًا” بمجرد وصولها إلى الحاجز، وتضيف: “فقد أجبرنا عناصر هيئة تحرير الشام على ارتداء العباءة، وقاموا بالتحقيق معنا ليتأكدوا من كوننا إسلام، وأخبروا والدي وأخي بأن عليه أن يقوم بتزويجي، كما قالوا بأنّ لديهم العريس المناسب لي، وهنا شعرت بالخوف الشديد لكنهم تركونا وشأننا لاحقاً”.

بعد عدة أشهر قررت رولا محاولة العثور على فرصة للعمل، لكن دونما فائدة، حيث باءت جميع محاولاتها بالفشل، وخاصةً أن تخصصها في الفن والنحت، يعتبر من المحرمات في تلك المناطق على حد قولها.

وتصف رولا كيف تمكنت منها حالة “إحباط شديدة”، موضحةً: “لم يكن بوسعي الخروج من المنزل بدون محرم/رجل، كما أنني لم أود الزواج من شاب غير متعلم وأيضا مسلّح، فأخبرت عائلتي أنني أنوي السفر إلى تركيا أو دمشق، لكنهم أخبروني بأنهم لن يسمحوا لي بالسفر إلا في حال تزوجت، ففكرت بالفرار من المنزل عدة مرات، لكن والديّ كبيران في السن ويعانيان بعض الأمراض، لذا لجأت للبحث عن شاب يستطيع مساعدتي”.

من خلال أحد المعارف، تعرّفت رولا على عمر 33 عاماً، صحفي سوري متزوج ومقيم في مدينة إسطنبول، حيث أبدى استعداده لمساعدة رولا على السفر للخارج، واتفقا على الزواج بشكل وهمي حتى تتمكن من بدء حياة جديدة.

ويقول عمر: “عندما سمعت قصة رولا شعرت بالحزن لأجلها وأردت مساعدتها وخصوصا أنها في بيئة لا تناسبها أبداً، لذا أخبرت زوجتي بالقصة، وعزمنا على مساعدة رولا كي تهرب من هذا الجحيم”.

زوجة عمر كانت قد ساهمت هي الأخرى في تدبير زواج رولا بشكل وهمي، فاتصلت بوالدتها بحجة أنها تريد طلب يدها لشقيقها، يدفعها في ذلك ثقتها برولا، وخاصة أنها علاقة صداقة كانت تجمعها في السابق.

“كنت أثق برولا وأعرف أنها لن تتسبب لي بالمشاكل، فاتصلت بوالدتها واتفقنا على كل شيء، وقررنا أن الزواج سيكون عن طريق شيخ وأننا سنثبت الزواج لاحقا في تركيا”، على حد تعبير زوجة عمر.

استطاعت رولا الوصول إلى تركيا وبدء حياة جديدة، وبعد فترة قصيرة تمكنت من العمل في إحدى الشركات العقارية براتب جيد، كما تشجعت على خلعت الحجاب، وأخبرت عائلتها بعد عدة أشهر أنها طلبت الطلاق من زوجها، حيث ذكرت بأنها سعيدة حالياً وخاصة أنها أصبحت قادرة على إعالة أسرتها المتواجدة في محافظة إدلب وإرسال المال لهم بشكل دوري.

وتخضع محافظة إدلب في معظمها إلى سيطرة هيئة تحرير الشام، بعد أن أقصت شركائها من الفصائل المعارضة في يوليو/تموز 2017، لتنفرد بالسيطرة في المحافظة. ومنذ ذلك الحين شرعت هيئة تحرير الشام الإسلامية في فرض أحكامها وتشريعاتها بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية، وعانى العديد من سكان محافظة إدلب وبخاصة النساء في ظل فرض هذه الأحكام والتشريعات.

وفي هذا الإطار، أصدرت هيئة تحرير الشام قرارات وتوجيهات عدة في العام 2015، مُنع بموجبها “تبرج” النساء وخروجهن بغير اللباس “الشرعي”، وبأن يكون فضفاضًا وألا تكون العباءة (المانطو) قصيرة أو ملونة أو مزخرفة.

كما اشترط على النساء عدم رفع العباءة وفتحها، وعدم التعطر ورسم الحاجبين، وعدم إظهار العينين من النقاب مزينتين بزينة الكحل وغيره، كما أصبحت عبارة “الالتزام باللباس الشرعي” ترافق “الخبرة والشهادة” في إعلانات طلبات توظيف النساء في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام.وهنا برز ما يسمى “مكتب الدعوة النسائي”، ومهمته مراقبة مدى التزام النساء باللباس المفروض، تطبيقًا للقرارات، وذلك عبر إرسال دوريات من الداعيات إلى الشوارع والأسواق والجامعات، تحت شعار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

وفرض هذا الوضع على النساء والفتيات السوريات المتواجدات في محافظة إدلب ضغوطات عدة، من بينها تزويج قاصرات من مقاتلين أجانب، ما دفع العديد من السوريات للتفكير بالفرار من محافظة إدلب.

لم يختلف مصير آلاء 30 عاماً، عن مصير رولا، فقد كانت هي الأخرى قد لجأت إلى الزواج بشكل وهمي للتخلص من جحيم الحياة في مدينة إدلب على حد وصفها، وكانت آلاء قد تخرجت من كلية التجارة والاقتصاد في دمشق، وتعدّ وعائلتها من مهجري حي القابون الدمشقي، كما كان شقيقها قد قُتل في إحدى الغارات الجوية للحكومة السوري التي طالت حيهم في بداية سنوات النزاع السوري.

وتقول آلاء لآسيا تايمز: “بعد نزوحنا إلى إدلب، لم يكن لدينا أي معيل، وكنت أعيش برفقة والديّ الكبيرين في السن، حيث كنا نشكي وضعاً مادياً صعباً، كما أنني لم أجد أي فرصة عمل، لذا قرر والديّ بعد عدة شهور، تزويجي لأول شخص يقرع بابنا خوفاً من أن أعيش وحيدة بعد موتهم، ما دفعني للتفكير بالفرار لاحقًا”.

نجحت آلاء في العثور على شاب مقيم في تركيا، من أجل الزواج بها بشكل وهمي، وبعد فترة سلكت طرق التهريب المحفوفة بالمخاطر، ووصلت إلى مدينة إسطنبول، دون أن يكون في حسبانها أنها قد تتعرض للاستغلال من قبل هذا الشاب.

وتروي آلاء: “بمجرد وصولي إلى منزل هذا الشاب، أخبرني أنه يريد فتاة للعيش معه في ذات المنزل، كي يبعد الشبهات عنه باعتبار أنه يعمل كبائع للمخدرات، فرفضت وقررت الهروب لكنه منعني من الخروج من المنزل وأخذ هاتفي وهددني بإخبار أهلي في الحقيقة في حال قمت بالهرب.”

بعدة عدة أشهر من التزامها المنزل، لم تعد آلاء تحتمل العيش بهذه الطريقة، فقررت الفرار والعودة إلى مدينة إدلب مرة أخرى خوفاً مما قد يحدث لها.

“في إحدى المرات طلب مني ذلك الشاب التوجه إلى منطقة اسنيورت كي أحضر له بعض المخدرات، فوافقت على ذلك لأنني أردت الفرار والعودة إلى إدلب، فتوجهت إلى مدينة حدودية في تركيا واستطعت العمل في أحد محلات الألبسة الموجودة في المدينة التركية، وأخبرت عائلتي بأنني طلبت الطلاق”، بحسب وصف آلاء.

رغم الظروف السيئة التي واجهتها في تركيا، فضلت آلاء نهاية الأمر البقاء بتركيا، وخاصةً بعد أن تمكنت من إعالة نفسها من خلال عملها الجديد، حيث قالت في هذا الخصوص:

“أصبح لدي عمل أعيل نفسي من خلاله، كما أصبحت أتمتع بحرية مطلقة بلباسي وطريقة عيشي، لذا فضلت البقاء في تركيا وقررت عدم العودة إلى إدلب، وخاصة أن الحياة هناك أشبه بالعبودية بالنسبة للنساء”. 

أما عن سكينة، البالغة من العمر 35 عامًا من مدينة حلب، والتي تعمل كمدرّسة للرياضة، فقد لجأت للفرار من عائلتها، نتيجة التضييق الذي كان يمارس عليها من قبل شقيقيها واللذين كانا معتقلان سابقان في سجون الأجهزة الأمنية السورية.

وبهذا الصدد، تروي سكينة لآسيا تايمز: “في العام 2017، تعرض شقيقي للاعتقال، وبعد عام تمّ الإفراج عنهما، لكنهما كانا قد تغيرا كلياً، حيث أصبحا متشددين اسلامياً، وأرغماني ووالدتي على ارتداء الحجاب وطلبا مني التوقف عن العمل، فأصبحت حياتنا كالجحيم في المنزل، حيث كان كل شيء ممنوع حتى التلفاز”.

ولم تسنح لسكينة فرصة الفرار إلا في العام 2018، عندما تمكنت من التسلل إلى مدينة إسطنبول التركية، كلها أمل في بدء حياة جديدة، لكنها تعرضت لصدمة عندما واجهت صعوبة الحياة هنا. وواجهت سكينة في بداية حياتها الجديدة وفي يومها الأول، أول التحديات بعدما تعرضت إلى عملية احتيال من قبل أحد السماسرة السوريين، والذي قامت بإعطائه كل ما تملك من مال، في سبيل العثور على أي سكن مناسب.

“فقدت معظم المال الذي كان بحوزتي، فأصبحت بلا أي شيء، حتى أنني اضطررت للنوم في الحدائق، لكني وبعد فترة قصيرة استطعت العمل في إحدى ورشات الخياطة، وسمح لي صاحب العمل المبيت في الورشة. أنا سعيدة بحياتي الجديدة رغم صعوبتها وخاصةً أنني حصلت على حريتي الكاملة”.

بعد فترة من العمل في ورش الخياطة تمكنت سكينة من العثور على عمل جيد في مجال العقارات، مقابل مرتب شهري جيد، حيث استطاعت من خلاله استئجار منزل خاص بها، وتحقق حلمها بعد طول انتظار على حد قولها.