هدّد دونالد ترامب الرئيس الأميركي بفرض عقوبات على العراق أقسى من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وذلك ردّاً على قرار البرلمان العراقي بإلزام الحكومة العراقيّة بإخراج القوّات الأجنبية من البلاد.

وقال ترامب، في تصريحات للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، “لدينا قاعدة جوية هناك (في العراق) باهظة التكلفة بشكل استثنائي. لقد احتاجت مليارات الدولارات لبنائها منذ فترة طويلة قبل مجيئي. لن نغادر إلا إذا دفعوا لنا تكلفتها”.

وتابع ترامب أنه “إذا طالب العراق برحيل القوات الأميركية ولم يتم ذلك على أساس ودي، سنفرض عليهم عقوبات لم يروا مثلها من قبل مطلقا. ستكون عقوبات إيران بجوارها شيء صغير”.

وأدى مقتل أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي وقاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بضربة جوية أميركية على العاصمة العراقية بغداد، الجمعة الماضي، إلى تدهور العلاقات بين بغداد وواشنطن إلى درجة صار فيها الجيش الأميركي غير مرغوب ببقائه في العراق.

وبناء على طلب عادل عبد المهدي رئيس الحكومة العراقية المستقيل، عقد البرلمان العراقي، ظهر الأحد، جلسة استثنائية صوّت فيها على إنهاء وجود القوّات الأجنبية على الأراضي العراقيّة.

ويلزم القرار الحكومة العراقية بإنهاء تواجد أي قوات اجنبية على الأراضي العراقية ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأي سبب.

وشهدت جلسة البرلمان التي حضرها نحو ١٧٠ نائباً من أصل ٣٢٩ نائباً ترديد النواب الشيعة لهتافات مثل “نعم نعم سليماني” و”كلا كلا أمريكا”.

وقاطع الجلسة الأحزاب الكردية وممثلين عن العرب السنّة.

وسبق الجلسة تلويح عدد من الفصائل المسلحة المدعومة من إيران بتهديد بمنع النواب الرافضين للتصويت على قرار إخراج القوّات الأجنبية من دخول بغداد.

عجز أمام الضغط الأميركي

وقدّم عبد المهدي خطاباً أمام أعضاء البرلمان أعلن من خلاله عجز حكومته التصرّف مع الإدارة الأميركية، بسبب إصرار واشنطن على إدخال العراق ضمن المحور المعادي لإيران.

وشرح رئيس الحكومة العراقيّة، الذي دفعته احتجاجات واسعة تجري في ١١ محافظة عراقية منذ ٢٥ من تشرين الأول / أكتوبر إلى الاستقالة، الضغوطات التي تعرّضت لها حكومته من قبل الإدارة الأميركية لإلزام بغداد بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

ويرفض العراق الالتزام بقائمة العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، وعلى هذا الأساس منحت الإدارة الأميركية استثناء لبغداد للتعامل مع إيران.

وحاول عبد المهدي تبرئة حكومته من التماهي مع التظاهرات الغاضبة التي جرت أمام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً، إثر مقتل عدد من عناصر الحشد الشعبي بضربة أميركية على مقارهم في محافظة الأنبار الأسبوع الماضي.

وقال عبد المهدي أنه وعدد من المسؤولين هددوا بترك مناصبهم في حال استمرار الاعتصام أمام السفارة الأميركية، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى انسحاب المعتصمين من أمام السفارة الأميركية التي شهدت أبوابها ونوافذها أضراراً.

وأشار رئيس الوزراء العراقي المستقيل إلى مكالمة هاتفية جرت مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تباحثا فيها أحداث السفارة، فيما أكد أن ترامب طلب من بغداد “للعب دور وسيط للتهدئة مع إيران”.

إلا أن عبد المهدي أكد أنه سبّق وأن تحدّث إلى رئاسة البرلمان بشأن عقد جلسة طارئة لمناقشة وجود القوّات الأجنبية قبل الضربة الجوية التي أدت إلى مقتل المهندس وسليماني، مشيراً إلى أن أحداث السفارة أدت إلى زيادة الطلبات الأميركية بالسيطرة على المجال الجوي العراقي، فضلاً عن طلبات أخرى بإرسال جنود أميركيين إلى الأراضي العراقية.

 وحاول عبد المهدي منح شرعية لزيارة سليماني الى العراق.

وقال ان سليماني كان يحمل رداً على رسالة سعودية سبق وان نقلها العراق الى طهران.

الا ان مراقبين يشيرون الى ان عبد المهدي حاول منح شرعية لتواجد سليماني على الاراضي العراقية.

وحاول “اسيا تايمز” الوصول إلى معلومات تخص فحوى الرسالة، الا انه واجه تحفظاً من مسؤولين بالرد على الاسئلة.

وألزم القرار الذي أصدره البرلمان وزارة الخارجيّة العراقيّة بتقديم شكوى دولية ضد الولايات المتحدة الأميركية. 

وسارعت وزارة الخارجية، مساء الأحد، إلى الإعلان عن تقديمها “شكوى رسمية الى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن الهجمات والاعتداءات الأمريكية ضد مواقع عسكرية عراقية، والقيام باغتيال قيادات عسكرية عراقية وصديقة رفيعة المستوى على الاراضي العراقية”، بحسب بيان لوزارة الخارجية العراقية وزّع على وسائل الإعلام.

وقال بيان وزارة الخارجية إن “القوات الأمريكية قامت بانتهاك خطيرة للسيادة العراقية ومخالفة لشروط تواجد القوات الأمريكية في العراق”.

وليل الأحد، تلقى عبد المهدي اتصالاً هاتفياً من جان ايف لودريان وزير الخارجية الفرنسي يحثّه فيها على “إعطاء وقت” للتباحث بشأن إخراج القوّات الأجنبية من العراق، إلا أن عبد المهدي أبلغ المسؤول الفرنسي بأن “المسؤولين العراقيين المختصين في الدوائر المختلفة يعدون مذكرة للخطوات القانونية والإجرائية لتنفيذ قرار مجلس النواب بانسحاب القوات الأجنبية”.

وتعليقاً على قرار البرلمان العراقي، قال مورغان أورغتوس المُتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، إن “الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل”. 

وأضاف أورغتوس: “نحُث الزعماء العراقيين بقوة على إعادة النظر في أهمية العلاقة الاقتصادية والأمنية المستمرة بين البلدين واستمرار وجود التحالف العالمي لهزيمة داعش”.

ضربات أميركا تؤجج الأوضاع

وعلى العكس من مساعي واشنطن، فقد أدت الضربات الجوية الأميركية المتتالية على العراق، والتي أدتّ إلى مقتل عدد من عناصر الحشد الشعبي وقيادات بارزة على رأسهم أبو المهدي المهندس وعرّاب الفصائل المسلحة الجنرال الإيراني قاسم سليماني، أدى ذلك إلى ازدياد خلخلة أمن العراق وزيادة نفوذ إيران داخل العراق.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فقد أدت الضربة الجوية على مطار بغداد ليل الجمعة إلى تعليق رحلات عدد من شركات الطيران إلى العراق.

ودعت أكثر من دولة عربيّة وأوربية مواطني بلدها إلى عدم السفر إلى العراق.

وتفشّى الخوف لدى شركات النفط من الاستمرار في عملها في الحقول النفطية. 

ويعتمد العراق بشكل كامل على أموال بيع النفط لتسيير أموره المالية. 

أمنياً، منحت الضربات الأميركية مساحة لإعادة إحياء فصائل عراقيّة مسلحة سبق وأن تمّ تجميد عملها مثل “جيش المهدي” و”لواء اليوم الموعود” اللذان يتبعان للزعيم الديني الشيعي مقتدى الصدر. 

وسبق لهذه الميليشيات أن قاتلت الجيش الأميركي بعد احتلاله للعراق عام ٢٠٠٣، وكانت طرفاً ضارياً في الصراع الطائفي الذي دار بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٨.

ودعا الصدر، وهو رجل دين يمتلك نفوذاً واسعاً داخل المناطق الشيعية، الفصائل المسلحة داخل العراق وخارجه إلى “اجتماع فوري” لإعلان تشكيل ما سمّاه “أفواج المقاومة الدولية” ضد الولايات المتحدة الأميركية، وسرعان ما أعلنت ميليشيا “النجباء” الاستجابة للصدر.

وتشعر الفصائل المسلحة بتهديد وجودي بعد الغارات الأميركية على العراق، الأمر الذي يدفعها إلى التنسيق فيما بينها لتخطيط عمليات مسلّحة ضد الجنود والدبلوماسيين الأميركيين الموجودين على الأراضي العراقية.

ومنذ ليلة السبت، تطلق الفصائل المسلحة صواريخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً والتي تضم مقار السفارات الأجنبية والعربية والمقار الحكومية العراقية المهمّة.

ونتيجة للصواريخ، أعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية إيقاف مهام التدريب والدعم للقوات العراقية.

انقسام عراقي

وتخشى الأحزاب الكردية والعربيّة السنيّة من أن تبتلع إيران العراق في حال خروج القوات الأمريكية من البلاد.

وقال نائب في البرلمان العراقي عن محافظة نينوى، رفض الإشارة إلى اسمه، إن “ما يحصل هو جنون تماماً.. لا أحب أمريكا فهي سبب خرابنا”، لكنه أضاف في حديث إلى “آسيا تايمز” قائلاً “لكني لا أريد للعراق أن يكون في المحور الإيراني فندخل العقوبات الدولية ويتحول العراق تحت رحمة الميليشيات المسلحة” المدعومة من إيران.

وأوضح النائب، الذي يخشى التصريح باسمه علانية خوفاً من التأجيج المتصاعد ضد الرافضين لخروج القوات الأجنبية من البلاد، “تواجد الجيش الأميركي يخلق توازناً للنفوذ الإيراني في العراق”. 

بدوره، يقف الشارع العراقي الذي يشهد تظاهرات حاشدة منذ الأول من تشرين الأوّل / أكتوبر وأدت إلى مقتل نحو ٥٠٠ شخصاً وإصابة أكثر من ٢٠ ألفاً مذهولاً أمام تسارع الأحداث السياسية.

وتخشى ساحات الاعتصام والتظاهر في ١١ محافظة عراقية من تؤدي الأحداث المتسارعة إلى إهمال مطالبها في إحداث تغيير سياسي ينهي الفساد والمحاصصة الطائفية في تقاسم السلطة.

وردّد المتظاهرون شعارات برفض التدخلات الأميركية والإيرانية بالشأن السياسي العراقي.

ويخشى العراقيون من أن يؤدي التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى خوض حرب بالوكالة على أرضهم تؤدي إلى زعزعة الأمن وانهيار الاقتصاد.

ونتيجة لاقتصاده الهش الذي يعتمد على أموال النفط واستيراد البضائع، فإن ليس باستطاعة العراق خوض أي مغامرة قد تؤدي إلى فرض عقوبات أمريكية عليه.

وقال النائب عن نينوى “سينهار كل شيء.. لا يمكننا تحمل عقوبات أو خوض حرب جديدة.. ما زلنا لم نتعافَ من مرحلة داعش وما أحدثته من دمار هائل في البلاد”.

وأوضح “لقد تحدث السياسيون السنة والأكراد إلى الأحزاب الشيعة لاتخاذ خطوات عقلانية لكن لا أحد يستمع بسبب العاطفة والضغوط الإيرانية عليهم”.